بقلم: هانزفون اشبونيك*
هانزفون اشبونيك
بدأ برنامج النفط مقابل الغذاء عام 1996، وكان يتجدد كل ستة أشهر حتى وصل إلى مرحلته التاسعة في أوائل عام 2001. وحتى نهاية المرحلة الثامنة التي انتهت في  ديسمبر/كانون أول عام 2000 بلغت عائدات بيع النفط العراقي ما قيمته 22.7 مليار دولار من المساعدات الإنسانية. وكان المبلغ المقرر من قبل مجلس الأمن لشراء مثل هذه المواد هو 16.2 مليار دولار. لكن ما انتهى إليه الأمر بالنسبة للعراقيين الذين يعيشون في المناطق الواقعة تحت الإدارة المباشرة للحكومة في بغداد، خلال تلك السنوات الأربع، باستثناء الأكراد العراقيين، هو أن قيمة هذه المساعدات بلغت 8.8 مليار دولار فقط. وهذا معناه أن نصيب العام الواحد 2.2 مليار دولار، أي بمعدل 110 دولار للفرد في السنة لعشرين مليون نسمة يعيشون في 15 محافظة. وهذا المبلغ لم يكن بالطبع متوفراً لكل عراقي، لكنه كان يستخدم لتلبية بعض الاحتياجات الملحة، على المستوى الفردي والأسري والقومي، للغذاء والدواء وقطاعات الزراعة والماء والصرف الصحي والتعليم. وهذا يوضح الواقع المرير لحجم المعاناة التي يتعرض لها شعب العراق.


تعليق المساعدات الإنسانية القابلة للمراقبة يعطي انطباعاً بزعزعة الثقة في مصداقية لجنة الأمم المتحدة للعقوبات

إن أسباب عدم الاستفادة الكاملة من عائدات النفط لصالح المواطنين معقدة. فالمخاطرة التي تقوم بها جميع الأطراف هي إضفاء الصبغة السياسية على الأمر. ويجب أن نتذكر هنا أنه بموجب العقوبات الاقتصادية الشاملة يواجه العراق عملية مضنية ومعقدة لشراء ما يلزمه تتضمن الحصول على تراخيص للتصدير للعراق من قبل حكومات الدول الموردة ( وزارات الخارجية والتجارة والدفاع)، وتفويضات رسمية من لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن وأمانة الأمم المتحدة، وقيام الحكومة العراقية بفتح خطابات اعتماد مالية في بنك باريس الوطني مالك حساب سند التسليم المعلق للعراق. وتتعقد عمليات الشراء أكثر بسبب بحث السلطات العراقية عن موردين للتسليم، ويكونون في نفس الوقت من دول بينها وبين العراق توافقاً سياسياً. ويزداد الأمر تعقيداً، أنه إذا شعر وفدا الولايات المتحدة وبريطانيا في مجلس الأمن بوجود خطر محتمل لاستخدام المساعدات الإنسانية في أغراض عسكرية، يمكنهم حينئذ وبدون سابق إنذار تعليق ما يعادل 2 مليار من المساعدات الإنسانية تعليقاً مؤقتاً أو دائماً.

إن تعليق المساعدات الإنسانية القابلة للمراقبة يعطي أيضاُ انطباعاً بزعزعة الثقة في مصداقية لجنة الأمم المتحدة للعقوبات فيما يتعلق بأهليتها للإشراف على نحو 300 مراقب للأمم المتحدة في العراق.

هانزفون اشبونيك في تصريح للصحافة
لقد كان توزيع الأغذية والأدوية والمواد الأخرى كقطع الغيار لقطاعات الكهرباء والماء والصرف الصحي يتم بكفاءة في الماضي. ويعكس حجم التقارير الشهرية للأمم المتحدة، المقدمة في أغسطس/آب عام 1999، صورة معدل التوزيع العالي والذي بلغ 90% أو أكثر. ويعتبر هذا الوضع الواقعي مغايراً لزعم الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا المتواصل بأن السلطات العراقية هي التي تمنع عمداً المساعدات الإنسانية. وطاقم الأمم المتحدة في بغداد لم يكن لديه دليل على ذلك. وفي المقابل، رغم كل الصعوبات، نجحت الحكومة العراقية في تذليل عوائق مثل البنية التحتية، التي كانت في حالة مزرية، والنقص الشديد في وسائل النقل (البرية والحديدية) التي ساءت بسبب رفض أميركا وبريطانيا المتكرر للموافقة على توفير سيارات نقل وحافلات إضافية لنقل الغذاء والمواد الأخرى والناس. كما أن هناك اعتراضات أخرى مماثلة للموافقة على شراء قطع غيار لإصلاح السكة الحديدية. كل هذا زاد من الصعوبات الكبيرة التي تواجهها الحكومة في برنامج التوزيع وبالتالي زيادة عناء الشعب. والغياب شبه الكامل لوسائل الإدارة الحديثة بما في ذلك أجهزة الكومبيوتر يشكل قيدا آخر خطيرا. كذلك كان للموظفين المحبطين الذين تراوح رواتبهم الهزيلة بين 2 و4 دولارات شهرياً دور كبير في تأجيج الموقف.

الحياة ليست مجرد تلبية الاحتياجات المادية، وهذه الحقيقة يكررها دائماً ممثلو الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة في بغداد، لكن مجلس الأمن يتجاهلها باستمرار.

ربما كان لقرار مجلس الأمن برفع سقف إنتاج النفط العراقي عام 2000 تأثير سياسي، لكنه لم يؤثر إطلاقاً في حجم النفط المنتج. ذلك أن حقول النفط العراقي كانت في حالة من التردي بحيث لا ينفع معها إلا إجراء ترميم شامل لصناعة النفط للوصول إلى إنتاج فوق معدل الـ 2.2 مليون برميل يومياً المتاح للتصدير. ومن ثم فإن الارتفاع الكبير في دخل النفط عام 2000 كان سببه المباشر هو التحسن الملحوظ في أسعار السوق العالمية للنفط.

كما أن قرار مجلس الأمن الأخير للسماح بتوفير 600 مليون يورو للإنفاق المحلي والتدريب على صناعة النفط، بالإضافة إلى الثلاثمائة مليون دولار (زيدت إلى 600 مليون اعتباراً من المرحلة الرابعة)، قيمة قطع الغيار التي يستطيع العراق أن يستوردها في كل مرحلة، يمكن أن يُحدث تحسن طفيف في الأمن وقدرة الإنتاج لصناعة النفط العراقي، وهذا يمكن أن يفيد الشعب كله. عموماً، لم يكن القصد من العقوبات الاقتصادية شل حركة صناعة النفط العراقي فقط، بل ترك كل البنية التحتية الحيوية في حالة من عدم الاستقرار والترهل.

بينما كان المبلغ المتاح لبرنامج النفط مقابل الغذاء كل ستة أشهر 1.3 مليار دولار فقط عام 1996، وصلت حصة عائدات النفط المتحسنة في المرحلة الثامنة (التي انتهت في ديسمبر/كانون أول عام 2000) إلى 7.8 مليار دولار. وتبين بالتجربة العملية أن فوائد كثرة الموراد ولوائح العقوبات البسيطة تأخذ عادة فترات طويلة قد تصل إلى عام كامل قبل ترجمتها فعلياً إلى مواد إنسانية ملموسة. لذلك، سيمر بعض الوقت قبل أن يرى رجل الشارع العراقي أي تحسن ملموس في ظروف الحياة المعيشية. ومع ذلك شهد عام 2000 استيراد كميات أكبر من المواد الطبية والكهربية وقطع الغيار الأخرى واللوازم الدراسية. وارتفعت القيمة السُهرية لسلة الغذاء الشهرية من 1556 كيلو سعر حراري للفرد عام 1996 إلى2472 كيلو سعر حراري عام 2001.

غذاء الأمم المتحدة مقابل النفط
ولكن برغم هذه التحسينات الإضافية، تظل الصورة الإنسانية العامة كئيبة. ولزيادة معاناة الشعب العراقي بسبب العقوبات المفروضة ومن خلال القيود المحلية، منع مجلس الأمن بموجب قرار الأمم المتحدة رقم 1284، الصادر في 17 ديسمبر/كانون أول 1998، الشراء المحلي وتدفق النقد من عائدات النفط العراقي المحتجز في الخارج منعاً باتاً. ومنذ حدوث الأزمة السياسية بين العراق ومجلس الأمن حول هذا القرار مازالت هناك بعض البنود الرئيسية لهذا القرار الخاصة بالبرنامج الإنساني ينبغي تنفيذها. وهذا يعني أيضاً أن الاقتصاد العراقي لم يعد لديه فرصة لمجرد القيام بخطوة أولى للعودة إلى الحياة السوية.

برغم كل هذه العيوب، يجب أن ننظر إلى برنامج النفط مقابل الغذاء على أنه طريق حيوية للشعب العراقي. ولكن، كما اتضح آنفاً، يظل البرنامج غير كاف بالمرة. ذلك  لم يتمكن من وقف الفقر المدقع الذي أصاب الشعب العراقي الذي لم يكن له من الأمر شيء في النزاع السياسي بين العراق والدول الأخرى. كما أن هذا البرنامج الإنساني لم ينجح في تغيير اتجاه المؤشرات الاجتماعية الرئيسة. ووفقاً لليونيسيف، بلغ معدل وفيات الأطفال دون سن الخامسة، بسبب العقوبات، أكثر من الضعف خلال


 رفع العقوبات الاقتصادية القاسيةعلى العراق هو الحل الوحيد الذي  سيسمح بإعادة تأهيل الاقتصاد العالمي وإعادة الهيبة وتحقيق الذات المتمثل في القانون الدولي كحق لكل شخص بما في ذلك الشعب العراقي

العقد الماضي. فقد كان معدل وفيات الأطفال دون الخامسة 56 في الألف عام 1991، ثم قفز الرقم إلى 131 في الألف عام 1999 بسبب الأمراض الناجمة عن تلوث المياه، الأمر الذي كان نادر الحدوث في العراق قبل العقوبات. وفي تقرير "حالة أطفال العالم لعام 2001"، وضع اليونيسيف العراق في مقدمة الدول، من بين 188 دولة، التي بلغ معدل تزايد الوفيات فيها 160% بين عام 1990 إلى 1999. ويشير التقرير السابق إلى زيادة كبيرة في الاضطرابات العقلية بين الأطفال دون سن الرابعة عشرة. ويتفاقم الوضع المأساوي للمياه والصرف الصحي من حيث النقص الشديد في المياه وارتفاع نسبة التسرب إلى 40% نتيجة لعدم صيانة أو تآكل الأنابيب، وكذلك تصريف 90% من المجاري في نهري دجلة والفرات. وقد تحسنت مصادر الكهرباء إلى حد ما في بغداد، لكنها ساءت في أماكن أخرى، خاصة في المناطق الريفية، بالإضافة إلى انقطاع التيار الكهربائي يومياً لعدة ساعات. أما عن التعليم، فقد ارتفعت معدلات الغياب والرسوب بدرجة كبيرة.

ويجدر الإشارة هنا إلى أن برنامج النفط مقابل الغذاء، بموجب قرار الأمم المتحدة رقم 986 لعام 1995، لم يكن إلا أمراً مؤقتاً وتكميلياً. فبعد مرور عشر سنوات على العقوبات والسنوات العجاف الأخيرة، لم يعد هذا البرنامج مؤقتاً ولا تكميلياً. أما الأمر الأكثر أهمية والذي دائماً ما يُنسى في الرد السياسي على العراق هو أن الحياة ليست مجرد تلبية الاحتياجات المادية، وهذه الحقيقة يكررها دائماً ممثلو الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة في بغداد، لكن مجلس الأمن يتجاهلها باستمرار.

شعب أنهكه الحصار
شعب العراق منهك اجتماعياً وذهنياً. ولا يمكن لبرنامج النفط مقابل الغذاء أن يعالج هذا الموقف البائس والممكن اجتنابه. ومع حلول عام 2001 باتت هذه السياسة الخاطئة للعقوبات الاقتصادية الشاملة هي السبب الرئيسي لمعاناة الشعب العراقي. وحتى لو كان هناك برنامج آخر للنفط مقابل الغذاء أيسر وأكفأ، لن يكون له تأثير إلا كالضمادة. الحل الوحيد في رأيي هو رفع مثل هذه العقوبات الاقتصادية القاسية. حيث سيسمح ذلك بإعادة تأهيل الاقتصاد العالمي وإعادة الهيبة وتحقيق الذات المتمثل في القانون الدولي كحق لكل شخص بما في ذلك الشعب العراقي! كما أنه سيسمح بإعادة تأهيل نظام التعليم العراقي الذي كان متقدماً على مستوى الشرق الأوسط قبل العقوبات. ومرة أخرى سيمنح فرصة مساوية لأطفال العراق للعودة إلى المدارس المحترمة والمجهزة قبل الحصار. إن رفع العقوبات الاقتصادية عن جميع الدول هو خطوة حيوية لإقالة عثرة هذه الأمة الضعيفة والمحطمة نفسياً.

ــــــــــــــــــــــــــــ
* المنسق الانساني للأمم المتحدة في العراق 1999 - 2000، استقال من منصبه في فبراير/ شباط 2000، احتجاجا على استمرار الحصار على العراق.