فرز نتائج الاقتراع

بقلم/ محمد فال ولد عمير

عرفت رئاسيات نوفمبر/ تشرين الثاني 2003 بشكل لافت إثارة مسألة التناوب على الرئاسة التي أصبحت موضع شد وجذب بين مرشح النظام معاوية ولد سيد أحمد الطايع وبين مرشحي المعارضة الأبرز أي محمد خونا ولد هيداله وأحمد ولد داداه ومسعود ولد بلخير.

النظام والمعارضة.. قطيعة تامة

كان رد المرشح معاوية على آمال المعارضة في التناوب خلال هذه الرئاسيات واضحا حين قال "ليس هنالك تناوب ما دام الشعب يمنحنا ثقته، إن الشعب الموريتاني هو من يقرر إلى من سيمنح قيادة مصيره ولو كان ذلك مدة قرن من الزمان". لقد كرر ولد الطايع مرارا في خطاباته أثناء الحملة الانتخابية رأيه حول التناوب كما تحدث عما تسميه المعارضة "التغيير" ناقدا تصورات معارضيه حول هذا المبدأ. أما المعارضة فترى من جانبها أن أي اقتراع ينبغي له أن يفضي بالضرورة إلى تناوب وإلا فلا ديمقراطية ولا تعددية. فإذا لم يكن هنالك تغيير فمعنى ذلك أن الحكم حكم فردي. والواضح إذن أن المشهد السياسي الموريتاني يعيش قطيعة بين مفهومين للتعددية وأن هذا المشهد بعيد من التحاور النقي والمنطقي، فكل يعمل على شاكلته.

المعارضة.. لا ديمقراطية بدون تغيير

بالنسبة للمعارضة الموريتانية فالتصور بسيط وقائم على أنه "لو نظمت انتخابات شفافة في البلاد فلن تكون لها نتيجة سوى ذهاب ولد الطايع وإلا فإن ما سيحدث هو التزوير والتلاعب بأصوات الناخبين". وبصورة جلية فإن زعماء المعارضة يحتجون مسبقا على كل نتيجة لا تؤول إلى تغيير النظام الحالي.

فموريتانيا في نظر المعارضة عانت كثيرا خلال السنوات الماضية من فاقة نظام عاجز عن تلبية حاجات شعبه. ويتلخص خطاب المعارضة في أن نظام ولد الطايع عجز بسبب تسييره السيئ للشأن العام عن إيجاد تنمية اقتصادية للبلد، كما أن سياسته الخارجية اتسمت بالارتجالية والمغامرة خاصة عندما أقام علاقات دبلوماسية مع إسرائيل.

فقد أسس بذلك قطيعة موريتانيا من محيطها العربي، وبانسحابه من المجموعة الاقتصادية لدول أفريقيا الغربية قطعها ثانيا من محيطها الأفريقي. يضاف إلى ذلك غياب رؤية واضحة يمكنها أن تخفف من الفوارق الاجتماعية وتؤسس العدالة. فنظام كهذا لا يمكنه أن يكون سوى عار على شعبه.

النظام.. لا داعي للتغيير

أما ولد الطايع فيرى أن موريتانيا قد ولدت من جديد مع نظامه، كما يرى فيه هذا النظام "أب الديمقراطية الموريتانية"، فهو الذي حقق للموريتانيين قفزة نوعية نحو حياة الرفاهية. فنظام وفر لبلاده هذا المستوى لا يمكنه إلا أن يحظى بدعم الشعب.

والواضح أن جميع الزعماء السياسيين يخفون الأهم أي ما التناوب المطلوب وفي أي وضعية؟ إن التناوب وعلى عكس ما ترى الطبقة السياسية الموريتانية ليس التغيير الآلي للأشخاص. فموريتانيا عاشت في ماضيها القريب تغييرا متتاليا وكان ذلك في سنوات 1978 و1980 و1984.

غياب مشروع مجتمع

من شعارات الحملة الرئاسية

إن التناوب هو تغيير أنظمة يقوم الاختلاف الجوهري بينها على أساس مشروع المجتمع الذي يدعو إليه كل منها. فالمسألة لا تقتصر على الأفكار التي تؤسس خطابا سياسيا ما بل لا بد من نظرة متكاملة تغطي جميع مظاهر الحياة الوطنية وتأخذ بعين الاعتبار تطلعات الأغلبية من المواطنين. فمن المفترض إذن أن يقوم التناوب على هذا الأساس إذا أريد له أن يكون تناوبا صحيحا.

ويبقى المشكل الجوهري أن جميع الأحزاب السياسية الموريتانية تفتقر إلى مشروع مجتمع عام. فلا نجد عند أي حزب لا في الأغلبية الرئاسية ولا في المعارضة نظرة واضحة ومحددة لما يريد أن يقوم به لموريتانيا. ومع غياب هذه النظرة يصبح مبدأ التناوب على السلطة فاقد الروح بل يصبح نوعا من التغيير الميكانيكي بين أشخاص حيث يأتي عمرو ويذهب زيد دون أن تكون هنالك قطيعة بين من حل وبين من ارتحل.

فليس من الغريب إذن أن نجد أن بعض الأشخاص الذين شغلوا وظائف أساسية في حزب الشعب الموريتاني خلال ستينيات القرن الماضي وفي ظل حكم المختار ولد داداه هم نفسهم من "صفقوا" للحكم العسكري خلال فترة الانقلابات في السبعينيات وناضلوا في صفوف هياكل تهذيب الجماهير، تلك البنية السياسية التي عرفتها فترة حكم ولد هيداله السابق في الثمانينيات، ونفس هؤلاء "المصفقين" هو أساس الطبقة السياسية الموريتانية في التسعينيات عندما بدأ ما يسمى التعددية السياسية.

وهذا ما يبرهن على أن تتالي الأنظمة في موريتانيا لم يوجد صيغا جديدة في الحكم أحرى أن يخلق تصورا جديدا لنمط الحكم. وفي هذا المنظور يمكننا أن نتساءل عن جدوى "التناوب" ما دام هذا التناوب لا يحدث قطيعة تامة بين تصورين في نمط الحكم، بل من حقنا أن نتساءل عن فائدة انتخابات حرة ما دامت لا تعبر عن إرادة الشعب الحقيقية. ففي هذا السياق تطرح فكرة التناوب حول السلطة في موريتانيا وإلا فلن تعدو أن تكون تغييرا بين الضحية والجلاد.
______________
كاتب وصحفي، موريتانيا، المدير الناشر لصحيفة المنبر