بقلم/ عطا القيمري

في غياب المعركة الميدانية الحقيقية بين طرفي النزاع في المعادلة الفلسطينية- الإسرائيلية، الذي يفترض أن تحسم الصراع في صالح طرف من الأطراف، وفي ظل تصدر جدار الفصل العنصري جدول الأعمال السياسي محليا، إقليميا ودوليا، تتحول هذه المعركة إلى مشادة لفظية بين الأطراف، فبينما تعمل إسرائيل في محاولة شبه يائسة لتبرير هذا الجدار/ السور الذي يفرض واقعا من الفصل العنصري سيئ الصيت دوليا، إلى إعادة صياغة اسمه بحيث يصبح "جدار منع العمليات الإرهابية"، تسارع الحكومة الفلسطينية من جهتها إلى الرد على النار بالمثل، فتعيد صياغة الاسم ليصبح برأيها "جدار الضم والتوسع".

والواقع هو أنه لا يوجد في حقيقة الأمر خلاف حقيقي بين التسميات الثلاث، باستثناء أن كل طرف يشد الدثار ليغطي به ظهره، ففكرة الجدار من حيث الأساس جاءت بابتداع من اليسار الإسرائيلي أصلا، كوسيلة للوقاية من العمليات التي يبادر إليها الفلسطينيون داخل الخط الأخضر، ولمنعهم من عمل ذلك. وجاء اليمين ليتخذ من هذه الفكرة وسيلة كي يحقق من خلالها بعضا على الأقل من رؤياه الأيديولوجية في التوسع والاستيطان، وإبقاء السيطرة على كامل المناطق، في ظل التظاهر بالخروج منها، أو الأحرى إخراج الفلسطينيين من دائرة الاهتمام والمسؤولية السياسية.

وهكذا ينطبق على هذا الجدار التسمية الإسرائيلية الجديدة والتعديل الفلسطيني عليها في آن معا. ولكنه يبقى في حقيقة الأمر جدارا للفصل العنصري حقا، مثلما جاء في التعبير الأصلي الذي اتخذه منذ البداية، المهم هنا هو السؤال: هل تخدم التسمية الفلسطينية الجديدة المعركة القانونية وهل تؤثر على الرأي العام العالمي حول الجدار وبأي مدى؟


فكرة جدار الفصل جاءت بابتداع من اليسار الإسرائيلي، أصلا كوسيلة للوقاية من العمليات التي يبادر إليها الفلسطينيون داخل الخط الأخضر
تدحرج الجدار في الرؤية الإسرائيلية
في قصة الجدار هناك الكثير جدا من ميزة التشكل التدريجي المتصاعد المباغت والعفوي، فقد بدأ كعنصر متواضع في حجمه، لإعطاء رد أمني مناسب. ولكن هذا العنصر سرعان ما تدحرج ليتوافق مع رؤيا إستراتيجية معينة. فالحكومة الإسرائيلية لم تلتزم بالقرارات الأصلية لمجال التماس، التي اتخذتها هي نفسها.

المرة الأولى التي اتخذت فيها حكومة شارون قرارا يتعلق بمجال التماس، كانت في 18 يونيو/ حزيران 2001. وفي جلسة دراماتيكية عقدت في أعقاب العملية بمرقص "الدولفيناريوم" في تل أبيب، وقرر الوزراء المصادقة على مشروع قرار رئيس الوزراء بشأن "خطة مجال التماس" التي تقول بوجوب المصادقة المبدئية على خطة منع تسلل الأشخاص من المناطق عبر مجال التماس ومكوثهم غير الشرعي في إسرائيل. على أن تطرح "خطط عمل في موضوعات: مجال القدس والعائق والمعابر والنظام الاقتصادي والمبادئ وخطط التمويل واقتصاد العمل في إسرائيل".

لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون يتفق أصلا مع فكرة أي جدار يفصل بين إسرائيل وطموحاتها الإقليمية في الضفة الغربية بالذات، ولكنه كان يرغب في صد الضغط الجماهيري المتزايد الذي بات يرى وجوب مثل هذا العائق على سبيل الوقاية الأمنية. ولو تركت لشارون ما قرر أو نفذ فكرة الجدار على الإطلاق فهو لا يؤمن بعائق مادي على مجال التماس، إذ إن مثل هذا العائق لا يكبل ويقيد نشاط قوات الأمن فقط، بل وقد يوحي بخط حدود سياسية تكبل وتقيد الصهيونية في مجال توسعها الاستيطاني والإقليمي. ولهذا فمع أنه اتخذت في تلك الجلسة في يوليو/ تموز 2001 وحتى جلسة الحكومة في 14 أبريل/ نيسان 2002 قرارات ملزمة بإقامة هذا العائق، إلا أنه لم يجرِ شيء تنفيذي في هذا الموضوع.

وكانت خطة مجلس الأمن القومي الأولية المقترحة هي إقامة عائق متواصل على الخط الأخضر، يرمي إلى منع عبور المركبات من الضفة إلى إسرائيل وبالعكس، وتقليص ظاهرة سرقة السيارات. أي عن فصل مادي محلي، بين قرى فلسطينية محاذية للخط الأخضر وقرى إسرائيلية مجاورة لها، سواء لمنع عبور الناس أم المركبات على طرفي الخط الأخضر.

جدار الفصل زاد من المعاناة اليومية للفلسطينيين
وكانت المخابرات الإسرائيلية ولا تزال، ولا سيما تحت رئاسة آفي ديختر، مؤيدة لإقامة عائق مادي يشكل سورا أمنيا ضد تسلل المبادرين إلى التفجيرات في إسرائيل. وقد تبين لها أن التداخل بين القرى الفلسطينية والعربية الإسرائيلية على جانبي الخط الأخضر يجعل الحدود بين الكيانين سائبة وإمكانية التسلل في غاية السهولة. ومن هنا جاءت التوصية بإقامة عائق مادي يفصل بين القرى العربية والقرى الفلسطينية المجاورة لها. ومنذئذ جرى الحديث عن بناء جدار أو سور مع شبكة إلكترونية توفر الإنذارات.

في يوليو/ تموز 2001 عندما طرحت المخططات الأولية كان هناك تخوف من أن يفسر قيام عائق على خط التماس كإقامة خط حدود سياسية على طول الخط الأخضر. وعليه ففي المخططات التي أعدها مجلس الأمن القومي لم يجر الحديث عن عائق متواصل على طول خط التماس. بل جرى الحديث عن ذلك في أنه في المناطق المفتوحة، حيث لن يقام العائق، ستجري سيطرة على حركة المتسللين من خلال نقاط المراقبة من أنواع مختلفة. وكقاعدة ساد الفهم بأن القيادة السياسية لا تريد بالضبط عائقا، ولهذا ينبغي "تسويقه" كعائق متقطع، لا تشتم منه رائحة جدار سياسي. والمرة الأولى التي بدأ فيها الحديث عن جدار متواصل كانت فقط في مارس/ آذار 2002.

في مجلس الأمن القومي رفعت في 20 يوليو/ تموز 2001 وثيقة شكلت أساسا لقرار الحكومة بعد أربعة أيام من ذلك، في تلك الوثيقة جرى الحديث عن سلم أولويات في بناء العائق، في الأولوية الأولى بناء عائق على طول 50 كيلومترا، عائق متواصل بنحو 30 كيلومترا من باقة الغربية حتى قلقيلية وطولكرم، وعوائق شرقية لأم الفحم في برطعة، وعائق إضافي بطول 7 كيلومترات في منطقة القدس. وفي الأفضلية الثانية: عائق 7 كيلومترات في منطقة الطيبة، وعائق 4 كيلومترات في منطقة هار- أدار، وعائق 4 كيلومترات في منطقة القدس، رسم الخرائط وضع فيه خطوط العوائق بمحاذاة الخط الأخضر مع بعض خروج ليس أكثر من عشرات حتى مئات الأمتار الشرقية.

في تلك الخطة لم يجرِ الحديث قط عن كتل الاستيطان اليهودية، التي سيحيطها عائق مجال التماس من الشرق، وتم التخطيط بأن مستوطنات يهودية في الضفة محاذية للخط الأخضر، مثل ريحان وحيننيت وشكيد وما شابه تتم معالجته في إطار خطة "تحصين التجمعات السكانية في خط المواجهة". وهكذا على أي حال في تلك المرحلة لم يحلم أحد بخلق تلك "الأصابع" و"البطون" للجدار، التي تتسلل كيلومترات إلى دخل الضفة في ظل حبس آلاف السكان الفلسطينيين ومئات الكيلومترات المربعة من المناطق المبنية ومن المناطق الزراعية.

وكقاعدة فإن الحاجة إلى الامتناع عن حبس أراض وآلاف من السكان الفلسطينيين، غربي عائق مادي لم تولد في مجلس الأمن القومي عام 2001، كان هذا متفقا عليه على مدى سنين كان فيها قيد الاستخدام مفهوم "مجال التماس". هذا المفهوم لم يولد في عصر أرييل شارون كرئيس وزراء، فقد ظهرت لأول مرة في منتصف التسعينيات على خلفية المباحثات مع الفلسطينيين على التسوية الانتقالية خرائط مجال تماس أعدت منذ عهد إيهود باراك كرئيس للوزراء في إطار ما سمي في حينه "إدارة السلام".

وفي عهد باراك رسم مجال التماس على أساس مفهوم كيانين منفصلين إسرائيلي وفلسطيني مع اتفاق دائم بينهما. في تلك الخرائط يتطابق مجال التماس -وإن لم يكن بدقة- مع الخط الأخضر. صحيح أنه ظهرت فيها كتل الاستيطان اليهودية، ولكن في قلب التخطيط وقفت المسألة، كيف يمكن تقليص الأضرار الناجمة جراء حقيقة أن تلك التعديلات الصغيرة على طول الخط الأخضر تحبس أراضي وسكانا فلسطينيين، الافتراضية الأساسية اعتقدت في حينه عدم وجوب ضم فلسطينيين لتحويلهم إلى إسرائيليين.


كانت وزارة الدفاع ولا تزال المقاول التنفيذي فقط، وكان إبراز الوزارة في صدارة الجدار يهدف إلى التظاهر بأن اعتبارات إنشائه أمنية فقط
وإذا لم يكن هناك مفر من أن يتضمن الخط في مناطق معينة رغم ذلك سكانا فلسطينيين، فعندها يجب عمل كل شيء كي يكون هؤلاء السكان مرتبطين بالسلطة الفلسطينية، وبشكل عام مرغوب فيه شراء الأراضي أو تبادل الأراضي مع السلطة، الحدود بين إسرائيل والفلسطينيين في مجال التماس خطط لها أن تكون حدودا نشطة مع معابر ومناطق صناعية.

الخرائط القائمة اليوم التي ترسم -حسب زعم كبار في جهاز الأمن قريبين شخصيا من شارون بالتعاون مع العقيد احتياط داني تيرزه- لم تعد تقوم على الخط الأخضر، بل على خط غلاف المناطق (ب) الفلسطينية. وهكذا يمر مجال التماس ليس فقط بتعديلات طولية، بل أيضا بتعديلات فكرية جوهرية.

وفي العام 2003 بني عائق مادي شرقي القرى العربية المحاذية للخط الأخضر، مثل برطعة وباقة وقلقيليا. هذا الجدار بني خلافا لفرضية العمل المهنية من المخابرات بشأن إمكانية الحفاظ على نقاء هذه الأماكن. حتى منتصف العام 2002 كان يمكن الادعاء بأن إعداد الخرائط وتحدي مسار الجدار تجريه هيئة تنفذ تكاملا مع كل الوزارات الحكومية ومحافل الأمن، ولكن من اللحظة التي تلقى فيها رئيس مجلس الأمن القومي عوزي ديان بلاغ إنهاء مهام منصبه انتقل رسم الخرائط مباشرة إلى يد رئيس الوزراء. وأما أفرايم هليفي الذي خلف عوزي ديان في منصبه فلم يرغب في أخذ المسؤولية عن مجال التماس.

كانت وزارة الدفاع ولا تزال المقاول التنفيذي فقط، وكان إبراز الوزارة في صدارة الجدار يهدف إلى التظاهر بأن الاعتبارات أمنية فقط، في ما أن الحقيقة هي أن شارون يقود الأمور بنفسه، وهو الوحيد الذي يقرر سير خط الجدار، كما أن الجيش لم يشارك في رسم الخرائط، واقتراحاته المضادة على رسومات مكتب رئيس الوزراء كانت ترد دوما.

وهكذا من عائق أمني صرف حظي بالإجماع الوطني بل وأقيم تحت ضغط حركة شعبية، نشأ شيء معقد سرعان ما صار بؤرة احتكاك أخرى مع العالم ومع الفلسطينيين.

لقد اعتقد شارون أن بوسعه أن يسرق في غفلة من الزمن وتحت جنح ظلام الحجة الأمنية التي يسهل تسويقها في العالم في ضوء ضحايا العمليات التفجيرية الفلسطينية في مراكز المدن الإسرائيلية، أكبر كمية ممكنة من الأراضي الفلسطينية، محققا بذلك النقيض التام لما يصرح به من استعداد للموافقة على قيام الدولة الفلسطينية، فما سيتبقى بعد ما يقضمه الجدار، حسب الرؤية الأولية لشارون، لن يسعه بأي حال أن يصبح رصيدا لدولة قابلة للحياة. وبالنسبة له فإن للفلسطينيين أن يسموا مناطقهم، جيوبهم المنعزلة والمحاصرة، إمبراطورية -لو شاؤوا- وليس مجرد دولة.
_______________
كاتب فلسطيني في صحيفة الحياة الجديدة