د. إبراهيم البيومي غانم

الدولة والمجتمع: علاقة الجزء بالكل
الحكومة والمجلس: توتر دائم وحذر متبادل
ديمقراطية القبائل لا الأحزاب
الضغوط الخارجية ومستقبل التحديث الديمقراطي

لا يجادل أحد في أن الكويت تمتلك أقدم تجربة في الممارسة الديمقراطية مقارنة بجيرانها من دول مجلس التعاون الخليجي على الأقل، لكن كثيرين يرون أنها لم تنجح بعد في إنجاز مهمات التحديث وبناء أطر مؤسسية أو تنظيمات قانونية لممارسة العمل السياسي، كما أنها لا تزال -في نظر البعض- أسيرة المجتمع التقليدي ومحكومة بقيمه وممارساته المناقضة في جوانب أساسية منها للحداثة السياسية، وأنها خضعت في أغلب الأوقات للتقاليد والقيم الاجتماعية الموروثة أكثر مما حكمتها أصول الممارسة الديمقراطية وقواعد التحديث السياسي.

وفي هذا العام بلغت تجربة الكويت في الممارسة الديمقراطية 40 سنة، فقد تشكل أول مجلس نيابي منتخب في 29 يناير/ كانون الثاني 1963 غداة صدور الدستور سنة 1962 وحصول البلاد على استقلالها عن بريطانيا قبل ذلك بعام واحد في سنة 1961.

ابراهيم البيومي غانم
واستمرت التجربة مدة أربعة عقود (1963 - 2003) لم تخل من بعض العثرات، وتخللتها فترة انقطاع استمرت من منتصف السبعينيات إلى بداية الثمانينيات، وفترة أخرى من منتصف الثمانينيات إلى سنة 1992، وسوف يتشكل المجلس النيابي العاشر (2003 - 2007) بعد أن يصوت الناخبون في الخامس من يوليو/ تموز 2003.

صحيح أن التجربة الكويتية حققت بعض الإنجازات على طريق إرساء دعائم الحكم الدستوري النيابي، وتقنين الحريات العامة وتوفير مساحة واسعة لممارستها عمليا، وتشكيل المجالس البلدية والنيابية بالاقتراع الدوري المباشر، إلى غير ذلك من الإنجازات التي هي موضع تقدير من مختلف القوى والتيارات السياسية بما فيها المعارضة الكويتية، ولكن هذه التجربة في الوقت نفسه وبعد كل هذه المدة لا تزال تفصلها خطوات واسعة عن قيم ومؤسسات الحداثة السياسية كما ذكرنا، وعادة ما تتجلى هذه الحداثة المقصودة في إقرار حقوق المواطنة والمشاركة السياسية للرجل والمرأة على حد سواء، وتغليب المصلحة العامة على المصالح الخاصة، والمنافسة الانتخابية على أساس البرامج والأفكار لا على أساس الأشخاص وانتماءاتهم الأولية (القبلية أو الطائفية أو المذهبية)، وإقامة علاقة متوازنة بين السلطات على قاعدة الفصل بينها وبخاصة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وحماية الحريات العامة وليس فقط تقنينها، وإفساح المجال أمام الاجتهادات المختلفة والآراء المتعددة، وتوسيع نطاق المشاركة السياسية، وسيادة حكم القانون لا القبلية والعلاقات الشخصية والعائلية.. إلخ.

والملفت للنظر أن كثيرين من المحللين ومنتسبي التيارات الفكرية والسياسية الكويتية المعارضة -وخاصة مع اقتراب يوم الإدلاء بالأصوات وحسم المعركة الانتخابية- نجدهم ينحون باللائمة على كل أطراف العملية السياسية، وإن بدرجات متفاوتة في اللوم، بدءاً بالحكومة التي يعتبرونها المذنب الأول في الانحراف عن المسار الديمقراطي السليم، مروراً بمجلس الأمة الذي ينظرون إليه على أنه مجمع لقضاء الخدمات والمصالح الخاصة، وأنه مجلس "بلا رؤية ومعاد للحداثة والإصلاح" على حد قول شفيق الغبرا (الرأي العام 16/6/2003)، وصولاً إلى المفاهيم والتقاليد القبلية والطائفية التي يتهمونها بالتخلف ومعاداة التقدم والحداثة أيضاً. فهل معنى ذلك أننا إزاء حالة من التشتت أو الفوضى (Chaos) في تشخيص ما تشكو منه التجربة الديمقراطية الكويتية؟

في تقديرنا أن هذه الحالة تعكس بدرجة كبيرة من الدقة العلاقة الجدلية -التي تصل إلى حد التأزم في بعض الأحيان، وغير المحسومة في جميع الحالات- بين معطيات المجتمع التقليدي وموروثاته من جهة، ومقتضيات التحديث السياسي وتحدياته من جهة أخرى.

ولتعميق فهمنا لهذه الحالة لابد أولاً أن ندرك خصوصية علاقة المجتمع بالدولة، ومعرفة خلفيات بداية التجربة الديمقراطية الكويتية، ثم ما هي طبيعة العلاقة بين الحكومة والمجلس، وكيف تؤثر الضغوط الخارجية في العملية السياسية بمجملها، وفي الأداء الديمقراطي بوجه خاص.

الدولة والمجتمع: علاقة الجزء بالكل


الكويت دولة نشأت في بدايات القرن الثامن عشر على أساس عقد اجتماعي حقيقي بين أسرة آل الصباح وزعماء القبائل وكبار التجار الذين مثلوا مختلف فئات المجتمع

يجمع مؤرخو التطور السياسي في الكويت على أن الدولة نشأت على أساس عقد اجتماعي حقيقي بين أسرة آل الصباح وزعماء القبائل وكبار التجار الذين مثلوا مختلف فئات المجتمع. وإلى اليوم فإن هذه الواقعة التي ترجع إلى بدايات القرن الثامن عشر لا تزال تنتج آثارها وتضبط ميزان علاقة المجتمع بالدولة على أساس أن الدولة جزء من كل هو المجتمع، وأنها لا تشكل حقيقة مفارقة له، ولا تعلو عليه.

وقد أسهم في ترسيخ هذا النمط من العلاقة أن السلطة الممثلة للدولة والناطقة باسمها هي في واقع الأمر واحدة من مكونات التركيب الاجتماعي القبلي المعروف لدى الكافة، وقد عبر رئيس مجلس الأمة جاسم الخرافي عن هذه الحقيقة بطريقة عفوية عندما قال "نظام الحكم هو أسرة من أسر الكويت" (الطليعة 22/6/2003).

ومع الضعف التاريخي لعوامل الاستقرار الحضري أو المدني، لم تجد السلطة حاجة ملحة إلى بناء أجهزة بيروقراطية أو مؤسسات مركزية محترفة ومنفصلة ومتمايزة عن أعراف وتقاليد التكوين الاجتماعي السائد، وكان الحال -ولا يزال إلى حد كبير- يقوم على أساس تداخل أجزاء هذا التكوين مع مراكز السلطة والإدارة بشكل أفقي لا مركزي. وقد بقيت هذه الأصول الاجتماعية السياسية تؤدي دورها في تنظيم علاقة الدولة بالمجتمع، ولم تتأثر بموجة التحديث التي اجتاحت منطقة الخليج بأسرها مع الطفرة النفطية، وظلت هذه الموجة عبارة عن مجرد" قشرة" سطحية وعجزت عن النفاد إلى صلب البنى الاجتماعية والثقافية الموروثة، بل إن هذه البنى تمكنت من توظيف كثير من إنجازات التحديث وأدواته في تدعيم قوتها وتثبيت دعائم وجودها، وبدلاً من أن تأكلها عمليات التحديث أكلتها هي وهضمتها وتغذت بها. والدليل الأبرز الذي يؤكد ذلك هو أن الكثيرين يرون أن الانتخابات النيابية الدورية -وهي إحدى آليات التحديث السياسي- هي المسؤولة عن تقوية العصبيات القبلية والفئوية والمذهبية، وهذه العصبيات من منظور التحديث تحيل بدورها إلى نزعات تقليدية معاكسة للتقدم.

وبلغ الأمر أن القبائل الكبيرة صارت تحاكي الدولة، فكل قبيلة تجري داخلها انتخابات بطريقة الاقتراع الحر المباشر تسمى شعبياً "انتخابات فرعية" للاتفاق على مرشحيها الذين سوف تدعمهم في الانتخابات العامة, ورغم تجريم هذه الانتخابات الفرعية بداية من انتخابات 1999 كما سنرى، فإن القبائل مستمرة في إجرائها بطريقتها الخاصة.

وفي إطار خصوصية علاقة الدولة بالمجتمع بالمعنى السابق شرحه، جاء التوجه نحو الأخذ بالنظام النيابي الديمقراطي، وأسهمت في ترسيخ هذا التوجه والتمسك به -وإن بدرجات متفاوتة ولأغراض متباينة- كل من السلطة الحاكمة، وطبقة التجار المنفتحين على العالم الخارجي بحكم عملهم ومصالحهم الاقتصادية، إضافة إلى التهديدات العراقية القديمة المتجددة. وقد كانت هذه التهديدات حافزاً للتعجيل باتخاذ خطوات إصلاحية للنظام السياسي لدحض الدعاية العراقية التي ما فتئت تتهم الكويت بأنها ذات حكم أتوقراطي ليس للشعب فيه أي دور.

ومثل هذه الاتهامات كانت تتصاعد في سياق مطالبة العراق بضم الكويت إليها منذ الملك غازي في أواخر الثلاثينيات من القرن العشرين إلى صدام حسين الذي نفذ رغبة الضم بغزو الكويت سنة 1990، وفي كل مرة كان الرد الكويتي يتضمن على الصعيد الداخلي خطوة نحو توسيع المشاركة ومزيد من الحريات العامة فكانت تجربة المجلس النيابي الأول سنة 1938 إبان تهديدات الملك غازي، وتوافق صدور دستور 1962 مع تهديدات عبد الكريم قاسم، وفي هذا الدستور تم النص على أن نظام الحكم ديمقراطي والسيادة فيه للأمة، وأن مجلس الأمة يتألف بطريق الانتخاب العام السري المباشر. وعقب تحرير البلاد من غزو صدام حسين جرت العودة السريعة إلى استئناف الحياة البرلمانية التي كانت متوقفة منذ سنة 1986. وهكذا يمكن القول إن التهديدات الخارجية لعبت دوراً إيجابياً في اتخاذ خطوات ملموسة على طريق الإصلاح السياسي والتطور الديمقراطي في آن واحد. ولم تكن تلك التهديدات تنتج أثراً إيجابياً على هذا النحو دون التداخل الذي أشرنا إليه بين التكوينات الاجتماعية ومراكز السلطة، أو بين فعاليات المجتمع ومؤسسات الدولة، ودعم ذلك عدم تمايز الحيز السياسي عن الحيز الاجتماعي.

الحكومة والمجلس: توتر دائم وحذر متبادل


مجلس الأمة يخشى أن يتهم بأنه ألعوبة بيد الحكومة فيتشدد في ممارسة دوره الرقابي والتشريعي، أما الحكومة فتدرك أن وجود المجلس يعني أن يتحمل معها المسؤولية لكنها تخشى أن تكون ليبرالية أكثر من اللازم فيخرج الأمر من يدها

باستقراء وقائع علاقة الحكومة بمجلس الأمة منذ نشأته في مطلع الستينيات إلى اليوم يتضح أن هذه العلاقة اتسمت في أغلب الفترات بالتوتر الدائم والحذر المتبادل بين الطرفين. وفي المجلس الأخير(1999 - 2003) كان التوتر هو السمة الغالبة لهذه العلاقة، وتجلى ذلك في تعرض الحكومة لكم كبير من طلبات الإحاطة والأسئلة التي طرحها النواب، إضافة إلى ثلاثة استجوابات متتالية كان أكثرها قسوة هو استجواب وزير المالية الذي وصل إلى استقالة الوزير وطرح الثقة في الحكومة، ولكنه لم يفلح في إسقاطها.

وبدلاً من أن تنتظم العلاقة بين السلطتين على أساس التكامل والتعاون والتوازن، شهدت هذه العلاقة لحظات توتر أكثر مما شهدته من لحظات الانسجام. وفي رأي كثير من المراقبين أن العيب لم يكن في استخدام النواب لحقهم القانوني في مساءلة الحكومة ومحاسبتها عبر أدوات الرقابة البرلمانية، ولكنه كان في المبالغة أو التعسف في استخدام هذا الحق، حتى إنه ساد شعور عام بأنه يكفي أن يأتي سؤال -مهما كان تافهاً- من أحد النواب لهذا الوزير أو ذاك حتى يرتعد المسؤول ويبدأ بالتحرك ذات اليمين وذات الشمال سعياً للتخلص بأسرع ما يمكن من الإحراج الذي تسببه الإثارة البرلمانية، ولو على حساب المصلحة العامة، ولو كان الثمن هو تجاوز القانون، فالمهم هو تجنب المساءلة لشخصه.

انعكس هذا التوتر الدائم والحذر المتبادل بشكل واضح على سلوك الحكومة تجاه المجلس، كما انعكس على سلوك كثير من النواب والتكتلات السياسية الموجودة داخل البرلمان تجاه الحكومة. فالمجلس في عمومه يخشى أن يتهم بأنه ألعوبة بيد الحكومة ومن ثم فإنه يتشدد، بل يبالغ في ممارسة دوره الرقابي والتشريعي، ويرى أن إحراج الحكومة خير من اتهامه بأنه تابع لها. أما الحكومة فهي تدرك جيداً أن وجود المجلس النيابي يعني أن هناك من يتحمل معها المسؤولية، وأن مناقشة كثير من القضايا بشكل علني تخفف عن الحكومة الضغط الشعبي، لكنها في الوقت نفسه تخشى أن تكون ليبرالية أكثر من اللازم فيخرج الأمر من يدها، فهي وإن كانت تلقى تأييداً عاماً من مختلف أطياف المجلس على صعيد السياسة الخارجية فإنها ترغب في أن يكون لها الدور الأكبر في حسم المسائل الإستراتيجية على الصعيد الداخلي.


التوتر الدائم بين الحكومة والمجلس تقف خلفه عوامل هيكلية تقبع في البنية المؤسسية للعملية السياسية، وتأتي الأزمات الطارئة وبعض الاعتبارات والمصالح الخاصة إلى جانب قصور في الأداء هنا أو هناك لتكون بمثابة عوامل مساعدة

من أجل ذلك ترى دوائر المعارضة الكويتية بصفة خاصة أن الحكومة هي صاحبة الكفة الراجحة في تحديد شكل التركيبة النيابية للمجلس وفي ضبط أدائه سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. ويذكرون في هذا السياق أن الحكومة زورت انتخابات سنة 1967، وهي التي تغض الطرف عن ظاهرة شراء الأصوات، بل يذهب البعض إلى أنها خصصت صندوقاً لتمويل عملية الشراء حتى تضمن نجاح المرشحين الموالين لها، وتتواتر الأخبار عن ذلك، واشتهر بعض المرشحين بأنهم "نواب الشنطة" المليئة بالمال السياسي، وأن الحكومة بيدها أيضاً حق توزير بعض النواب المنتخبين، فضلاً عن أن لأعضاء الحكومة حق التصويت على مشاريع القوانين والاقتراحات جنباً إلى جنب نواب المجلس، كما أنها قامت في غياب مجلس الأمة بإصدار قانون الانتخابات رقم 99 لسنة 1980 الذي نص على زيادة عدد الدوائر الانتخابية من 10 إلى 25 دائرة بحجة أن يكون التمثيل النسبي للناخبين حقيقياً، ولكن الواقع -كما يقولون- هو أن زيادة عدد الدوائر يضمن تحقيق نتائج أفضل لصالح الحكومة، إذ ظل الخلل في التمثيل النسبي للناخبين قائماً، والدليل هو أن الصوت الواحد في بعض الدوائر يقابله ثلاثة أصوات في بعضها الآخر، في حين أصبح من السهل التأثير في الاختيار الشعبي مع قلة عدد الناخبين في كل دائرة، حتى إن صوتاً واحداً فقط يمكن أن يرجح الكفة لصالح أحد المرشحين، فضلاً عن آثار سلبية أخرى من أهمها أن صغر عدد الناخبين في الدائرة يتيح فرصة كبيرة لدعم النزعات الفئوية والقبلية ويقلل من فرص نجاح العناصر المتميزة.

يتضح من التحليل السابق أن التوتر الدائم بين الحكومة والمجلس تقف خلفه عوامل هيكلية تقبع في البنية المؤسسية للعملية السياسية، وتأتي الأزمات الطارئة وبعض الاعتبارات والمصالح الخاصة إلى جانب قصور في الأداء هنا أو هناك لتكون بمثابة عوامل مساعدة على ظهور التوتر بين السلطتين واستمراره وإعادة إنتاج سلبياته دون توقف، الأمر الذي دفع البعض إلى المناداة بالإصلاح على أساس إيجاد آلية دستورية تحكم علاقة أعضاء الحكومة والمجلس من جهة، وتؤدي إلى تكامل عمل السلطتين باتجاه حل المشاكل بيسر من جهة أخرى،
فضلاً عن ضرورة أن تنتهج الحكومة والمجلس سلوكاً توافقياً بعيداً عن التشنج والحساسية المفرطة، وأن تسمح بمساحة أوسع من الحرية ودور أكبر للقوى الوطنية كي تقوم بتوعية المجتمع بثقافة الاختلاف، حتى تتبلور رؤية شعبية تكون أداة ضغط على مواقف النواب في المجلس وعلى أداء الحكومة في آن واحد.

ديمقراطية القبائل لا الأحزاب


من خصوصيات الحياة السياسية في الكويت قدرة التكوينات القبلية العالية على تنظيم صفوفها والتنسيق بين مرشحيها، ومن ثم تحسم نتيجة الانتخابات قبل أن تبدأ عبر ما يعرف بالانتخابات "الفرعية"
إلى جانب التوتر الدائم بين الحكومة والمجلس يعتبر غياب الأحزاب السياسية المعترف بها قانونياً من أبرز خصوصيات -وليس بالضرورة مزايا- التجربة الديمقراطية الكويتية. فبالرغم من أن الدستور لم يجز تكوين أحزاب سياسية فإنه لم يمنع تكوينها صراحة أيضاً. وفي ظل هذه الحالة لم تتشكل أحزاب سياسية، وظل الوضع هكذا منذ بدء الحياة الدستورية النيابية في سنة 1963 إلى اليوم. ولا يحبذ الكويتيون في عمومهم فكرة إقامة أحزاب أو الانتماء الحزبي وإن كان البعض منهم يرى أن الأحزاب موجودة واقعياً وإن لم تكن مشهرة رسمياً بموجب القانون. وإذا كان هذا اللاحسم الدستوري أو القانوني في المسألة الحزبية لم يمنع الممارسة الديمقراطية أن تأخذ مجراها، فإنه ترك بصمات واضحة على هذه الممارسة، وتجلى ذلك في أمرين أساسيين هما:

  • أن المعارضة السياسية اتجهت إلى جمعيات النفع العام المهنية والثقافية والدينية حيث وجدت فيها متنفساً لها واتخذت منها في بعض الحالات واجهات اجتماعية لممارسة النشاط السياسي وبخاصة في الفترات السابقة إبان السبعينيات والثمانينيات.
  • مرونة خريطة القوى السياسية وعدم وضوح القوى التي تشكلها، إذ يمتد التصنيف السياسي على مساحة واسعة جداً تضم القوميين واليساريين والليبراليين والإسلاميين (السلفية/ الإخوان/ الشيعة) والقبليين والمستقلين والحكوميين.

ويميل المواطن الكويتي عادة إلى واحد من مكونات هذا الطيف دون أن يعني ذلك أن لديه أي نوع من الالتزام السياسي الذي تعرفه الأحزاب الرسمية في البلدان الأخرى، وغالباً ما يعطي صوته لمن يتوسم فيه القدرة على قضاء مصالحه والوقوف بجانبه وقت الحاجة، وقد يعطي صوته هكذا على سبيل "الفزعة" لنصرة الصاحب أو ابن القبيلة.

وفي هذا السياق الخالي من الأحزاب الرسمية فإن التجمعات السياسية التي تنتهج الحداثة الليبرالية تحاول التنسيق بين مرشحيها الذين يخوضون المعركة الانتخابية على أساس برامج نابعة من رؤى وأفكار التجمع أو التيار الذي ينتمي إليه المرشح، وأحياناً تعجز تلك التجمعات عن تحقيق مثل هذا التنسيق مثلما حدث للتجمع الديمقراطي في انتخابات 1992، والمفارقة الملفتة للنظر هنا هي أن تلك التجمعات السياسية ذات الطابع الحديث باتت تلهث خلف التكوينات القبلية التقليدية طمعاً في اللحاق بها على درب الانضباط والالتزام التنظيمي! وهنا تبرز خاصية فريدة للممارسة الديمقراطية الكويتية وهي قدرة التكوينات القبلية العالية على تنظيم صفوفها والتنسيق بين المرشحين من أبنائها وتتفق على اسم مرشحها الذي سيخوض الانتخابات العامة قبل موعدها بوقت كاف، ومن ثم تحسم نتيجة هذه الانتخابات -إلى حد كبير- قبل أن تبدأ، وذلك عبر ما يعرف بالانتخابات "الأولية" أو "الفرعية". وكانت تجرى بشكل قانوني منذ سنة 1975 إلى أن جرمها القانون ابتداءً من انتخابات 1999.

والملفت للانتباه هنا أن قواعد الانتخابات الفرعية هي نفسها قواعد الانتخابات النيابية العامة تقريباً، الأمر الذي يؤكد ما أسلفناه من أن التكوينات القبلية التقليدية لديها القدرة على استيعاب معطيات الحداثة السياسية وتوظيفها لتكريس الامتثالية لنموذجها القيمي الموروث، وليس بالضرورة بما يتوافق مع منطق تلك الحداثة السياسية.


التكوينات القبلية لديها القدرة على استيعاب معطيات الحداثة السياسية وتوظيفها لتكريس الامتثالية لنموذجها القيمي الموروث، وليس بالضرورة بما يتوافق مع منطق تلك الحداثة السياسية
وتحظى الانتخابات الفرعية بقدر كبير من الجدل السياسي والاجتماعي والفكري، والآراء بشأنها منقسمة، فهناك مؤيدون لها يرون أنها بديل جيد يقوم بتوجيه العملية السياسية في ظل غياب الأحزاب، وأنها أداة فعالة لتوصيل مفاهيم الديمقراطية للتجمعات القبلية، كما أنها تقلل عدد المرشحين وتيسر الاختيار من بينهم وتحافظ على الأصوات من التفتت. وهناك رافضون يرون أن الانتخابات الفرعية تعزز النعرة القبلية وتعمق الانقسامات الأفقية والرأسية في المجتمع، فضلاً عن عدم دستوريتها طبقاً للمادة 80 التي قضت بأن تكون الانتخابات سرية ومباشرة وذات مرحلة واحدة، في حين تضيف الانتخابات الفرعية مرحلة أولى تسبق الانتخابات العامة وتؤثر في نتائجها قبل أن تبدأ كما أسلفنا.

ورغم التجريم القانوني للانتخابات الفرعية كما ذكرنا فإن القبائل تجريها بشكل غير معلن تجنباً للمساءلة كما حدث في انتخابات 1999، بل إن التجريم دفع بعض القبائل للتفنن في كيفية توظيف بعض التقنيات العلمية والمعلوماتية المتطورة من أجل التحايل على القانون، ومن ذلك أن إحدى القبائل ذات العدد الكبير وتفادياً لتجمع عدد كبير يلفت نظر السلطات، قامت بإجراء انتخاباتها الفرعية سنة 1999 بأسلوب "العينة العشوائية (Random Sample) اعتماداً على برنامج معلوماتي مصمم على الحاسوب يحتوي على كافة البيانات المتعلقة بالناخبين.

قبيلة أخرى وجدت في قانون المبرات الخيرية مخرجاً من المأزق، فأسست مبرة خيرية وطلبت إجراء استفتاء لاختيار أعضاء مجلس إدارتها الذين هم مرشحو انتخاباتها الفرعية، وبذلك تمكنت من إجرائها تحت غطاء قانوني مستعار، مرة في الانتخابات البلدية ومرة في انتخابات مجلس الأمة الحالية 2000.

ويوضح هذان النموذجان أن بعض أدوات الحداثة -السياسية والعلمية والمعلوماتية أيضاً- أمكن توظيفها لإحياء وتجذير ممارسات عريقة في تقليديتها، وأسهمت في تكريس قوة القبيلة ليس كوحدة أساسية في البناء الاجتماعي فقط وإنما كوحدة سياسية أيضاً، وهي على أي حال تعطي نكهة خاصة تميز الديمقراطية في الكويت عنها في البلدان الأخرى.

الضغوط الخارجية ومستقبل التحديث الديمقراطي

إضافة إلى التحديات الداخلية التي تواجه عملية التحديث السياسي في الكويت كما ذكرنا، هناك ضغوط خارجية تعكس بدورها جملة من التحديات في هذا السياق، ولكنها تعمل في اتجاهات متعارضة. فبعضها يدفع نحو مزيد من التحديث وتوسيع نطاق المشاركة السياسية بإقرار حق المرأة في الترشيح والتصويت في الانتخابات مثلاً، وبعضها الآخر يرغب في تجميد هذا الحق ولو إلى حين، وهذا التعارض يجد صداه بقوة على المستوى الداخلي ما بين مؤيدين لحق المرأة وعلى رأسهم السلطة الحاكمة ومعارضين أو متحفظين على هذا الحق وعلى رأسهم القوى القبلية وبعض أجنحة التيار الإسلامي.


التهديدات الخارجية للبلاد لعبت دوراً إيجابياً في اتخاذ خطوات ملموسة على طريق الإصلاح السياسي والتطور الديمقراطي في آن واحد
وعموماً فإن انتخابات المجلس التي ستجرى يوم الخامس من يوليو/ تموز هي الأولى التي تأتي بعد زوال الهم العراقي الذي ظل يؤرق الكويتيين لعقود طويلة خلت، وإن كان هذا الخطر قد لعب دوراً إيجابياً بشكل غير مباشر في التطور الديمقراطي في الكويت كما سبق أن بينا. بيد أن آثار هذا الهم الزائل ستظل مخيمة على الحس العام لفترات أخرى قادمة بالنظر إلى استمرار بعض القضايا المعلقة مثل قضية الأسرى والمفقودين الكويتيين، والتعويضات المستحقة على العراق، وطبيعة الجار العراقي الجديد واعترافه بحدود الكويت واعتذاره عما فعل سلفه.. إلخ.

وباستثناء ما ذكرناه، وبخلاف دول أخرى في المنطقة، نلاحظ أن الكويت لا تعاني من وطأة ضغوط خارجية قوية بشأن الحريات والمسألة الديمقراطية، فلديها بهذا الخصوص تجربة ثرية وآخذة في التطور الإيجابي مقارنة بجيرانها. ويؤكد ذلك الغياب شبه التام للقضايا الخارجية من برامج وشعارات المرشحين للانتخابات الحالية، ولا يكاد يظهر لها صدى إلا بشكل ثانوي في سياق حديث البعض منهم عن ضرورة إعادة النظر في سياسة المساعدات التي يقدمها "الصندوق الكويتي للتنمية العربية" والمناداة بحجب هذه المساعدات عن الدول التي أخذت موقفاً رافضاً للحرب الأميركية على العراق، ويذكرون سوريا ولبنان على وجه التحديد.

بينما يرى البعض الآخر -ومنهم رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الأمة- أنه يجب التفريق بين الأنظمة والشعوب، مع عدم ربط المعونات الكويتية إذا ما وقفت بعض الأنظمة العربية مواقف مغايرة للموقف الكويتي، وذلك انطلاقاً من حقيقة ثابتة وهي أن "الكويت بلد عربي في بحر عربي" على حد تعبير جاسم القطامي أحد رموز التيار القومي في الكويت ورئيس المنظمة العربية والمنظمة الكويتية لحقوق الإنسان.

وإذا كانت الكويت لا تواجه ضغوطا بشأن الحريات العامة والديمقراطية كما أسلفنا فإنها تواجه ضغوطا من نوع آخر آتية من النظام العالمي المسيطر وفرضتها المتغيرات الإقليمية وبخاصة بعد زوال نظام صدام حسين، ويتعين على مختلف الأطراف السياسية الكويتية أن تحدد موقفها منها بوضوح وفي مقدمتها مستقبل العلاقة مع العراق الجديد، والموقف من تطورات القضية الفلسطينية، وقضية التطبيع مع إسرائيل، والعلاقات الإستراتيجية مع القوى الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية.

وبصدد احتمالات تطور الخطاب السياسي الكويتي تجاه تلك القضايا الخارجية بعد الانتخابات وتشكيل مجلس جديد وحكومة جديدة، ثمة عدة سيناريوهات متوقعة تتمثل في الآتي:

  1. الاتجاه نحو إعادة التركيز على القضية الفلسطينية لأنها تقع في قلب أي خطاب عربي إسلامي يهدف لتوسيع قواعده الجماهيرية، ومن ثم يحافظ على شرعيته ويبرهن على الوفاء لمبادئه والتزامه بمسؤولياته تجاه القضية الأولى للعرب والمسلمين.
  2. الارتباط أكثر فأكثر بأهداف النظام العالمي المسيطر بما يتضمنه ذلك من مخاطر الانجراف في تيار السياسة الأميركية والتورط في معاداة أعدائها دون أن يكون للكويت في ذلك ناقة ولا جمل. وسيقود اقترابها من هذا الاحتمال إلى إبعادها عن "بحرها العربي" في مستواه الشعبي الجماهيري على الأقل.
  3. العزلة والانكفاء على الذات والانشغال بالهموم والقضايا الداخلية، وخاصة مع زيادة شعور النخب الفكرية والسياسية بأن الأولوية يجب أن تعطى لإصلاح الداخل وتدارك ما فات لتعود الكويت "جوهرة الخليج" مثلما كانت في السابق.
  4. المزج بين هموم الداخل وتحديات الخارج ومحاولة كسب مزايا كل منهما وتجنب سلبياتهما في الوقت نفسه.

ولا شك في أن لكل من السيناريوهات الأربعة مبررات وفوائد إلى جانبها سلبيات ومخاطر، وأن السير في أي منها سيلقي بنتائج مباشرة وغير مباشرة على مسيرة التطور الديمقراطي في الكويت. ويبقي التحدي ماثلاً أمام القوى السياسية والتيارات الفكرية في قدرتها على اختيار البديل الأفضل حتى وإن كان هو الأصعب من منظور الالتزام الوطني والقومي والإسلامي، وعندما تنجح في هذا الاختيار ساعتها يمكن القول إن الديمقراطية الكويتية حاكمة بذاتها وليست محكومة بغيرها.
_____________
كاتب ومحلل سياسي مقيم في الكويت