تمر فلسطين بمرحلة حرجة وتكاد تكون وحيدة في مواجهة الصلف الإسرائيلي والضغط الدولي، فالأداء العربي السياسي أسير تداعيات أحداث سبتمبر/أيلول، ومترقب لنتائج التصعيد الأميركي إزاء العراق ومتخوف مما سيؤول إليه هذا التصعيد وانعكاساته على المنطقة.

فأقصى ما استطاع العرب أن يقدموه للقضية الفلسطينية على الصعيد السياسي في الظروف الحالية هو ما عرف بالمبادرة العربية التي أعلنت في قمة بيروت العربية، ثم دخلت القضية الفلسطينية في قاموس الاعتياد العربي، واستطاع النظام الرسمي التعايش مع هذا الجرح النازف.

أما الشارع العربي -كما بدا في استفتاءات الجزيرة- فهو منحاز تماماً للمقاومة والصمود، وهب مراراً وتكراراً، ولكنه تفاجأ أن لا ثقل له إلا على الأرض التي يعيش على ظهرها، وأنه والأنظمة -بعيدا عن التفاصيل- في قفص واحد، فلا الأنظمة بادرت إلى الفعل ولا هو استطاع حملها على الفعل. ورغم هذا فلا يمكن أن نغفل التظاهرات الشعبية والتبرعات التي ميزت الانتفاضة في عامها الثاني وشكلت قضية للنقاش، وهو ما نظر إليه البعض بتفاؤل وبشر بأن الشارع العربي في طريق الانتعاش. غير أن المؤكد هو تراجع الأداء العربي تجاه أحداث فلسطين.

وأيضاً تكرر الإبعاد هذا العام لبعض الفلسطينيين مذكراً بما حصل في الانتفاضة الأولى مع اختلاف في النتائج، ففي الانتفاضة الأولى أبعدت إسرائيل مجموعة من الفلسطينيين إلى مرج الزهور ثم اضطرت لإعادتهم، أما ما حصل مع الحالة التي نحن بصددها فهو أن بعض الفلسطينيين (المحاصرين في كنيسة المهد) أبعدوا من أرضهم نتيجة لاتفاق مع السلطة وبإسهام ورعاية دولية. كما أن أحمد سعادات قد وضع في سجن أريحا تحت حراسة دولية، فالإبعاد للمحاصرين والسجن لسعادات جاء نتيجة لحصار الشعب الفلسطيني وسلطته ورئيس السلطة، مما أعطي مؤشراً إيجابياً على نجاعة سياسة الحصار، كما أن الرعاية الدولية أضفت الشرعية عليه.

وعلى صعيد المجازر فإن الدم الفلسطيني قد رخص بعد التجاهل الدولي لحق الشعب الفلسطيني في المقاومة والدفاع عن نفسه وأرضه، فكل يوم يهدر الدم الفلسطيني بسبب وبغير سبب، ومجزرة جنين لم تستحق من المجتمع الدولي إلا تقريراً من الأمم المتحدة أو بالأحرى من أمينها العام كوفي أنان.

وفي الوقت الذي أصبحت فيه كل الأهداف التي يختارها الفلسطينيون و كل الوسائل التي يستعينون بها في مقاومتهم عرضة للنقاش والمسائلة الدولية، فإن إسرائيل حرة طليقة في استعمال كل الوسائل المتاحة ولو كانت طائرات ودبابات، وحرة في اختيار أهدافها ولو كانت أحياء سكنية، ولو كان الضحايا أطفالاً كما حصل في حي الدرج في غزة حيث اغتيل صلاح شحادة بقصف جوي راح ضحيته العديد من الضحايا أكثرهم من الأطفال.

والمقاومة الفلسطينية قدمت الكثير من التضحيات وانخرطت فيها كل الفصائل ابتداء من حركة السلطة "فتح" ووليدها المثير للجدل كتائب شهداء الأقصى، مروراً باليسار كالجبهة الشعبية وانتهاء بالإسلاميين حماس والجهاد، وسجلت العديد من النقاط لصالحها، وأدخلت الرعب في نفوس الإسرائيليين وأثبتت أن الأمن في التصعيد العسكري أمر مستحيل.

ولكنها في الوقت نفسه منيت بخسائر فادحة في صفوفها وفي صفوف المدنيين نتيجة لسياسة الاغتيالات التي اتبعها شارون، ووحدت الشعب الإسرائيلي خلفه في بعض الأحيان، وزادت من بطش الآلة العسكرية الإسرائيلية في مواجهة شاملة ومفتوحة في ظل انكشاف سياسي فلسطيني وعربي.

وعلى كل فإن كانت انعكاسات المقاومة على إسرائيل قابلة للجدل في الوسط الفلسطيني والعربي فإن انعدام وجود خيارات أمام الفلسطينيين في ظل حكومة شارون أمر غير قابل للجدل.

وكذلك فإن الأوضاع الداخلية الفلسطينية أربكت حركة المقاومة ووضعتها في خنادق متفرقة، فالخلافات الأيدولوجية والمنهجية حرمتها من مشروع وطني موحد، والخلافات السياسية واختلاف الأولويات حتى في البيت الواحد أضعفت بنيانها، فالخلافات بين أعضاء السلطة تفاقمت والتغييرات التي شملت بعض أركان السلطة مثل جبريل الرجوب ومحمد دحلان أضعفت من كيانها، والاتجاهات في داخل منظمة التحرير أصبحت كأنها أجنة في طور النمو يغذيها شعار الإصلاح والتغيير ويعجل في ولادتها الضغط الخارجي وبخاصة من الطرف الأميركي.

فالولايات المتحدة كما يقول بعض المحللين بصدد مشروع متكامل لمنطقة الشرق الأوسط، وما يحدث في فلسطين هو من قبيل إدارة الصراع بلغة شارون -الذي يؤمن بسياسات القوة العارية كما يقول عزمي بشارة في حوار مع الجزيرة نت، ولا يوجد فروق أساسية بين الموقف الأميركي والموقف الإسرائيلي في هذه الآونة، وعلى فلسطين أن تنتظر اكتمال صورة الشرق الأوسط الجديد التي بدأت في أفغانستان وستبدأ النهاية في العراق، والمؤكد في هذا التحليل أن لا وجود لعرفات في هذا العالم الجديد، أو هذا ما تطمح إليه الولايات المتحدة بدأب على الأقل.

ولم تفارق الانتفاضة عامها الثاني إلا وحملت معها عشرات القضايا للعام الجديد، فما زال الاحتلال قائماً وبنفس الشروط التي أرستها حكومة شارون، وما زالت المستوطنات تقضم الأرض وتحاصر القرى والمدن الفلسطينية، وما زال العشرات أو المئات في زنازين ومعسكرات الاعتقال الإسرائيلية وعلى رأسهم عضو المجلس التشريعي مروان البرغوثي الذي لم يحم حصانته اتفاق أوسلو. وكذلك فإن التغييرات في السلطة وأجهزتها لم تكتمل، وما زالت غزة في دائرة التهديد الإسرائيلي بما يهدد بمجازر أكثر عنفاً وأشد وطأة.

ففي هذه المرحلة تقف كل الفصائل الفلسطينية أمام مفترق صعب يتطلب خطوات استثنائية سواء على المستوى السياسي أو الميداني. وربما يصح أن نقول إنه ليس المطلوب من الشيخ أحمد ياسين أو عبد العزيز الرنتيسي أن يقدما اقتراحات على السلطة باسم حماس فحسب، فإن المسألة تحتاج لأداء سياسي أكثر تعقيداً تحرم فيه إسرائيل من استثمار الثغرات السهلة للإيقاع بين السلطة وحماس، ويعطى فيه الشعب الفلسطيني هدفاً مرحلياً يحفظ به تضحياته.

ولا يكفي من السلطة أن تبسط الحل وتجهد نفسها لتقنع الفصائل الأخرى بإيقاف العمليات الفدائية وأن تقوم باستنكار استهداف المدنين الإسرائيليين فحسب في الوقت الذي أصبح فيه المدنيون الفلسطينيون كالطرائد عرضة للاستهداف اليومي ولا معادلة تحميهم، خاصة وأن المعادلة التي يعلنها شارون ويسير وفقها هي "نكون أو لا نكون"، وترجمة ذلك سياسياً أن وجود إسرائيل مرهون بعدم وجود أي كيان اسمه فلسطين، وميدانياً لا مقاومة فلسطينية البتة ولو تطلب الأمر اغتيال الشعب الفلسطيني بأكمله.