موفد الجزيرة نت-بيروت

أم نصر نسيت إسمها ولم تتذكره ولكنها لا زالت تذكر فلسطين
سألناها عن اسمها ما استطاعت الإجابة ودخلت في سكون محاولة التذكر ولكن ما أن حدثناها عن فلسطين حتى استفاقت، ففلسطين لا تزال في الذاكرة المثقلة بالنار والدم، كيف تنساها وقد خسرت ولديها في حروب لبنان الكبيرة والصغيرة، إنها أم نصر لاجئة فلسطينية في مخيم البرج الشمالي في جنوب لبنان.

مدخل المخيم
مجرد مفترق تزينه بضع أشجار يخرجنا من لبنان الجنوبي إلى لبنان آخر.. مدخل المخيم.. صورة للرئيس عرفات مقابلها أخرى لجهاد الوزير.. وما إن تلج المخيم حتى ترى مشهدا آخر .. تنساب الأزقة والمجاري انسيابا واحدا، فالمجاري مكشوفة يسير المارة بمحاذاتها ويلعب الأطفال على جنباتها، وهي محط فضولهم ومكان لهوهم، فضلا عما تسببه من انتشار للذباب والحشرات. كل هذا لا يشكل علامة فارقة في هذا العالم الذي تكالب عليه الزمان والمكان، زمان خسران البيت والمأوى، ومكان التشرد واللجوء.

تتجاور في مخيم البرج الشمالي بيوت الأسمنت ومساكن الصفيح، وتتزاحم على المكان لتخنق الطرقات وتحولها إلى ممرات ضيقة، ومن كل بيت أو مسكن يصدر صوت مختلف، قرقعة صحون، صياح والد يؤنب ولده، بكاء طفل... بعض سكان المخيم يرابطون أمام مداخل مساكنهم يرتشفون القهوة وقد يتحدثون بصوت عال أو يضحكون بملء أفواههم وكأنهم يتعمدون إفساد الصورة المأساوية التي تنبئ بها جنبات المخيم.

مخيم التلاسيميا
مرض التلاسيميا قديم في المخيم ويعود إلى حيث كانوا يسكنون في فلسطين، وتحديدا سهل حولا حيث يعاني أبناء القرى هذه من نسبة عالية لانتشار المرض بينهم، ويتحدث البعض منهم تكهنا عن ظروف بيئية أدت لهذا، في ما يؤكد الأطباء أن هذا المرض وراثي فحسب، وأن الظروف الصعبة في المخيمات تعرقل العلاج وتزيد من المعاناة.

فمخيم البرج الشمالي يشتهر باحتضانه لمرض التلاسيميا وبأعداد ملفتة، حتى إنه يشمل العائلة بأكملها أحيانا، كما هو الأمر مع عائلة عدنان طه دحويش، حيث يعاني أبناؤه الثلاثة من مرض التلاسيميا، ويعيش البيت دائما في حالة طوارئ خاضعا لكلفة المرض المادية والاجتماعية.

مروة دحويش جمعت بين براءة الطفولة ومرض التلاسيميا
وعند التقاطنا الصور للأطفال الثلاثة أطلت طفلة صغيرة بابتسامة من سطح منزل مجاور، إنها ابنة عمهم وتدعى مروة، والمفاجأة أنها مصابة بالمرض نفسه، وعجبنا أثار عجب مرافقنا لأن مخيم البرج الشمالي يشتهر بمرض التلاسيميا وبعض المهتمين يطلق على المخيم اسم مخيم التلاسيميا.

والجولة التي مررنا بها على الحالات التي تعاني من مرض التلاسيميا والظروف التي يعيشها هؤلاء المرضى تبعث على اليأس وتثير الغضب من الإهمال الذي يعانيه المرضى وأهاليهم، والقاسم المشترك بينهم التذمر من التكلفة الباهظة للمرض والشكوى من تقليص الأونروا لخدماتها ولا سيما الطبية منها، وتقول نجاح محمد وهي إحدى ضحايا المرض "قبل الحرب كانت الأنروا تغطي هذه الحالات، ولكنها الآن لا تغطيها، وتسهم في تغطية نصف تكاليف الصور والفحوص في حال حولت المريض إلى مستشفى، وفحوص التلاسيميا تكلف كثيرا". ولسوء الحظ فإن الأنروا لا تولي مرضى التلاسيميا عناية خاصة، فتقديماتها لهؤلاء المرضى تستقى من ميزانية الطوارئ، لهذا عندما ينتهي أكتوبر/تشرين الأول تتوقف الأنروا عما تقدمه للمرضى.

سوسن رحييل أم لولد وفتاة مصابين بالتلاسيميا
أما الأدوية والعلاجات الأخرى فعلى حساب المريض، تقول السيدة سوسن رحييل التي يعاني ابنها وابنتها من التلاسيميا "العلاج على حسابي وليس على حساب الأونروا، فالحقن اليومية التي تستعمل لزيادة نسبة الحديد تكلفني للولدين أكثر من 630 ليرة شهريا، ويجب أن تؤخذ في المستشفى وإلا فإن الماكينة التي تعطى من خلالها تكلف 1500 دولار، فأضطر لأن أعطيهم كل حقنتين أو ثلاث دفعة واحدة في المستشفى، لأني أعاني في كل مرة وأنا أحاول الحصول على تحويل من عيادة الأونروا إلى المستشفى". والجدير بالذكر أن الأونروا تدفع أجرة السرير ولا تغطي تكاليف العلاج، والسيدة رحييل تقول إنها تكلفت على علاج يوم واحد 300 ألف ليرة (200 دولار) في إحدى المرات، والمشكلة الكبرى أن الأونروا تغطي تكاليف السرير لمدة يومين فقط وقد تمدده ليوم ثالث ونادرا ما يضاف يوم رابع، وبعد ذلك على المريض أن يتحمل نفقاته بنفسه أو أن يخرج من المستشفى ليعود مرة أخرى بإجراءات جديدة، وتستغرق هذه العملية وقتا طويلا قد تنتهي بدخوله المستشفى مرة أخرى وقد لا يكون له ذلك، خاصة إذا كانت الأموال المخصصة قد نفذت.

ويحتاج أولاد السيدة رحييل لعملية استئصال للطحال -وتضخم الطحال هو من آثار التلاسيميا- وتقول عن ذلك "منذ شهرين أتردد على مركز الأونروا -وأنا عندي قرحة في المعدة وآخذ دواء للأعصاب- أريد العناية بصحة أولادي بنفسي ولا أريد لزوجي أن يتعطل عن العمل، والأونروا أعطتني تحويلا ليومين إلى المستشفى، وهي لا تكفي لعملية استئصال الطحال".

وترك موفد الجزيرة السيدة رحييل وهي تحاول الحصول على تحويل جديد من الأونروا بعدد أيام تكفي لإجراء عملية استئصال الطحال لولديها، وبالطبع هي ستدفع أجرة الطبيب الجراح برغم أن زوجها عامل يومي بأجرة تنقص عن ثماني دولارات قليلا.

الجنسية

فادي دخلوخ: لم يقبل كل الفلسطينيين الجنسية اللبنانية
ويعرف عن هذا المخيم أنه يضم العدد الأكبر من الذين منحتهم الدولة اللبنانية الجنسية، لأنها تعتبر أن أهالي قرى سهل حولا لا زالوا بالخيار إذا ما اختاروا الجنسية اللبنانية، باعتبار أن منطقتهم قسمت قبل الاستقلال بين الانتدابين البريطاني(على فلسطين) والفرنسي (في لبنان)، وأعطوا الخيار يومها للالتحاق بأي من البلدين فلسطين أو لبنان، وجددت الحكومة اللبنانية هذا الخيار بعد اتفاق الطائف.

ولم يقبل كل الفلسطينيين الجنسية اللبنانية ولأسباب عديدة ولعل أبرزها المشكلة المادية، يقول فادي دخلوخ وهو شاب ولد ونشأ في لبنان "لم أتقدم أنا وعائلتي لطلب الجنسية لأسباب مادية، ولسبب ثان هو لقناعتي برفض التوطين، فإذا كانت الجنسية بهدف التوطين فأنا لا أريده".

وأحيانا يبدو الحديث عن الجنسية مع أهالي المخيم ضربا من الترف لا يفكرون به، وتعكس هذا سلوى علي محمود التي قالت عن الجنسية بغير مبالاة "ليس معنا مال لنقدم لها، وأنا لا أحب أن أكون لبنانية" وكأنها تريد أن تريحنا من كثرة السؤال. فسلوى تعيش ظروفا صعبة بالكاد تجد فيها قوت يومها، فهي تعيش مع والدين عجوزين يعملان رغم كبر سنهما في المزارع، وتمشي مستعينة بالعكازات، فقد أورثها الروماتيزم المزمن إعاقة في رجليها، وتعاني من مرض التلاسيميا الذي يستنزف قدرات العائلة المادية، وأصبحت ضيفة -كلما سنحت الفرصة- على مستشفيين مجاورين، ومع حالها هذه، وأمثالها كثر، يصبح الحديث عن الجنسية بلا معنى.

والحقيقة أن السبب المادي كان عائقا حقيقيا حال بين الجنسية والعديد من العائلات، فالشخص الواحد تكلفه الجنسية 300 ألف ليرة أي 200 دولار تقريبا، والعائلة بهذا قد تتكلف ما يزيد عن ألف دولار، وهذا مبلغ كبير جدا على فلسطينيي لبنان محدودي الدخل الممنوعين من سوق العمل اللبناني، في الوقت الذي أنهكتهم فيه تكاليف المرض والتشرد.

ألم وأمل

محمد رشيد المشرف على فريق الإخاء
ليست المعاناة هي الصورة الوحيدة التي شاهدتها الجزيرة نت، فالإنسان الفلسطيني يحفر في ألمه عميقا ليصنع أملا مشرقا لأبنائه، فسكان المخيم برغم ما لديهم من شكوى وسرد لمعاناتهم فإنهم يظهرون التزاما عميقا باحترام الحياة وحب الفرح.

فالمعاناة اليومية لم تمنع السكان من الاستفادة من مساحة واسعة تقع على طرف المخيم وأن يجعلوها ملعبا لكرة القدم، بل إن اللجنة الشعبية للمخيم نفسها تشرف على فريق المخيم ويسمى "الإخاء"، ويتولى الإشراف المباشر على الفريق عضو اللجنة الشعبية محمد رشيد، ويرى رشيد في الفريق أملا في أن يرفع ذكر المخيم في المخيمات الأخرى بل وفي مناطق الجنوب اللبناني، ويؤكد أن سمعة الفريق شاعت وأن بعض أفراده قد حازوا بمهارتهم على الشهرة حتى إن بعض اللاعبين تفكر بعض الفرق اللبنانية بضمهم إلى صفوفها، فهؤلاء الشباب استطاعوا تجاوز ظروفهم الصعبة ودخلوا -كما يقول رشيد- في مباريات كثيرة مع فرق فلسطينية في المخيمات الأخرى، ومع فرق لبنانية في القرى والمدن الجنوبية المجاورة.

والمخيم كذلك يحتضن ناديا ثقافيا واجتماعيا ورياضيا أطلق عليه اسم "مجمع الكرامة"، ويضم روضة أطفال ومكتبة وصالة كمال أجسام إضافة إلى "كافي نت". وفي ما خص الأخير فإن النادي يوفر خدمة النت من خلال الستلايت، لأن الدولة اللبنانية لا تسمح بإدخال التلفون السلكي إلى المخيم.

أبو رامي أمين سر نادي الكرامة
ويشرف على النادي أمينه للسر السيد أبو رامي، ويقول إن مركزهم يزود عدة مقاه في المخيم بخدمة النت، كما أنهم يزودون المركز الصحفي في الرشيدية بهذه الخدمة، ويقيمون دورات طبية وزراعية وحرفية وتعليمية على مدار العام، ويقول إن التمويل الأساسي للنادي توفره منظمة التحرير الفلسطينية، وأحيانا يتلقى النادي بعض الإعانات من منظمات دولية أو جمعيات إنسانية خارج لبنان.

ويجمع المخيم مواهب عدة وينطوي على طموحات جارفة، ففيه من يغني في الحفلات ومن يطمح لأن يكون جراحا أو مهندسا أو فنانا، فما هم عليه لم يمنعهم من العمل الجاد ليلا نهارا لتحقيق الذات، ويقول أحد سكان المخيم معرفا بنفسه، "اسمي غسان مزيد موسى أعمل نهارا في الفلاحة وقطف الليمون في البساتين اللبنانية المجاورة، وفي الليل أقدم مسرحيات في فرقة "المرساة"، وكانت الفرقة مستقلة ولكنها الآن تتبع لمنظمة التحرير الفلسطينية".

نصب ومأوى
ومن الأمور التي يتميز بها مخيم البرج الشمالي وجود نصبين تذكاريين على أرضه، حيث قصف الطيران الإسرائيلي إبان اجتياح لبنان أحد ملاجئ المخيم مما أودى بحياة 100 شخص، كما قتل 15 آخرون في مبنى آخر، وأقام السكان في مكان المجزرتين نصبين تذكاريين يحملان أسماء الشهداء، وبرغم أن النصبين احتلا مساحة صغيرة من الأرض فهي تضحية كبيرة من السكان في ظل ضيق مساحة المخيم، والمرء يتساءل أحيانا، إذا ضيقت الدولة اللبنانية الخناق على المخيم واستمر على المساحة التي هو عليها، في الوقت الذي يتزايد فيه السكان، هل هناك أمل أن تبقى أنصاب الشهداء منتصبة؟ أم أنها ستهوي لأن إيواء الأحياء أولى من ذكرى الأموات؟
______________
* مرض وراثي ينتقل من الأبوين ويسمى ثلاسيميا أو فقر "دم البحر الأبيض المتوسط" وتكمن مشكلة المرض في عدم قدرة الجسم من تكوين كريات الدم الحمراء - التي تنقل الغذاء والأكسجين إلى مختلف أنحاء الجسم – بشكل سليم نتيجة لخلل في تكوين الهيموجلوبين( خضاب الدم)، لذ فان المريض يحتاج إلى نقل دم بشكل دوري كل 3-4 أسابيع حسب عمره ودرجه نقص الهيموجلوبين..(أنيميا البحر المتوسط)