* بقلم الدكتور سعد ناجي جواد

ليس من المبالغة القول إن المشكلة الكردية في العراق كانت وحتى عام 1991 تمثل المشكلة الكبرى للدولة العراقية، كما أنها وحتى يومنا هذا لاتزال مشكلة رئيسية لها. وتتمثل المشكلة في محاولة الأكراد الحفاظ على هويتهم القومية واللغوية في دولة غالبيتها العظمى من العرب، في حين أن الحكومات العراقية المتعاقبة كانت تجد في التطرف في هذه المحاولات مرحلة تقود إلى الانفصال عن الدولة العراقية.

الأكراد شعب أصيل سكن المنطقة منذ آلاف السنين. وعندما تكونت الدولة العراقية الحديثة بعد الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة العثمانية من ضم ثلاث ولايات عثمانية بعضها إلى بعض هي الموصل والبصرة وبغداد، ظلت ولاية الموصل تمثل مشكلتين أساسيتين داخل الدولة العراقية الجديدة:


  • انتعشت الطموحات الكردية عام 1920 عندما وقعت معاهدة "سيفر" بين الحلفاء التي جاء في موادها
    (62 و63 و64) النص على حق الأكراد في إنشاء دولة كردية في منطقة كردستان تركيا تتمتع بالحكم الذاتي أولا ثم الاستقلال.
    المشكلة الأولى
    : تتمثل في مطالبة تركيا الحديثة بهذه الولاية على أساس أنها جزء لا يتجزأ من تركيا، والسبب الحقيقي لهذه المطالبة هو احتواء الولاية على مخزون نفطي كبير.
  • المشكلة الثانية: تتمثل في احتواء الولاية على مجموع المناطق الكردية العراقية الرئيسية: السليمانية وأربيل ودهوك، حيث طالب الأكراد الساكنون في هذه المناطق بكيان مستقل أسوة بالدول الجديدة التي أنشئت في المنطقة. وفي الحقيقة فإن الطموحات الكردية كانت قد انتعشت عام 1920 عندما وقعت معاهدة "سيفر" بين الحلفاء التي جاء في موادها (62 و63 و64) النص على حق الأكراد في إنشاء دولة كردية في منطقة كردستان تركيا تتمتع بالحكم الذاتي أولا ثم الاستقلال. إلا أن رفض تركيا لهذه المعاهدة ورغبة بريطانيا في وضع العراق بأكمله تحت الانتداب أبقيا هذه المعاهدة حبرا على ورق. ثم جاءت معاهدة لوزان عام 1923 لتقضي على الآمال الكردية، حيث تم تقسيم المنطقة وحسب الحدود المتعارف عليها الآن. وبالتالي فقد تم تقسيم منطقة كردستان بين تركيا وإيران والعراق مع بعض التدخلات في كل من أذربيجان (من أجزاء الاتحاد السوفياتي السابق) وسوريا.

وللأكراد المسلمين لغتهم القومية المختلفة، وهم يدعون أنهم ينحدرون من أصل آري، إلا أن أغلب الدول التي يسكنون فيها تنكر عليهم هذا التميز. وهذا الإنكار أثر بشكل كبير على حقيقة تعداد نفوسهم، ففي الوقت الذي تقول فيه المصادر الكردية إن أعداد الأكراد تتجاوز الـ 25 مليون نسمة نجد أن المصادر غير الكردية لا تزيدهم عن عشرة ملايين نسمة.

أولاً: الأكراد في العراق
ثانياً: الموقف الرسمي العراقي من القضية الكردية
ثالثا:ً تحليل الأوضاع القائمة في كردستان العراق
رابعاً: مستقبل الأوضاع في المنطقة الكردية

أولاً: الأكراد في العراق

عندما أكملت بريطانيا احتلال العراق (الولايات الثلاث المذكورة) عام 1918 عمدت إلى تقسيم هذه الولايات إلى محافظات (ألوية)، حيث تم تقسيم الموصل إلى أربع محافظات هي: الموصل وأربيل والسليمانية وكركوك، ثم أضيفت محافظة دهوك إلى ذلك عام 1970. وفي الوقت الذي ضمت فيه كل من أربيل والسليمانية الغالبية العظمى من الأكراد، فإن كلا من الموصل وكركوك ضمت نسبة أخرى من الأكراد.

حدثت أول مواجهة مسلحة بين الأكراد والإدارة البريطانية عام 1919. واستمرت هذه المواجهات ولفترات متقطعة منذ ذلك التاريخ وحتى عام 1946 ولأسباب متعددة، فمن رفض الأكراد للإدارة البريطانية تحولوا إلى رفض انتشار الإدارة العراقية الملكية وبناء المخافر في المناطق الكردية الحدودية النائية، وقمعت كل هذه الحركات من قبل القوات البريطانية ثم الجيش العراقي بعد تأسيسه.

وكانت الأسباب التي شجعت هذه الحركات متباينة ما بين عشائرية ودينية وقومية، حيث كانت في البداية عشائرية بحتة وتحولت في الثلاثينيات والأربعينيات إلى قومية بعد أن تم تأسيس أحزاب سياسية كردية مثل حزب هيوا (1939) وحزب رزكاري (1945) والحزب الديمقراطي الكردستاني (1946)، علما بأن غالبية المثقفين والمتعلمين الأكراد كانوا فاعلين في الحركة الوطنية العراقية آنذاك حيث انضموا إلى الأحزاب السياسية العراقية السرية التي أنشئت في تلك الفترة مثل الحزب الشيوعي العراقي والحزب الوطني الديمقراطي ووصلوا إلى مراكز قيادية في هذه الأحزاب.

في بداية العهد الملكي العراقي اتهمت السلطات العراقية بريطانيا بتحريض الأكراد وتشجيعهم على عدم الاندماج في الدولة العراقية الجديدة، ولم يكن ذلك حبا في الأكراد أو إيمانا بمطالبهم، ولكن بريطانيا أرادت من وراء ذلك إجبار الحكومة العراقية على توقيع معاهدة طويلة الأمد مع بريطانيا في الوقت الذي كانت فيه الحكومة العراقية تطمح إلى الحصول على الاستقلال. بل والأكثر من ذلك فإن بريطانيا هددت الحكومة العراقية بالقول إن الامتناع عن توقيع مثل هذه المعاهدة ومعاداة بريطانيا سيعني ليس فقط امتناع الأكراد عن الانضمام إلى الدولة العراقية، بل إنه سيؤدي إلى خسران ولاية الموصل القديمة بأكملها إلى تركيا التي ظلت تطالب بها.

وهكذا اضطرت الحكومة العراقية للقبول بالمعاهدة مقابل دعم بريطانيا لمطالب العراق بولاية الموصل، وبالفعل فقد تحقق للعراق ذلك حيث أنهيت مشكلة الموصل لصالح العراق بعد توقيع المعاهدة العراقية البريطانية عام 1922، وتم إلحاق المحافظات الكردية بالدولة العراقية.


بعد أن استقرت الدولة العراقية ظهر ما يثبت أنها كانت الدولة الوحيدة من بين الدول التي يسكنها الأكراد تعترف بالوجود الكردي. ولم تمنع الأكراد من استخدام لغتهم ومن حقهم في التمسك بهويتهم القومية
المهم في هذا المجال وبعد أن استقرت الدولة العراقية ظهر ما يثبت أن هذه الدولة كانت الوحيدة من بين الدول التي يسكنها الأكراد تعترف بالوجود الكردي. ولم يمنع الأكراد من استخدام لغتهم ومن حقهم في التمسك بهويتهم القومية، في حين أن تركيا وإيران بل وحتى الاتحاد السوفياتي كانوا قد أنكروا على الأكراد كل شيء يثبت هويتهم الكردية المتميزة.. لا بل إنهم منعوا حتى من ارتداء أزيائهم القومية التقليدية. وهكذا يمكن القول إنه لم يجر في العراق أي تمييز بين العرب والأكراد، بل إن الموالين للنظام الملكي العراقي من الأكراد وصلوا إلى أعلى المراتب الرسمية (رؤساء ووزراء ومديرين عامين)، في حين أن الأكراد المعارضين لهذا النظام تمتعوا بمراكز قيادية في الأحزاب العراقية المعارضة للملكية، وكانوا يعملون كما ذكرنا ضمن الحركة الوطنية العراقية ككل.

بعد سقوط الملكية في العراق وإقامة الجمهورية في يوليو/ تموز 1958 فتحت للأكراد آفاق جديدة من الحرية والتسامح، وبدأ القادة الأكراد يتحركون ويعملون بحرية غير مسبوقة وسمح للمهاجرين منهم بالعودة إلى العراق وعلى رأسهم الملا مصطفى البرزاني، كما بدؤوا بإصدار الصحف والمجلات والمنشورات والقيام بمهرجانات ثقافية وسياسية حتى قبل إجازة حزبهم، الحزب الديمقراطي الكردستاني برئاسة البرزاني من قبل رئيس الوزراء آنذاك اللواء عبد الكريم قاسم عام 1960. كما أن الدستور العراقي الجديد والمؤقت نص ولأول مرة على شراكة العرب والأكراد في الوطن العراقي، وهذا النص لايزال موجودا حتى هذا اليوم ولو بصيغ مختلفة. إلا أن الخلافات بدأت تظهر بعد ذلك حول كيفية تنظيم العلاقة ما بين السلطة المركزية العراقية والحركة القومية الكردية متمثلة بالحزب الديمقراطي الكردستاني، فبينما اعتبرت الحكومة الجمهورية آنذاك أن الحرية التي يتمتع بها الأكراد والإنجازات التي حصلوا عليها كانت كافية لتطمينهم ضمن الدولة الواحدة، طالب الحزب بالحكم الذاتي كأساس لحل مشكلتهم.

بدأت ثورة 1961 الكردية في حقيقتها كتمرد عشائري ضد تطبيق قانون الإصلاح الزراعي الذي أعلنته الحكومة الجمهورية والذي كان موجهاً ضد الإقطاعيين الأكراد. وبما أن المجتمع الكردي هو مجتمع زراعي يهيمن فيه الإقطاع المتمثل برؤساء العشائر الذين يملكون الغالبية العظمى من الأراضي الزراعية، فقد نجح هؤلاء الإقطاعيون في إثارة الفلاحين الأكراد ضد القانون الذي وجد لمصلحتهم.

وبدلاً من أن تواجه الحكومة العراقية هذا الوضع بالحكمة استغلته كسبب للإجهاز على الحركة القومية الكردية التي وجدت فيها تهديداً لهيمنتها المركزية، خاصة بعد أن نجحت الحكومة في تصفية الاتجاهين القومي والشيوعي في العراق، وذلك بإجراءات مختلفة بدأت بحل الحزب الديمقراطي الكردستاني وملاحقة قادته وانتهت باستخدام القوة المسلحة لضرب جميع عناصر الحركة القومية الكردية المتمثلة بالعشائر وعلى رأسها العشيرة البرزانية.

وأدى هذا الرد الرسمي العراقي على هذه الاضطرابات إلى تضامن جميع هذه العناصر ضد السلطة المركزية مستفيدين من الطبيعة الجغرافية الوعرة والجبال التي شكلت حماية طبيعية لهم وعامل تشجيع على حمل السلاح. من جهتها اتهمت السلطة المركزية بريطانيا مباشرة بإثارة هذه المشكلة، وطلبت من السفير البريطاني مغادرة العراق. وبما أن هذه الأعمال المسلحة جاءت بعد مطالبة العراق بالكويت إثر انجلاء القوات البريطانية عنها، وبعد أن أقدم العراق على إصدار قانون رقم 80 لسنة 1961 والذي تم بموجبه انتزاع جميع الأراضي العراقية غير المستثمرة من قبل الشركات البريطانية (المستثمر الوحيد) وإعادتها إلى الدولة العراقية، فلا يمكن اعتبار بريطانيا المتضرر الأكبر من هذه الإجراءات بعيدة عن هذه الاتهامات.

الحركة الكردية المسلحة التي قامت في عام 1961 كحركة بسيطة اشتد ساعدها مع مرور السنين لأسباب أربعة:

السبب الأول:
وهو سبب داخلي تمثل في عدم الاستقرار السياسي في العراق وكثرة الانقلابات العسكرية وما تبعها من تصفيات لقيادات وصفوف القوات المسلحة، في الوقت الذي ظل فيه الموقف الرسمي مصراً على الحل العسكري للمشكلة.

السبب الثاني:
وهو دخول أطراف إقليمية لدعم الحركة الكردية ضد الحكومات العراقية التي وجدوا فيها تهديداً لهم. ففي الوقت الذي وجدت فيه إيران وتركيا في النظام الجمهوري الأول نظاماً شيوعياً مهدداً لأمنهم، وجدوا في النظامين الثاني والثالث والأخير أنظمة قومية لا تقل خطراً عن سابقها. أما "إسرائيل" فقد حرصت منذ البداية على دعم الحركة الكردية المسلحة بكل الوسائل وصولاً إلى إرسال الأسلحة والمدربين، لإضعاف الجيش العراقي وإعاقة مساهمته في أي مواجهة عسكرية مستقبلية بينها وبين الدول العربية. ثم وصل الأمر إلى أن تلعب الخلافات العربية دوراً مسانداً للحركة الكردية أيضاً عندما اشتدت هذه الخلافات.

السبب الثالث:
تمثل بالدعم الدولي الذي حصلت عليه الحركة القومية الكردية نتيجة استمرار الحرب الدامية في كردستان العراق وعدم إيجاد حل سلمي لها.

السبب الرابع:
وأخيراً فقد كان لاشتعال الحرب العراقية الإيرانية للفترة من 1980 – 1988، ثم أزمة الكويت عام 1990 وما تبعها من عدوان على العراق الدافع الأكبر لأعطاء الحركة الكردية في العراق مكانة غير مسبوقة إقليمياً ودولياً، فمن ناحية تم تدمير البنية التحتية للعراق وتعرضت القوات المسلحة إلى جانب كبير من الهجمات والتدمير، ثم جاء قرار انسحاب الإدارة العراقية من المناطق الكردية وإعلان قوات التحالف المنطقة الكردية منطقة محمية من قبلها.. كل هذه الأمور أدت إلى إضعاف الدور العراقي ودعم الحركة الكردية. ثم جاء فشل قوات التحالف في إسقاط النظام في العراق، أو في إجباره على القبول بمسيرة التسوية مع "إسرائيل" ليزيد من اعتماد القوى المعادية للعراق على إنعاش الحركة الكردية لتمزيق الوحدة الوطنية ومنع العراق من تجميع أو دعم الأطراف الرافضة للتسوية.

ثانياً: الموقف الرسمي العراقي من القضية الكردية

ابتداء لابد من القول ثانية إن العراق هو الدولة الوحيدة في دول المنطقة التي تعترف بالوجود القومي الكردي، وإن الدساتير والتشريعات تعترف جميعها بحقوق هذا الشعب الذي يشكل خمس الشعب العراقي (أكثر من أربعة ملايين نسمة من إجمالي 22 مليونا). وليس هذا بالشيء الجديد، فمنذ قيام الدولة العراقية وظهور المشكلة الكردية ظهرت وجهتا نظر للتعامل معها:

وجهة النظر الأولى:


حاول الملك فيصل حث حكومته على التعامل مع الأكراد كعراقيين متساوين مع أقرانهم العرب، كما ركز على مفهوم "الهوية العراقية"، وحتى عندما حاولت بريطانيا استغلال الورقة الكردية فإن موقف الملك فيصل لم يتغير، بل إنه وافق على إصدار وثيقة رسمية بخصوص الأكراد
تقول بضرورة إخضاع المناطق الكردية للسلطة المركزية أسوة بالمناطق العراقية الأخرى، حتى وإن أدى ذلك إلى استخدام القوة، ومثل هذه الاتجاه المؤسسة العسكرية وقادتها.

وجهة النظر الثانية:
تؤكد أنه إذا ما أريد للدولة العراقية الجديدة أن تستمر وأن تحافظ على وحدتها وتماسكها الوطني في ظل الاختلافات العرقية والدينية والمذهبية فإنها تكون مطالبة بأن تحترم الخصوصيات المختلفة داخل الشعب العراقي الواحد، وخاصة الخصوصية الكردية. ولقد مثل هذا الاتجاه مجموعة من القيادات السياسية المدنية العراقية، ولعل الملك فيصل الأول كان قائد هذا التفكير ورائده.

حاول الملك فيصل حث حكومته على التعامل مع الأكراد كعراقيين متساوين مع أقرانهم العرب، كما ركز على مفهوم "الهوية العراقية"، وحتى عندما حاولت بريطانيا استغلال الورقة الكردية فإن موقف الملك فيصل لم يتغير، بل إنه وافق على إصدار وثيقة رسمية بخصوص الأكراد. ففي 24 فبراير/ 1922 صدر بيان جاء فيه "تعترف الحكومتان العراقية والبريطانية بحقوق الأكراد القاطنين داخل حدود العراق في إقامة حكومة كردية (وأن الأكراد) سيرسلون مندوبين مسؤولين إلى بغداد لبحث علاقاتهم الاقتصادية والسياسية مع الحكومتين". وعلى الرغم من أن هذا البيان لم يكن سوى أداة ضغط بريطانية على العراق للقبول بالمعاهدة، وأنه بعد التوقيع على هذه المعاهدة في نفس السنة (أكتوبر/ تشرين الأول 1922) ساعدت بريطانيا العراق في القضاء على الإدارة الكردية في السليمانية وأخضعت المناطق الكردية جميعها للدولة العراقية، فإن هذه الوثيقة ثبتت الحق الأساسي للأكراد في وقت كانت فيه دول المنطقة الأخرى تنكر عليهم ذلك. كما أن احترام الحقوق الكردية كان أمراً قد ثبته العراق على نفسه في الوثيقة التي قدمها كطلب للانضمام إلى عصبة الأمم عام 1930.

ربما كان دستور عام 1958 الجمهوري المؤقت الوثيقة الرسمية الأهم التي تم فيها الاعتراف الصريح بالوجود الكردي. فقد جاء في المادة الثانية منه أن العرب والأكراد شركاء في الوطن العراقي.

لما كان المطلب الأساسي للأكراد في تلك الفترة هو الحصول على الحكم الذاتي فقد صدر عام 1963 وبعد الإطاحة بحكومة عبد الكريم قاسم، قانون جديد عرف بقانون اللامركزية، وهو الأسلوب الذي اقترحته الحكومة آنذاك كسبيل لحل المشكلة الكردية. وكانت الفكرة التي بني عليها هذا القانون هي منح المناطق الكردية حرية التصرف في الأمور الإدارية والمحلية، في حين تبقى الشؤون الخارجية والدفاع والمالية من اختصاص السلطة المركزية. ولكن هذه الوثيقة لم ترض الأكراد ولم تطبق.

وفي عام 1966 قام رئيس الوزراء آنذاك عبد الرحمن البزاز (أستاذ سابق في القانون) بطرح مشروع جديد لبى الكثير من المطالب الكردية ودون الاعتراف بالحكم الذاتي. إلا أن المؤسسة العسكرية رفضته وأجبرت البزاز على الاستقالة لكي تستمر الحالة غير المستقرة في المنطقة.

وفي 11 مارس/آذار 1970 تحقق للأكراد حلمهم عندما تم تثبيت حقهم في الحكم الذاتي في الوثيقة التي أصدرتها الحكومة التي يقودها حزب البعث في العراق، وحددت فترة أربع سنوات لإصدار التشريعات الخاصة بذلك، ثم أصدرت الحكومة نفسها في مارس/آذار 1974 قانون الحكم الذاتي لمنطقة كردستان العراق، إلا أن الحزب الديمقراطي الكردستاني برئاسة الملا مصطفى البرزاني رفض القانون ولجأ إلى السلاح مرة ثانية.

بعد حرب استمرت سنة واحدة تقريباً استطاعت القوات العراقية أن تحاصر المقاتلين التابعين للحزب الديمقراطي الكردستاني في مناطق محدودة، وتدخلت إيران بصورة مباشرة لجانب البرزاني، ثم جاء اتفاق الجزائر بين العراق وإيران في مارس/آذار 1975 لينهي الدعم الإيراني للأكراد، فتم سحب القوات والمعدات الإيرانية من كردستان العراق وانهارت الحركة الكردية المسلحة، وقام المقاتلون وقياداتهم بتسليم أنفسهم إما للحكومة العراقية أو إلى إيران.

وإثر قيام الحرب العراقية الإيرانية سنحت الفرصة ثانية للحزب الديمقراطي الكردستاني لكي يحمل السلاح مرة ثانية، غير أن هذا الحزب كان قد تعرض لانشقاقات كثيرة أضعفته، وكذلك فعلت وفاة الملا مصطفى البرزاني (1979). كما ظهرت أحزاب كردية أخرى مناوئة له لعل من أهمها هو الاتحاد الوطني الكردستاني برئاسة جلال الطالباني (تأسس 1975). كما نشطت في الآونة الأخيرة الأحزاب الدينية الكردية التي لاقت دعماً خارجياً واستجابة لدى الأكراد الذين عرف عنهم عبر التاريخ تمسكهم الشديد بالدين الإسلامي الحنيف. ثم جاءت أزمة الكويت والحرب التي تبعتها لتضعف السلطة المركزية والقوات المسلحة العراقية وتشجع الأحزاب الكردية المعارضة لحمل السلاح مرة أخرى، في حين وقفت أحزاب كردية (أصغر حجما وأقل نفوذاً بين الأكراد) إلى جانب السلطة المركزية.

المهم أنه وفي ظل هذه الأوضاع المتدهورة والمأساوية ظلت كل الأطراف متمسكة ببيان مارس/آذار أو بمبدأ الحكم الذاتي. فلم تقدم السلطة المركزية على إلغاء نص دستوري أو مادة قانونية تتعلق بالحقوق القومية الكردية. كما أن الأحزاب الكردية المعارضة لم تتحدث في أي مرحلة من المراحل عن الانفصال عن العراق أو عن تأسيس دولة كردية خاصة بها.

وفي تقييم نهائي لكل الوثائق التي صدرت بخصوص المسألة الكردية وما صاحبها من تطورات في المنطقة، فإنه يمكن القول إن البون ظل شاسعاً بين ما يصدر من قوانين وتشريعات وبين ما هو موجود على أرض الواقع. وكثيراً ما اشتكى الأكراد من تعثر تطبيق ما يصدر من تشريعات لصالحهم، أو أن ما يصدر يبقى حبراً على ورق، وإن طبق فإنه يطبق بطريقة تهدف إلى تصفية حركتهم وأحزابهم، في حين أن السلطة المركزية تشتكي من حقيقة أن كل ما تفعله من أجل حل المشكلة لا يأتي بنتيجة لأن الأحزاب الكردية المعارضة تستغله كي تزيد من قوتها وابتعادها عن السلطة المركزية. كما أن كل الاتفاقات ومحاولات الحل الجاد لم تفلح في سحب الأحزاب الكردية المعارضة من دائرة التعاون مع أطراف إقليمية أو دولية معادية للعراق.

وبالتأكيد فإن لهذه الاتهامات الصحيحة أسبابها، ولعل أهم هذه الأسباب هو انعدام الثقة بين الطرفين، في حين أن السبب الثاني يتمثل في التقلبات والتحولات الكثيرة التي تشهدها المنطقة الأمر الذي يعطي الانطباع لكل طرف بأنه يستطيع أن يفرض رأيه وحله إذا كان في موقع قوة أو أن يتحين الفرص حتى يضعف الطرف الآخر كي يستفيد من ضعفه وهكذا. علماً بأن الحالة الإقليمية والدولية بشأن العراق تشجع على هذا التذبذب.

ثالثاً: تحليل الأوضاع القائمة في كردستان العراق


في 24 فبراير/شباط 1922 صدر بيان جاء فيه "تعترف الحكومتان العراقية والبريطانية بحقوق الأكراد القاطنين داخل حدود العراق في إقامة حكومة كردية (وأن الأكراد) سيرسلون مندوبين مسؤولين إلى بغداد لبحث علاقاتهم الاقتصادية والسياسية مع الحكومتين"
في عام 1991 وإثر الضربة العسكرية المدمرة التي وجهت له، شهد العراق فترة من عدم الاستقرار فقدت فيها السلطة المركزية السيطرة على أجزاء من البلاد لفترة وجيزة. مما أدى إلى استخدام القوة. ثم ارتأت السلطة المركزية سحب القوات المسلحة والإدارة العراقية من منطقة كردستان العراق بسبب الشعور بأن هناك محاولة لجر القوات المسلحة إلى معركة جديدة لتدمير ما تبقى منها. كما قامت كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وبدون اللجوء إلى الأمم المتحدة بإعلان منطقتي شمالي خط 32 وجنوبي خط 37 كمناطق محمية من قبلها ومنع الطيران العراقي من التحليق فوقها. وهكذا أصبحت كل من أربيل والسليمانية ودهوك مناطق خارج إدارة السلطة المركزية، ومناطق نفوذ لأطراف إقليمية ودولية مختلفة. فبالإضافة إلى الولايات المتحدة وبريطانيا دخلت تركيا وإيران وإسرائيل بنفوذهم إلى المنطقة. وأصبح واضحاً أن الحزبين الكرديين الرئيسين في المنطقة، الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يترأسه السيد مسعود البرزاني (نجل الملا مصطفى)، والاتحاد الوطني الكردستاني الذي يترأسه السيد جلال الطالباني، قد امتلكا فرصة غير مسبوقة للتصرف في المنطقة. وبالفعل فلقد قام كل حزب بالسيطرة على منطقة من مناطق كردستان. وبصورة عامة فإن نفوذ الاتحاد الوطني الكردستاني كان كبيراً في منطقة السليمانية وجزء من منطقة أربيل المحاذي لها. في حين أن الحزب الديمقراطي الكردستاني كان يتمتع بنفوذ كبير في الجزء الأكبر من منطقة أربيل ودهوك.

حاولت السلطة المركزية فتح حوار مع الحزبين المذكورين في منتصف عام 1991 وبالفعل بدأت جولة من المحادثات المطولة واستمرت حتى أغسطس/آب من نفس العام، حيث تم الإعلان عن توصل الطرفين إلى اتفاق متكامل. وتحدثت الحكومة وكل من البرزاني والطالباني عن قرب توقيع اتفاق شامل. إلا إن الأحزاب الكردية انسحبت وظل الاتفاق معلقاً. وعلى الرغم من أن أيا من الأطراف لم يعلن عن السبب في عدم توقيع الاتفاق، إلا إن جميع الدلائل تشير إلى أن هناك سببين لذلك:

السبب الأول:
يتعلق بالاختلاف حول مضمون الاتفاق. فالحزبين الكرديين يؤكدان من طرفهما أن هناك مشكلتين رئيسيتين ظلتا عالقتين:

  • المشكلة الأولى: تتمثل بتحديد المنطقة الكردية. حيث طالب الأكرد بضم منطقة كركوك الغنية بالنفط بأكملها إلى المنطقة الكردية، في حين أن السلطة المركزية تقول إن هذه المنطقة تضم أعراقاً مختلفة ففيها التركماني والكردي والعربي، وإن الحل المقبول هو إلحاق المناطق الكردية فقط إلى منطقة الحكم الذاتي.
  • المشكلة الثانية: تتعلق بنوع العلاقة ما بين السلطة المركزية والمنطقة الكردية. ففي الوقت الذي تصر فيه السلطة المركزية على أن الحكم الذاتي هو الحل المقبول لديها، فإن الأحزاب الكردية طرحت الحكم الذاتي الموسع وتطورت في الأمر إلى حد الوصول بالمطالبة بالحل الفدرالي وأصرت عليه على أساس أن إقامة دولة فدرالية تضم إقليما كرديا هو الحل الذي لا يمكن التنازل عنه. علماً بأن هذا المطلب لم يكن موجوداً في مفاوضات 1991، وإنما ظهر بعد ذلك بمدة طويلة.

السبب الثاني:
الحقيقي والأهم والذي منع التوصل إلى اتفاق فإنه يتمثل بمعارضة الولايات المتحدة له، حيث قامت بتحذير ثم منع الحزبين الكرديين من توقيع الاتفاق. ولقد بررت ذلك على أساس أنها تعمل على تغيير النظام عن طريق إضعافه، وأن مثل هذا الاتفاق سيعطي النظام في العراق قوة ودعما كبيرين.

وهكذا استمرت منطقة كردستان العراق بعيدة عن السلطة المركزية. وقام كل من الحزبين الرئيسين بإنشاء إدارته الخاصة. ثم تم الإعداد لانتخابات تشريعية للمنطقة في عام 1992. وفي ظل العداء التاريخي بين قادة الحزبين هذا العداء الذي امتد إلى أتباعهم جرت الانتخابات التي قيل إنها أعطت كل حزب نسبة 50% من الأصوات. ولو أن مصادر غير رسمية أكدت أن الحزب الديمقراطي الكردستاني كان قد حصل على أكثر من هذه النسبة وكنتيجة لهذه الانتخابات تم تشكيل إدارة جديدة حملت في داخلها بذور الخلاف ما بين الطرفين حيث تم اقتسام جميع المناصب مناصفة فكل وزير من حزب له نائب من الحزب الآخر، وهكذا المناصب نزولاً. وبالفعل فلقد شهدت المنطقة للفترة من 1992 وحتى عام 1996 فترات من الاقتتال الدامي بين الطرفين وصلت إلى حد الاقتتال المسلح في شوارع أربيل. كل ذلك في محاولة من كل حزب لتصفية الحزب الآخر. كما حاول كل حزب إقامة تحالفات إقليمية لإضعاف خصمه. ويبدو أن جلال الطالباني وبما عرف عنه من خبرة سياسية قديمة قد نجح في إقامة تحالفات عديدة مكنته من الظهور بمركز أقوى من مسعود البرزاني. بل إن بعض المصادر غير الرسمية بدأت تتحدث عن إعداد الاتحاد الوطني الكردستاني لحملة عسكرية كبرى، بعد أن أعد لذلك حملات صغيرة، للسيطرة على كل منطقة كردستان العراق. ولقد حصل من أجل تحقيق ذلك على دعم من قوى إقليمية.


في ظل الظروف غير الاعتيادية للعراق بعد فرض منطقة الحظر الجوي شهدت منطقة كردستان العراق تطورات كثيرة لعل أهمها وأخطرها الاجتياحات التركية المتعددة للمنطقة بحجة ملاحقة اتباع حزب العمال الكردستاني التركي (حزب أوجلان)
هذا الوضع دفع مسعود البرزاني إلى طلب المساعدة من السلطة المركزية العراقية التي أرسلت في آب 1996 القوات المسلحة العراقية إلى منطقة أربيل. ولقد بررت السلطة المركزية العمل هذا بأنه كان ضرورياً لمنع عملية تآمرية كبيرة كانت تستهدف العراق كله.

بعد انسحاب القوات العراقية وبعد فترة من الاقتتال ما بين الحزبين تمكن الحزب الديمقراطي الكردستاني برئاسة البرزاني من السيطرة على جميع المناطق الكردية في حين لجأ الطالباني وأتباعه إلى إيران. ثم عاودوا الهجوم واستعادوا منطقة السليمانية واستقروا فيها. وهكذا فإن منطقة كردستان ومنذ عام 1997 منقسمة إلى قسمين:

  • القسم الأول: يمثل محافظة السليمانية والتي تعتبر منطقة إدارة وتواجد الاتحاد الوطني الكردستاني.
  • القسم الثاني: منطقتا أربيل ودهوك واللتان تعتبران منطقتي تواجد وإدارة الحزب الديمقراطي الكردستاني.

في ظل هذه الظروف غير الاعتيادية شهدت منطقة كردستان العراق تطورات كثيرة لعل أهمها وأخطرها الاجتياحات التركية المتعددة للمنطقة بحجة ملاحقة اتباع حزب العمال الكردستاني التركي (حزب أوجلان). هذه الاجتياحات نتج عنها تدمير إضافي للمنطقة بالإضافة إلى إقامة مناطق نفوذ تركية فيها. ثم قامت إيران بمد نفوذها في المناطق المجاورة لها عن طريق تشجيع الأحزاب الدينية هناك. هذا بالإضافة للنفوذين الأميركي والبريطاني. كما أن محاولات أطراف أخرى كبعض الدول العربية التي تختلف مع السياسة العراقية وطموحات (إسرائيل) الثابتة والرامية إلى إضعاف العراق الرافض لوجودها لم تعد خافية. بالإضافة إلى الاقتتال الدامي بين الحزبين الكرديين الرئيسيين في كردستان العراق كانت هناك مواجهات دامية حاول فيها كل حزب تصفية الأحزاب والتجمعات الأصغر في مناطق نفوذهما.

حاولت كل من الولايات المتحدة وتركيا تهدئة الأمور في المنطقة عن طريق دعوة البرزاني والطالباني بعد نشوب أي توتر بينهما إلى واشنطن وأنقرة، لإصلاح ذات البين بينهما. إلا إن هذه المحاولات لم تنجح في إنهاء الخلافات بينهما. ولو أنها نحجت في الآونة الأخيرة في منع الصدام المسلح بين الطرفين. والدليل على ذلك أن الانتخابات الموعودة الجديدة لم تجر لحد الآن، ولم يحدد موعد ثابت لها. ولم ينجح الطرفان في إقامة إدارة مشتركة لكل منطقة. كما أن اقتسام الموارد المالية المتأتية من حركة المرور عبر المناطق الكردية من وإلى تركيا والتي يحصل عليها الحزب الديمقراطي الكردستاني لم يتم الاتفاق عليها لحد الآن.

رابعاً: مستقبل الأوضاع في المنطقة الكردية

يبدو من تواتر الأحداث في المنطقة وفي العراق وفي منطقة كردستان العراق أن هناك ثلاثة سيناريوهات يمكن أن تحدد مصير المسألة الكردية في العراق:

السيناريو الأول:


حاولت كل من الولايات المتحدة وتركيا تهدئة الأمور في مناطق أكراد العراق عن طريق دعوة البرزاني والطالباني بعد نشوب أي توتر بينهما إلى واشنطن وأنقرة، لإصلاح ذات البين بينهما. إلا إن هذه المحاولات لم تنجح في إنهاء الخلافات بينهما
يتمثل في أن تتمكن الحكومة العراقية، وفي وضع إقليمي ودولي موآت، من إعادة سلطتها إلى المنطقة وذلك عن طريق القوة. وإذا ما أشفعت الحكومة العمل هذا بمكاسب للشعب الكردي كأن تبقي على الأحزاب القائمة وتجري انتخابات ديمقراطية نظيفة، ربما تنجح في تهدئة القضية، وإلا فإن مقاتلي الأحزاب سيلجؤون إلى الجبال ويشنون كما فعلوا في السابق، حرب عصابات ضد القوات العراقية، تساندهم الأطراف الإقليمية والدولية المعادية للعراق، وبالتالي فإن المنطقة ستعيش فترة أخرى من عدم الاستقرار.

السيناريو الثاني:
يتمثل بتغير الظروف الدولية والإقليمية بحيث ينسحب الدعم الذي تتمتع به الإدارة الكردية مما يعني أن الأكراد سيضحى بهم مرة أخرى كما فعلت القوى الإقلميمة والدولية سابقا (بريطانيا وإيران وتركيا) وينتهي بهم الأمر إلى القبول بكل ما تمنحه السلطة المركزية لهم.

السيناريو الثالث:
وهو الذي يفترض أن يكون لمصلحة الطرفين ويتمثل بإحياء المفاوضات بين الحكومة العراقية والأحزاب الكردية المعارضة الرئيسة في سبيل التوصل إلى اتفاق شامل. إن هذا الأمر يتطلب تقديم تنازلات من قبل الطرفين وإعادة بناء الثقة من أجل تنفيذه. وعلى الرغم من أن هذا السيناريو قد أفشل في السابق كما ذكرنا، إلا إنه يبقى الحل الأمثل ويجنب العراق بعربه وأكراده الكثير من الدمار والخسائر.
_______________
* أستاذ بكلية العلوم السياسية – جامعة بغداد

(بعض المصادر الرئيسة)
1. جلال طالباني, كردستان والحركة القومية الكردية، دار الطليعة، بيروت، 1971
2. جوناثان راندل، أمة في شقاق، ترجمة فادي حمود، دار النهار، بيروت، 1997. (انظر النص الإنكليزي أدناه)
3. سعد ناجي جواد، العراق والمسألة الكردية، دار اللام، لندن، 1990.
4. سعد ناجي جواد، دراسات في الحركة القومية الكردية، سيصدر عن الأهلية للطباعة، عمان، الأردن.
5. شلومو نكديمون، الموساد في العراق ودول الجوار، انهيار الآمال الإسرائيلية والكردية، ترجمة بدر عقيلي، دار الجليل، عمان، 1997.
6- Ghassemlou, A. and others, People without a Country, London 1978.
7- Gunter, Michael, The KDP – PUK conflict in Northern Iraq, Middle East Journal, Vol. 50. No. 2. Spring 1996.
8- Gunter, M, The Kurds of Iraq, Mac Milan Press Ltd. U.K. 1997.
9- Jawad, S., The Kurdish revolt in Iraq: An assessment of the its Failure, Inter- State, UCW- ABERYSTWYTH, U.K No. 1. 1981.
10- RandaL, J., After Knowledge, What Forgiveness? Farron, Straus and Giroux, U.S.A 1997.