محمد عبد العاطي

المجلس الوطني الفلسطيني المندثر

المجلس المندثر المجلس الوطني دورات وقرارات العلاقة بين المجلسين

بعد النكبة كانت القضية الفلسطينية بحاجة إلى من يمثلها في جامعة الدول العربية وفي المحافل الدولية خاصة أمام هيئة الأمم المتحدة. وكان لابد لهذا الكيان من أن يحظى بشرعية شعبية، فتكَّون "المجلس الوطني الفلسطيني" عام 1948 برئاسة مفتي فلسطين ورئيس الهيئة العربية العليا آنذاك الحاج أمين الحسيني وبعضوية أفراد مختارين من المجالس القروية والبلدية ومن رؤساء قبائل وعشائر ووجهاء وأعيان ومديري جميعات أهلية كانت كلها موجودة في فلسطين آنذاك.

كان عدد أعضاء ذلك المجلس 97 عضوا من أصل 151 وجهت لهم الدعوة، فحضر العدد المذكور واعتذر الباقون.

واجهت هذا المجلس منذ الأيام الأولى لتأسيسه مشكلات وصعوبات حالت دون قيامه بمهماته على الوجه الأمثل. كان أهم هذه المشكلات الطعن في شرعيته والقول إنه لا يمثل عموم الشعب الفلسطيني، وإنه لم يأت بانتخابات نزيهة وإنما جرى باختيارات تغلب فيها الهوى.

أمين الحسيني

غير أن كل ذلك كان نوعا ما هينا أمام العقبة الكأداء التي وضعها في طريقه الأردن وملكها عبد الله الأول، حيث أوعز الأخير لبعض الفلسطينيين بعقد مؤتمرات وتكوين مجالس بديلة في عمان والضفة وغزة تدعو كلها إلى شيء واحد فقط: رفض مجلس أمين الحسيني والحكومة المنبثقة عنه برئاسة أحمد حلمي عبد الباقي.

وبغض النظر عن الدوافع الحقيقية وراء تحركات الملك عبد الله الأول واتخاذه موقفا متشددا كهذا إزاء المجلس، فإن هذه السياسة كانت توافق رغبات القوى الكبرى وبالأخص بريطانيا والولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية التي وقفت مؤيدة وداعمة آراء الوسيط الدولي الكونت برنادوت الداعية إلى ضم فلسطين العربية إلى إمارة شرق الأردن التي كان يرأسها الملك عبد الله الأول.

قرارات الدورة الأولى
كانت أهم دورات المجلس الوطني إبان الفترة المذكورة (1948–1964) هي الدورة الأولى التي رأسها الحاج أمين الحسيني، حيث قررت:

  1. إعلان استقلال الدولة الفلسطينية بحدودها التاريخية كاملة، وعدم الاعتراف بقرار التقسيم.
  2. إقرار القدس عاصمة للدولة المعلنة، واتخاذ علم الثورة العربية الكبرى عام 1916 علما لفلسطين.
  3. تشكيل "حكومة عموم فلسطين" برئاسة أحمد حلمي عبد الباقي لتمثيل فلسطين في جامعة الدول العربية والمحافل الدولية.

لكن هذه القرارت ظلت دون أثر فعال على أرض الواقع بسبب الموقف الأردني والظروف التي خلقتها السياسة الأردنية داخل الساحة الفلسطينية آنذاك، وتوارى المجلس الوطني في غياهب النسيان، وجرت في نهر السياسة الفلسطينية خصوصا والعربية عموما مياه كثيرة، تغيرت خلالها عوامل واستجدت ظروف ساعدت على بروز مجلس وطني فلسطيني جديد عام 1964، لا يزال هو نفسه قائما حتى الآن رغم ما تعرض له من زيادة ونقصان في عدد أعضائه أكثر من مرة على مدار كل هذه السنوات.

المجلس الوطني الفلسطيني 

المجلس المندثر المجلس الوطني دورات وقرارات العلاقة بين المجلسين

عام 1964 هو العام الذي عاد فيه المجلس الوطني الفلسطيني ليتصدر المشهد السياسي مرة أخرى، لكن هذه المرة بشكل مختلف وبثوب جديد.

في العام المذكور وتنفيذا لتوصيات مؤتمر القمة العربي الذي عقد في القاهرة يوم 13 يناير/كانون الثاني والقاضية "بتكليف أحمد الشقيري (مندوب فلسطين في الجامعة العربية خلفا لممثل حكومة عموم فلسطين أحمد حلمي عبد الباقي) بمواصلة اتصالاته مع الفلسطينيين المقيمين في الدول العربية، بغية الوصول إلى "إقامة القواعد السليمة لتنظيم الشعب الفلسطيني وتمكينه من القيام بدوره في تحرير وطنه وتقرير مصيره".

نشط أحمد الشقيري في عقد سلسلة من اللقاءات مع الفلسطينيين في أماكن وجودهم، ووجه للعديد منهم دعوات لحضور مؤتمر وطني في القدس، للنظر في تأسيس كيان منظم وجامع للفصائل الفلسطينية العاملة في الساحة، بهدف السعي المثمر لتحرير فلسطين.

اجتمع 422 فلسطينيا (رغم أن الدعوة وجهت فقط إلى 397) في مؤتمر جامع بالقدس أطلق عليه "المجلس الوطني الفلسطيني". وخرج المؤتمرون بقرارات مهمة كان من أبرزها:

  • قيام منظمة التحرير الفقلسطينية بهدف "قيادة الشعب الفلسطيني لخوض معركة التحرير".
  • وضع النظام الأساسي للمنظمة.
  • اختيار أعضاء لجنتها التنفيذية (برئاسة أحمد الشقيري).
  • إصدار الميثاق القومي الفلسطيني.
  • إصدار قانون انتخاب أعضاء المجلس الوطني.
  • تشكيل قوات التحرير الشعبية.
  • إنشاء الصندوق القومي.

المجلس الوطني الفلسطيني.. دورات وقرارات 

المجلس المندثر المجلس الوطني دورات وقرارات العلاقة بين المجلسين

مر على المجلس الوطني الفلسطيني منذ نشأته حتى الآن 44 عاما، عقد خلالها 21 دورة فقط رغم أن نظامه الأساسي ولائحته الداخلية تنص على أن ينعقد مرة كل عام، ويمكن أن يعقد في العام الواحد أكثر من دورة لظروف استثنائية.

أي أنه وبنظرة عامة ومنذ نشأته حتى الآن قد عمل بأقل من نصف طاقته، وقد أصابه شلل تام منذ 11 عاما لم يعقد خلالها أي دورة رغم ما مر على القضية الفلسطينية من تطورات مهمة كانت تستدعي انعقاده.

وفي العموم سارت أهم الدورات وأبرز القرارات على النحو التالي:

دورتا 1965 و1966.. العضوية ثقب في جدار المجلس
كانت الدورتان الثانية والثالثة عامي 1965 و1966 استعراضا لما تم إنجازه وفقا للقرارات والتوصيات الصادرة عن الدورة الأولى، وتأكيدا للخط الفكري والنهج السياسي للمنظمة.


"
المجلس الوطني الفلسطيني جزء من مكونات منظمة التحرير يصادق على خطها السياسي وقراراتها المهمة فيكسبها نوعا من الشرعية
"

عقدت الدورة الثانية في القاهرة بنفس العدد الذي حضر الدورة الأولى (422) بينما فوجئ الحضور في الدورة الثالثة التي عقدت في غزة بزيادة العدد إلى 466 عضوا.

وقد مرت مسألة الزيادة دون مشاكل تذكر، الأمر الذي أحدث فيما بعد ثقبا في بنيان المجلس تسلل منه أعضاء جدد ظلوا يتزايدون باستمرار دون ضابط أو رابط، وبعيدا عن أي رقابة أو آلية متفق عليها لتنفيذ ما ورد في النظام الانتخابي للمجلس من شروط ومواصفات للعضوية بلغت في تفصيلاتها 73 مادة.

وهي ضوابط كانت لازمة وتطبيقها كان كفيلا بتحسين كفاءة أداء المجلس ووقف الترهل الذي حدث له، وكان من مظاهره تضخم عدد أعضائه الذين وصلوا إلى أكثر من 700 عضو (عدد من حضروا دورة عام 1996).

في العام التالي (1965) انعقدت الدورة الثانية للمجلس الوطني الفلسطيني في القاهرة، وقدم خلالها أحمد الشقيري تقريرا عما تم إنجازه منذ الدورة السابقة قبل عام وما قامت به اللجنة التنفيذية برئاسته، واستعرض ما تم بخصوص إنشاء القوات العسكرية والصندوق القومي ودوائر المنظمة المختلفة واستقرار الأمور الإدارية في مقرها العام بالقدس.

وفي الدورة نفسها قدّم الشقيري استقالته فقبلها المجلس، ثم عاد ومنحه ثقته وجدد رئاسته للجنة التنفيذية، كما منحه حق اختيار أعضائها.

واضح إذن من الدورتين الأولى والثانية لهذا المجلس وبالأخص من لحظة تأسيسه ومجريات جلسات دورته الأولى، أن إنشاءه جاء خطوة ضرورية لمنح الشرعية الشعبية للمنظمة الوليدة المسماة "منظمة التحرير الفلسطينية"، وواضح كذلك أنه أصبح منذ تلك اللحظة بمثابة الهيئة الاستشارية العليا للمنظمة وأعلى سلطة تشريعية لها.

وقد ثار تساؤل لا يزال حاضرا دون إجابة قاطعة حتى اليوم: هل يمثل هذا المجلس مرجعية عليا للشعب الفلسطيني بكل ما في نسيج هذا الشعب من أفراد مستقلين ومن تنظيمات وفصائل حتى لو لم تكن تلك التنظيمات والفصائل جزءا من منظمة التحرير الفلسطينية كحماس والجهاد على سبيل المثال، وحتى لو كان الوصف الرسمي العربي للمنظمة -كما جاء في قمتي الرباط والدار البيضاء عامي 1973 و1974- هو أنها "الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني"؟.

دورة 1968.. استقالة الشقيري وبروز عرفات
في عام 1968 عقد المجلس الوطني دورته الرابعة في القاهرة (دورة ما بعد هزيمة يونيو/حزيران) برئاسة عبد المحسن القطان. كانت حركة فتح قد بسطت سيطرتها على منظمة التحرير عن طريق زيادة أعداد "الفتحاويين" فيها، واستطاعوا بأصواتهم إنجاح الناطق الرسمي باسم حركتهم 
ياسر عرفات الذي رشح نفسه رئيسا للجنة التنفيذية للمنظمة. وفي الدورة نفسها قدم أحمد الشقيري استقالته بعدما أصبحت بيئة العمل داخل المنظمة -على حد قوله- غير مهيأة لاستمراريته، واختير يحيى حمودة خلفا له، كما اختير خالد الفاهوم لرئاسة المجلس الوطني وظل يشغل هذا المنصب حتى عام 1984.

دورات 1969 و1970 و1971.. رفض مبادرة روجرز

خالد الفاهوم

كان الشغل الشاغل لهذه الدورات الثلاث التي عقدت ثانيتهما (1970) بصورة استثنائية في عمان، بلورة موقف سياسي إزاء مبادرة وزير الخارجية الأميركي وليام روجرز التي قبلها الرئيس جمال عبد الناصر كسبا للوقت لحين اكتمال بناء حائط الصواريخ على طول قناة السويس.

وقد أصدر المجلس الوطني قراراته برفض المبادرة معللا ذلك بعدم تعرضها لحق الشعب الفلسطيني في فلسطين التاريخية بحدود 1948، ولأنها -على حد وصف المجلس- تقود إلى الاعتراف بدولة إسرائيل.

دورتا 1972 و1973.. السلطة طريق إلى الدولة
في هاتين الدورتين تبنى المجلس الوطني بعض القرارات التي تؤشر على بداية تغير في فكر منظمة التحرير فيما يتعلق بحلم الدولة. فقد نشأت المنظمة على أساس العمل على تحرير كامل التراب الوطني الفلسطيني وإقامة الدولة على كل حدود فلسطين وعدم الاعتراف بقرار التقسيم وبالتالي عدم الاعتراف بالعدو الإسرائيلي.

لكن في دورة 1972 الاستثنائية التي عقدت في عمان تبنى المجلس فكرة الدعوة إلى "الدولة الديمقراطية العلمانية"، وفي عام 1973 في دورة القاهرة اتخذ قرارا يدعو إلى:

  • "إقامة السلطة الوطنية المستقلة والمقاتلة للشعب الفلسطيني على كل جزء يتحرر من الأرض الفلسطينية".
  • يجب ألا يكون ثمن هذا الكيان الفلسطيني (السلطة) الاعتراف بإسرائيل أو عقد الصلح أو التنازل عن حق الشعب الفلسطيني بالعودة وتقرير المصير.

وتنبع أهمية هذه الدورة (1973) وتلك القرارت من كونها وضعت للمقاومة مشروعا سياسيا يتضمن مراحل متدرجة للهدف النهائي وهو تحرير فلسطين.

دورة 1974.. شرعية المنظمة كممثل وحيد للفلسطينيين
في هذه الدورة رحب المجلس الوطني بنتائج القمة العربية المنعقدة في الرباط عام 1974 والتي حسمت بصورة نهائية النزاع بين الملك الأردني الحسين بن طلال ومنظمة التحرير، حيث صدر قرار بالإجماع جاء فيه "أن قادة الدول العربية يؤكدون حق الشعب الفسطيني في إقامة سلطة وطنية مستقلة بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية بصفتها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني على كل أرض يتم تحريرها". وكان هذا القرار تدعيما للمنظمة ولمجلسها الوطني وقد ساعد الجمعية العامة للأمم المتحدة على دعوة ياسر عرفات إلى إلقاء خطابه الشهير من على منبرها في أكتوبر/ شرين الأول من العام نفسه.

دورة 1977.. وتغيير آخر في لغة الخطاب
لم يعقد المجلس الوطني دورات في أعوام 1975 و1976، وبدأ عام 1977 بعقد دورة في القاهرة في الفترة من 12 إلى 22 مارس/آذار أطلق عليها دورة الشهيد كمال جنبلاط. وقد لوحظ على بيان المجلس استخدامه لعبارات تعزيز التضامن العربي بديلا عما كان مستخدما من قبل من عبارات الوحدة العربية والاتحاد العربي وما إلى ذلك.

دورتا 1979 و1981.. وتكرار الهجوم على كامب ديفد
يلاحظ أن الفترات الزمنية لانعقاد دورات المجلس الوطني بدأت تتباعد، فبدلا من الانعقاد مرة كل عام وأحيانا في العام الواحد مرتين أصبح انعقادها مرة كل عامين أمرا طبيعيا.

"
الفصائل غير المنضوية تحت لواء منظمة التحرير مثل الجهاد وحماس، تطالب بإعادة النظر في تشكيل المجلس الوطني ليكون ممثلا لمختلف الأطياف السياسية ولا يغلب عليه لون فصيل سياسي بعينه
"

في دورة 1979 التي عقدت بدمشق وأطلق عليها دورة هواري بومدين أدان المجلس معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية. وكذلك فعل في دورة 1981 التي عقدت كذلك بدمشق، حيث اعتبر المجلس أن أي تحرك أو تضامن عربي فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية ينبغي أن يبنى على الأسس التالية:

  • الحقوق الوطنية الفلسطينية.
  • الحق في العودة.
  • الحق في تقرير المصير.
  • السيادة في دولة مستقلة بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية.
  • التأكيد على أهمية الحوار الأردني الفلسطيني.

كما يلاحظ على أعمال هاتين الدورتين بداية تقارب المجلس ومنظمة التحرير مع السياسة السعودية التي بدأت هي الأخرى في البروز مع الطفرة النفطية ودخول المال السعودي على خط السياسات العربية بقوة.

وقد رحب ياسر عرفات آنذاك بالمبادئ الثمانية لمشروع فهد كأساس لتسوية إسرائيلية عربية بعد انسحاب إسرائيل من أراضي عام 1967 مقابل "الاعتراف بحق جميع دول المنطقة في العيش في سلام"، في إشارة إلى حق إسرائيل في الوجود والعيش في سلام مع جيرانها العرب. ووصف عرفات هذه المبادرة بأنها "جيدة وبرنامج مهم للغاية من أجل إقامة سلام دائم وشامل في الشرق الأوسط".

دورة 1983.. وخط سياسي أحدث انشقاقات
تميزت دورة المجلس الوطني هذه المنعقدة بالجزائر عام 1983 بنشاط ملحوظ وبقرارات مهمة أعادت إلى واجهة العمل السياسي منظمة التحرير الفلسطينية كمتحدث وحيد باسم الشعب الفلسطيني تبدي رأيها وتبادر بتقديم رؤاها وتصوراتها بدلا من الأنظمة العربية التي حاولت القيام بهذا الدور سواء النظام المصري عام 1979 أو السعودي عام 1981.

وتميزت كذلك بشيء مهم أصبح فيما بعد علامة بارزة في النظام السياسي الفلسطيني إذ ظهر في هذه الدورة تغول اللجنة المركزية لمنظمة التحرير على صلاحيات المجلس الوطني وقدرتها على توجيه النقاش باتجاه قرارات بعينها تريدها اللجنة ورئيسها ياسر عرفات، الأمر الذي أحدث انشقاقات فيما بعد.

كان هم المجلس في الدورة المذكورة وضع برنامج سياسي يحظى بتوافق الفصائل الفلسطينية حفاظا على الوحدة الوطنية واستقلال القرار والكفاح المسلح. وانطلاقا من هذا قرر المجلس قبول مشروع فاس باعتباره "عتبة دنيا لمبادرة سياسية تجمع بين مقترحات الدول العربية وبالأخص ما جرى التفاوض عليه بين ياسر عرفات والملك حسين بخصوص الكونفدرالية الأردينة الفلسطينية، والاقتراحات المقدمة في مشروع وزير الخارجية السوفياتية ليونيد بريجينيف".

وكان أهم ما في قرارات المجلس الخاصة بقبول مشروع فاس انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها عام 1967 وحق الشعب الفلسطيني في دولة مستقلة وحق اللاجئين في العودة أو التعويض والسلام بين الدول العربية وإسرائيل.

وقد سببت قرارات المجلس الوطني في دورته تلك انشقاقات في صفوف المقاومة وحركة فتح عبرت عن نفسها فيما بعد فيما سمي ببيان الانفصال الذي تلاه العقيد أبو موسى أمام المجلس الثوري لفتح في عدن وحدد فيه ثلاث نقاط اعتبرها كافية للتمرد، متهما ياسر عرفات باحتكار الرأي السياسي وتوجيه مستقبل الكفاح المسلح وفقا لرأيه. وقد سار على نفس منوال الاعتراض والانشقاق أحمد جبريل طاعنا في الخط السياسي لعرفات.

دورة 1985.. ونبذ إرهاب المنظمة
عقدت هذه الدورة في عمان وكان أهم قراراتها الترحيب باتفاق عمان بين المنظمة والأردن والذي نصت أهم بنوده على قبول مبدأ الأرض مقابل السلام وموافقة المنظمة على عقد مؤتمر دولي للسلام تحضره كل الأطراف بما فيها إسرائيل، غير أن هذه الدورة شهدت وربما للمرة الأولى تكرار عبارة "نبذ الإرهاب" وقد نصت الاتفاقية على نبذ الإرهاب من قبل المنظمة. وعبارة الإرهاب هذه ستستعمل كثيرا فيما بعد وستختلط بسببها أوراق كثيرة وعناوين لم تكن تسبب خلطا من قبل كالمقاومة والكفاح المسلح وعلاقة ذلك بما يسمى الإرهاب.

دورة 1988.. وإعلان الدولة الفلسطينية
جاءت هذه الدورة وسط أحداث متسارعة وساخنة. الانتفاضة الأولى قامت قبل عام ولا تزال على أشدها، وإسرائيل في أبريل/نيسان اغتالت خليل الوزير أبو جهاد أحد أبرز قادة المنظمة، والملك حسين قرر في يوليو/تموز قطع جميع الروابط القانونية والإدارية بين بلده والضفة الغربية، وياسر عرفات دعا إسرائيل من على منبر البرلمان الأوروبي إلى عقد سلام الشجعان.

غير أن كل ذلك لم يغير شيئا على الأرض، وحتى إعلان الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف الذي أعلن في ذات الدورة قوبل ببرود أميركي، إذ لم تمنح الولايات المتحدة عرفات تأشيرة دخول للذهاب إلى نيويورك مقر الجمعية العامة للأمم المتحدة.

دورة 1991.. والموقف من مؤتمر مدريد
جاءت هذه الدورة في ظروف بالغة الحساسية عربيا وفلسطينيا، فالعالم العربي خرج للتو من حرب الخليج الثانية التي غزا فيها العراق الكويت ودُمر جانب كبير من قوته العسكرية على أيدي قوات التحالف الدولية التي كانت تقودها الولايات المتحدة، مما أخرجه من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي.

"
بدون انتخابات حرة نزيهة بين التجمعات الفلسطينية في مختلف دول العالم وداخل الأراضي المحتلة لاختيار أعضاء المجلس الوطني، سيظل الجدل بشأن شرعيته ومدى تمثيله لكل الشعب الفلسطيني قائما
"

والعرب أنفسهم خرجوا من هذه الحرب ممزقين سياسيا لدرجة لم تحدث من قبل بهذه الحدة. ومنظمة التحرير اتهمت بمجاملة العراق مما ألب عليها وعلى الفلسطينيين دول الخليج. ثم جاء مؤتمر مدريد للسلام في ظل هذه الظروف جميعها، وكان على المجلس الوطني رسم وبلورة موقف سياسي محدد.

أرادت المنظمة المشاركة في مؤتمر مدريد لكونها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني ولكون أحد أهم بنود المؤتمر هو بحث السلام في الشرق الأوسط وفي القلب منه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. لكن إسرائيل رفضت مشاركة وفد المنظمة منفردا واشترطت عليه الاندماج مع الوفد الأردني وأن توافق مسبقا على أعضائه، وأبت أن يكون هؤلاء الأعضاء من منظمة التحرير أو من المقيمين في القدس الشرقية أو مفوضين من فلسطينيي الشتات، كما رفضت مسبقا الدولة الفلسطينية.

هنا عقد المجلس الوطني دورته في الجزائر برئاسة عبد الحميد السائح في الفترة من 23 إلى 28 سبتمبر/أيلول 1991 وخرجوا بإعلان سياسي يؤكد المبادئ التالية:

  1. ضرورة انعقاد مؤتمر مدريد على أساس القرارين 242 و338 تحت شعار "الأرض مقابل السلام".
  2. الاعتراف بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني وبحقه في تقرير مصيره وفي الاستقلال والسيادة.
  3. حق اللاجئين في العودة.
  4. تعهد الإسرائيليين بالانسحاب من القدس الشرقية.
  5. الوقف الفوري لإقامة المستوطنات اليهودية في الأراضي المحتلة بما فيها القدس الشرقية.
  6. تفكيك المستوطنات المقامة بصورة غير قانونية في الأراضي المحتلة.
  7. تسمية الممثلين الفلسطينيين في مؤتمر السلام من قبل منظمة التحرير الفلسطينية بدون تدخل خارجي.
  8. ضمان الروابط بين مختلف مراحل السلام، والسيادة الفلسطينية خلال المرحلة الانتقالية على الأرض والماء، والاستقلال في إدارة القضايا الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية.

ورغم كل هذه المبادئ التي أكدها المجلس الوطني وخاصة في شأن تمثيل منظمة التحرير وضرورة وفد فلسطيني مستقل، فإن المجلس المركزي الفلسطيني خالف ما انتهى إليه المجلس الوطني فرضخ للضغوط الأميركية وللشروط الإسرائيلية وقبل بفكرة الوفد المشترك الأردني الفلسطيني بعد حصوله على كتاب تأكيد من الإدارة تحدد فيه المبادئ الأساسية التي ترشد مسعاها فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، أي بأفكارها الأساسية وتوجهاتها الإستراتيجية في مفردات القضية الفلسطينية (اللاجئون، الدولة، القدس،...إلخ).

دورة 1996.. الدورة الأخيرة وإلغاء بنود من الميثاق الوطني

سليم الزعنون (الفرنسية-أرشيف)

جاءت هذه الدورة المهمة والأخيرة من دورات المجلس الوطني في ظروف سياسية وإنسانية عربية بالغة الدقة، فقد عمت الآفاق أصوات أزيز الطائرات الإسرائيلية وهي تقصف لبنان فيما سمي عملية "عناقيد الغضب"، وخلفت مأساة مروعة ضمن ما خلفته تمثلت في مجزرة قانا التي قتل فيها 102 لبناني مدني كانوا يحتمون بمقر الأمم المتحدة، فضلا عن تهجير آلاف اللبنانيين من الجنوب. ولم يكن الشارع العربي مهيأ لأي مبادرة سياسية أو تسوية سلمية أو مصدقا لأي حديث إسرائيلي عن السلام في ذلك الوقت.

كان ياسر عرفات قبل عام قد دخل مع إسرائيل في مفاوضات انتهت بتوقيع اتفاق أطلق عليه اتفاق طابا (أوسلو رقم2 يوم 28 سبتمبر/أيلول 1995) ونص في البند التاسع من المادة 31 على أن "تتعهد منظمة التحرير الفلسطينية بأن يجتمع المجلس الوطني الفلسطيني بعد شهرين من اضطلاع المجلس (التشريعي، وهو مجلس تشريعي له سلطة تشريعية نصت على تكوينه نفس الاتفاقية) بمهماته ويتولى التصديق نهائيا على التغييرات الضرورية المتعلقة بالميثاق الفلسطيني".  

كما كان عرفات راغبا في الإسراع بالدخول في مفاوضات الحل النهائي، ولذلك كله قبل بشروط إسرائيل الداعية إلى ضرورة تعديل الميثاق الفلسطيني (النص الأساسي) وذلك بحذف المواد والبنود التي تدعو إلى تصفية الصهيونية قبل الدخول في مفاوضات الحل النهائي.

اجتمع برئاسة سليم الزعنون في غزة أكثر من 700 عضو من أعضاء المجلس الوطني (لا يوجد رقم فلسطيني رسمي لعدد من حضروا، البعض يقول 787 والبعض 737 والبعض يؤكد أنهم 717، لكن الإجماع أنهم تجاوزوا 700 عضو) وقرروا بأغلبية ساحقة تعديل الميثاق بحذف المواد التالية:

  • (المادة 2): تشكل فلسطين في حدودها خلال الانتداب البريطاني وحدة إقليمية غير قابلة للتجزئة.
  • (المادة 9): الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد للوصول إلى تحرير فلسطين... ويؤكد الشعب العربي الفلسطيني عزمه المطلق وقراره الحازم بمتابعة الكفاح المسلح وتحضير ثورة شعبية مسلحة لتحرير بلده والعودة إليه.
  • (المادة 16): تحرير فلسطين هو من وجهة النظر العربية واجب وطني... يهدف إلى إلقاء الصهيونية من فلسطين.
  • (المادة 19): تقسيم فلسطين في عام 1947 وإقامة دولة إسرائيل هما غير قانونيين كلياً أيا كان الوقت الذي انقضى، لأنهما مناقضان لإرادة الشعب الفلسطيني ولحقه الطبيعي في وطنه.
  • (المادة 20): ... كما أن اليهود لا يشكلون أمة واحدة لها هويتها الخاصة وإنما هم مواطنون في الدول التي ينتمون إليها.
  • (المادة 22): الصهيونية حركة سياسية مرتبطة عضويا بالإمبريالية العالمية ومناقضة لأي عمل تحريري وأي حركة تقدمية في العالم، إنها عرقية ومتعصبة بطبيعتها، وعدائية وتوسعية واستعمارية في أهدافها، وفاشية في نهجها.

وافق المجلس الوطني على إلغاء هذه المواد من الميثاق في ظل غياب مكونين مهمين من مكونات منظمة التحرير هما الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بزعامة نايف حواتمة والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين برئاسة جورج حبش.

وقد أحدثت دورة المجلس هذه هزة عنيفة داخل النسيج الفلسطيني حيث انتقدها الكثيرون لأنها قدمت ورقة رئيسية لإسرائيل دون مقابل، وهزت صورة المنظمة في وجدان الكثيرين الذين كانوا ينظرون إليها كممثل للشعب الفلسطيني واجب عليه أن يأخذ مثل هذه القرارات المهمة بتوافق وطني.

وقد ردت السلطة الوطنية على هذه الانتقادات بأنها كانت موضوعة على جدول الأعمال من قبل وأن تعديل المواد المجرّمة في الميثاق كان مندرجا في تصويت المجلس الوطني المؤيد لمشاركة منظمة التحرير في مسار السلام عام 1991 والاتفاقات المبرمة في أوسلو عام 1993.

العلاقة بين المجلس الوطني والمجلس التشريعي 

المجلس المندثر المجلس الوطني دورات وقرارات العلاقة بين المجلسين

رغم اجتهادات الكثيرين في رسم الخطوط الفاصلة بين المجلسين التشريعي المنتخب في الضفة وغزة والمجلس الوطني، والقول إن الأول جزء من الثاني (تصريحات أمين سر حركة فتح فاروق القدومي مثالا)، فإن العلاقة بين الاثنين لا تزال حتى الآن ملتبسة، والاعتراف بأن المجلس الوطني بتكوينه الحالي هو الهيئة التشريعية العليا للشعب الفلسطيني أمر غير مقطوع به لدى العديد من الفصائل الفلسطينية.

فالمجلس الوطني سواء مجلس أمين الحسيني أو المجلس الحالي الذي بدأ بالشقيري ويرأسه الآن سليم الزعنون لم يتكون بناء على انتخابات جرت بين تجمعات الفلسطينيين في الداخل أو الشتات، وإنما جرى اختيار أعضائه وفقا لفلسفة الحصص، وتكون داخل جدران كيان سياسي اسمه منظمة التحرير الفلسطينية ليكون مرجعا أعلى لهذه المنظمة.

وهنا الإشكالية، إذ لا تعترف بعض الفصائل الفلسطينية المهمة والتي لها حضور وجماهيرية كحماس والجهاد -على سبيل المثال- بهذه المنظمة، مبررة ذلك بسيطرة فصيل سياسي واحد على مقدراتها (حركة فتح)، وتدعو إلى إعادة إصلاح وترتيب المنظمة من الداخل لتمثل بالفعل مختلف ألوان الطيف السياسي الفلسطيني وفقا للشعبية التي تحددها صناديق الاقتراع.

وفي المقابل ولأن المجلس التشريعي "منتخب" مباشرة في الضفة وغزة، يرى فريق من الفلسطينيين أن من المفترض أن تكون له وحده دون سواه المرجعية التشريعية العليا والتصديق على القرارات المهمة المتعلقة بالقضية الفلسطينية.

لكن يعود الجدال بين المجلسين ليبدأ من حيث انتهى، فالقول إن المجلس التشريعي ينبغي أن يكون المرجعية التشريعية العليا يقابله جدال وانتقاد مفاده أن ذلك يحرم فلسطينيي الشتات الذين لم يشاركوا في انتخابات المجلس التشريعي من أن تكون لهم كلمة فيما يتخذ من قرارات بشأن القضية الفلسطينية خاصة فيما يتعلق بحلمهم الأبدي (حق العودة).


من هنا كان اتفاق القاهرة بين الفصائل الفلسطينية عام 2005 الذي توصلت فيه الأطراف إلى قناعة بضرورة إصلاح منظمة التحرير وأن تكون البداية الحقيقية بانتخاب مجلس وطني جديد وتشكيل لجنة لتحويل هذا المطلب إلى عمل وسط التجمعات الفلسطينية خاصة في سوريا ولبنان (إجراء انتخابات في مخيمات الفلسطينيين بالأردن يلقى حساسية شديدة لدى السلطات الأردنية) وفي دول الخليج وأوروبا والأميركتين.

لكن اللجنة لم تفعّل وظل قرار تشكيلها حبرا على الورق الذي وقع عليه قبل عامين شهدت الساحة الفلسطينية خلالهما أحداثا دموية بين فتح وحماس جعلت إعادة الروح إلى تلك اللجنة ضرورة حيوية لم تعد تحتمل التأخير.



_______________
المصادر

1- المجلس الوطني الفلسطيني، الموقع الرسمي للسلطة الوطنية الفلسطينية، الهيئة العامة للاستعلامات، مركز المعلومات الوطني الفلسطيني، الأطر السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية.
 http://www.pnic.gov.ps/arabic/gover/porder_1.html
وانظر أيضا في الموقع نفسه الصفحة المتعلقة بقرارات المجلس الوطني عبر الرابط التالي:http://www.pnic.gov.ps/arabic/palestine/nationala.html
2- المجلس الوطني الفلسطيني، مركز دراسات الوحدة العربية، أوروبا. وفلسطين من الحروب الصليبية حتى اليوم، دكتور بشارة خضر، الطبعة الأولى 2003، صفحات 283، 290، 292، 293، 297، 359، 463، 595.
3- قراءة نقدية في تجربة المجلس الوطني الفلسطيني، الدكتور محسن صالح مدير مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، صفحة تحليلات، الجزيرة نت 11/6/2006.
4- منظمة التحرير الفلسطينية، الموسوعة العربية العالمية، حرف الميم، المجلد 24 الطبعة الثانية 1999، مؤسسة أعمال الموسوعة للنشر والتوزيع، ص 277 و278.
5- مقالات متفرقة لكتاب وسياسيين منهم نايف حواتمة، إبراهيم حمامي، عبد الوهاب الكيالي، سميح شبيب، مأمون كيوان..إلخ، تحدثوا فيها عن بنية النظام السياسي الفلسطيني وأوجه الخلل الموجودة فيه، وعلى رأسها المجلس الوطني وعلاقاته بالمجلس المركزي والمجلس التشريعي وغير ذلك.

شارك برأيك