مصر شهدت بعد الاتفاقية حالة من عدم الاستقرار الداخلي (رويترز-أرشيف)

إبراهيم النجار

وقعت مصر وإسرائيل معاهدة السلام بينهما في 26 مارس/آذار عام 1979، وهى أول اتفاقية رسمية بين دولة عربية وإسرائيل، وأول اعتراف رسمي لدولة عربية بها. وجاءت بعد حرب 1973، ومن أهم نتائج هذه الاتفاقية خروج مصر عسكريا من الصراع العربي الإسرائيلي.

وقد شملت الاتفاقية وثيقتين، تناولت الأولى منهما مستقبل شبه جزيرة سيناء والتوصل إلى سلام بين الجانبين في غضون ثلاثة أشهر، أما الوثيقة الثانية فكانت بمثابة اتفاقية إطار وضعت آلية لإجراء مفاوضات تستهدف إقامة نظام حكم ذاتي في الضفة الغربية وقطاع غزة، خلال فترة انتقالية حددت بخمس سنوات، وانسحاب الجيش الإسرائيلي بمجرد قيام سلطة حكم ذاتي منتخبة. وشهد رئيس الولايات المتحدة آنذاك جيمي كارتر على هاتين الاتفاقيتين اللتين وقعهما الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل مناحيم بيغن.

وقد حددت الاتفاقية الإسرائيلية المصرية بصورة واضحة العلاقات المستقبلية بين البلدين، وجميع نواحي الانسحاب الإسرائيلي من سيناء، والترتيبات العسكرية في شبه الجزيرة مثل تحديد مناطق منزوعة السلاح والقيود المفروضة عليها، وكذلك آلية لمراقبة هذه الترتيبات.

أما اتفاقية الإطار الخاصة بمستقبل مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة فكانت أقل توضيحًا، حيث فُسّرت فيما بعد تفسيرات مختلفة من قبل مصر وإسرائيل.

الوضع الأمني توتر في مصر بعد كامب ديفد وشهدت عدة تفجيرات (الفرنسية-أرشيف)
عدم استقرار
وشهدت مصر بعد توقيع اتفاقية كامب ديفد، حالة من عدم الاستقرار الداخلي، خاصة أنها قوبلت بالرفض على المستوى الشعبي والعربي والإسلامي. حيث عرف المشهد الأمني في مصر خلال الفترة التي أعقبت التوقيع على الاتفاقية، حالة من التوتر وعدم الاستقرار، وتجلت أولى مظاهر ذلك المشهد عام 1981 في حادث الخانكة الطائفي، وفي الاحتفال بذكرى حرب أكتوبر الذي شهد اغتيال السادات.

ومنذ ذلك الحين ظل قانون الطوارئ هو سيد الموقف في البلاد، كما أعقبت ذلك الحادث الاعتقالات الواسعة التي قامت بها السلطة المصرية، والتي عرفت باعتقالات سبتمبر/أيلول عام 1981، وقد طالت أكثر من 1500 معارض سياسي مصري من كافة الاتجاهات السياسية.

كما حدثت موجات عنف أخرى شهدتها مصر من قبل الجماعات الجهادية والمتطرفة، تمثلت في اغتيال رفعت المحجوب عام 1989، وشهدت فترة التسعينيات في مصر مواجهات دامية بين الأمن وهذه الجماعات المتطرفة.

وشهدت مصر بعد توقيع اتفاقية كامب ديفد تجاذبات فكرية حادة، واختلفت الصراعات السياسية بعد عام 1982 عما قبلها، كما اختلفت المشاكل المطروحة على الساحة، واستبدلت بالأحاديث عن الحرب مع إسرائيل وبيع هضبة الأهرام ودفن النفايات النووية ومناقشة قوانين الأحزاب والحريات والمحكمة الدستورية ومحكمة القيم وكل القضايا العامة المطروحة التي تعبر عن طموح شعبي يتطلع للديمقراطية، قضايا أخرى مثل شقة الزوجية والعري في الصور الإبداعية، وكتابات سلمان رشدي المسيئة للإسلام وشركات توظيف الأموال، إضافة إلى المواجهات الأخيرة بين الأمن وسكان سيناء من البدو.

وبالإضافة إلى أن اتفاقية كامب ديفد جعلت السيادة المصرية على سيناء شبه محدودة، فإنها حققت عدة مكاسب لإسرائيل، أولها انفرادها بالفلسطينيين، وثانيها المرور من قناة السويس، وهو مكسب تاريخي لإسرائيل أتاح لها التغلب على الحصار المفروض عليها.

والمكسب الثالث أن هذه الاتفاقية حققت لإسرائيل الاعتراف الدولي المطلق، والرابع أنها أوجدت نوعا من التعاون الإستراتيجي والاستخباري بين مصر وإسرائيل -خاصة في الفترة الأخيرة- حول التصدي للإرهاب، والخامس أنها منحت لإسرائيل تعاونا اقتصاديا مع مصر أكسبها معطيات اقتصادية جديدة، أهمها اتفاقية الكويز وصفقة الغاز الأخيرة، الأمر الذي انعكس سلبا في جميع هذه الحالات على مصر.

ونتيجة لهذا التغيير لوحظ أن الأولويات لدى المجتمع المصري تغيرت على امتداد ثلاثين عامًا، ومنذ توقيع اتفاقية كامب ديفد عانت مصر ونظامها السياسي مشكلات وأزمات كثيرة، ودفعت من قوتها ومن وجودها ورصيدها ثمنًا باهظًا، انتهى بها إلى أن تصبح رجل العرب المريض، وصار الحجم والدور والغنى البشري والإستراتيجي، عبئًا بعد أن كان ميزة لا يمكن تقديرها بثمن.

الدور الإقليمي المصري تراجع بعد اتفاقية كامب ديفد (الفرنسية-أرشيف)
تراجع الدور المصري
ويمكن ملاحظة التراجع في الدور المصري بعد توقيع الاتفاقية، في ملفين أساسيين هما الصراع العربي الإسرائيلي، والملف الأفريقي بشقيه المائي والسياسي، فبالنسبة للملف الأول أصبحت مصر وسيطًا بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ويعتبرها بعضهم وسيطًا غير نزيه. أما الملف الثاني فشهد تراجعًا غير مسبوق للدور المصري، خاصة منذ منتصف عقد التسعينيات.

ففي ما يتعلق بملف المياه يمكن القول إنه لا توجد سياسة مائية واضحة ومحددة، وزاد الأمر سوءًا تحويل ملف المياه من وزارة الخارجية إلى وزارة الموارد المائية، وهو ما يعني إغفال الطبيعة السياسية لهذا الملف.

أما على الصعيد السياسي الأفريقي، فيمكننا رصد التراجع الذي شهده الدور المصري إقليميا، من خلال تطورات قضية جنوب السودان وما تم التوصل إليه من اتفاقات في هذا الملف وغيابها عن مفاوضات السلام، فرغم الرابطة التاريخية بين مصر والسودان والنظرة الدائمة للسودان باعتباره امتدادًا للأمن القومي المصري، فقد غابت مصر تمامًا عن مفاوضات السلام التي من شأنها التأثير مستقبلاً على طبيعة العلاقات المصرية السودانية.

وكانت كينيا تقوم بالدور البديل لمصر في رعاية هذه المفاوضات. كما لم تلعب مصر دورا قويا في تأسيس الاتحاد الأفريقي على نحو ما قامت به في تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية قبل 40 عامًا.

خلاصة القول أن الأمن القومي المصري أصبح منذ كامب ديفد، أكثر تعرضا للتهديد. ولم يتحسن أمن مصر الاقتصادي، وتزايد استخدام المعونة الأميركية لمصر للضغط عليها في أمور تتعلق بمصالح إسرائيل، مثل النزاع بين مصر وإسرائيل على إقليم طابا، فضلاً عن تطبيع العلاقات مع إسرائيل.
_______________
باحث مصري

شارك برأيك