* عبد الرحمن عبد العال

في تصريح له دلالته لمهندس عملية الإصلاح الاقتصادي مانموهان سينغ وزير المالية الأسبق في حكومة ناراسيما راو (1991-1996)، يقول فيه "لو أنك في عام 1960 سألت أي شخص في العالم عن الدولة التي يتوقع أن تكون على قمة رابطة دول العالم الثالث في عام 1996 أو 1997، فإن الهند كانت ستوضع في مقدمة هذه التوقعات".

وتسعى هذه الدراسة لمناقشة قضية التطور الاقتصادي في الهند، من خلال النقاط التالية:

- فلسفة التنمية الاقتصادية في الهند
- تطور أداء الاقتصاد الهندي
- آفاق النمو في الاقتصاد الهندي

فلسفة التنمية الاقتصادية في الهند

استندت هذه الفلسفة التي صاغها نهرو عشية حصول الهند على استقلالها إلى ركيزتين متكاملتين، وهما: التخطيط، وتكامل جهود القطاعين العام والخاص في التنمية. ومن المعلوم أن هذا النمط التنموي الموجه كان يحظى في حينه بتوافق عام داخل الأوساط السياسية والاقتصادية الهندية، استنادا إلى أن الدولة وحدها في ذلك الوقت هي التي كانت تمتلك القدرة على تعبئة الموارد الضرورية لإرساء الأساس اللازم لعملية التحديث والتصنيع.

ويرى كثير من الخبراء الهنود والأوروبيين أن هذا النمط التنموي الموجه ظل يعمل بكفاءة طيلة فترة حكم نهرو، حيث نجح في خلق قاعدة صناعية واسعة ومتنوعة، فضلا عن تحقيق قدر كبير من الحرية للاقتصاد الهندي في مواجهة التبعية الخارجية. ويذهب البعض إلى أن الفضل في ذلك يرجع إلى ما كانت تتمتع به النخبة الهندية في ذلك الوقت من رؤية للتحديث، مما ساعدها على التوظيف الأمثل لموارد الدولة المتاحة واستثمارها في القطاع العام الصناعي. ومع هذا تظل نقطة الضعف الأساسية في هذا النمط التنموي في أنه لم يكن مصمما على افتراض ضرورة التصدير للأسواق الخارجية، استنادا إلى اتساع السوق الداخلي الهندي والوفاء باحتياجاته من السلع والخدمات. وبالتالي فإن بؤرة تركيزه انصبت على تحقيق طفرة إنتاجية كمية وليست نوعية عالية للصناعة الهندية، وهو ما أدى بدوره إلى ضعف قدرتها التنافسية في الأسواق الخارجية. ومما لا شك فيه أن ذلك حمل في طياته بذور أزمة هذا النمط التنموي.


التحولات الاقتصادية العالمية فرضت على الهند إعادة النظر في نموذجها التنموي المتبع منذ الاستقلال والذي لم يكن قائماً على ضرورة التصدير الخارجي
أزمة النموذج التنموي الهندي
في عام 1991 واجه الاقتصاد الهندي أزمة غير مسبوقة. ويرى كثيرون أن بوادر أزمة هذا النموذج التنموي ترجع إلى منتصف الستينيات، مع جمود الدولة الهندية وعجزها عن الاستجابة السريعة للتطورات الاقتصادية الدولية، وبخاصة ذات الصلة منها بتغير طبيعة الرأسمال الأجنبي والشركات متعددة الجنسيات، وهو الأمر الذي قاد بدوره إلى ثورة غير متوقعة في التجارة العالمية، حيث تضاعفت نسبة الإنتاج العالمي المخصص للتصدير خلال الفترة 1965-1990. بل والأهم من ذلك أن بلدان العالم الثالث تمكنت من مضاعفة نسبة صادراتها الصناعية في التجارة العالمية من 5% عام 1970 إلى 10% عام 1983.

ومع أن هذه التحولات الاقتصادية العالمية كانت تفرض على الهند إعادة النظر في نموذجها التنموي المتبع منذ الاستقلال، فإن الهند اتجهت بدلا من ذلك إلى تشديد إجراءات القبضة الحكومية على نواحي الاقتصاد المختلفة، بكل ما استتبع ذلك من عمليات تأميم وتوسيع للقطاع العام ليشمل إنتاج السلع الأساسية وغير الأساسية. وفي هذا الخصوص أشارت بعض الدراسات إلى أنه في الوقت الذي نجحت فيه دول جنوب شرق آسيا في تطوير تدخلها في النشاط الاقتصادي ليكون تدخلا إستراتيجيا لتعظيم مكاسبها من مزايا عملية تدويل الإنتاج والتدفقات الرأسمالية الدولية, فإن الهند فوتت على نفسها فرصة الاستفادة من تلك المزايا من خلال تدخلها التفصيلي في الاقتصاد والمعوق للمنافسة.

ورغم بعض المحاولات التي بذلت خلال عقد الثمانينيات وبخاصة من قبل راجيف غاندي لاستدراك هذا الوضع للاقتصاد الهندي، فإنها جاءت متذبذبة ولم تؤت ثمارها إلى حد كبير بسبب معارضة جماعات المصالح الداخلية لها، خاصة أنها لم تمس قطاعي البنوك والتأمين. وعلى هذا، قاد التزمت الأيديولوجي وضعف الإرادة السياسية من قبل القيادات الهندية منذ منتصف الستينيات إلى أزمة الاقتصاد الهندي في عام 1991، وإلى ضرورة البحث عن أساس فلسفي جديد للتنمية الاقتصادية في الهند.

إعادة بناء النموذج التنموي الهندي.. الاقتصاد الحر:
من المعلوم أن عملية إعادة البناء هذه لم تكن بالأمر الهين لرئيس الوزراء ناراسيما راو ووزير ماليته مانموهان سينغ، وذلك في ضوء المخاوف التي سادت لدى قطاعات عديدة من المجتمع الهندي من العمال والمزارعين والصناعيين والبيرقراطيين، ناهيك عن التوظيف السياسي لهذه القضية من قبل الأحزاب السياسية. ومن هذا المنطلق شهدت الساحة السياسية الهندية جدلا كبيرا حول حدود دور الدولة في المجتمع، وإن كان هناك اتفاق عام على أن المقصود بذلك هو ترشيد هذا الدور وليس إلغاءه. وقد كان التدرج والحذر هما سمة التحول, وليس أدل على ذلك من أن قطاع التأمين لم يتم تحريره أمام المستثمرين الأجانب إلا في أوائل عام 2000، كما لم يتم التحرير الكامل لسعر صرف الروبية الهندية إلا عام 1993.

هذا وتعتبر عملية إعادة هيكلة دور القطاع العام في الاقتصاد الهندي من بين أهم التغييرات التي أحدثتها عملية التحول إلى الاقتصاد الحر, إذ كان ناراسيما راو ومانموهان سينغ واضحين منذ البداية في التأكيد على أن الحكومة لم تعد مقتنعة بدور القطاع العام كقاطرة للاقتصاد، بعدما أثبت فشله الذريع في تحقيق أهداف التصنيع والنمو وتخفيف حدة الفقر، ناهيك عن نقص عائده مقارنة بما ينفق عليه من استثمارات.

ومن نافلة القول التأكيد على ما أضحى يكتسبه برنامج الإصلاح الاقتصادي في الهند من قوة دفع ذاتية خاصة به جعلته لا يتأثر بسقوط حكومة ناراسيما راو في انتخابات عام 1996، حيث أعلنت كافة الأحزاب السياسية التزامها بالاستمرار فيه باعتباره السياسة الرسمية للدولة التي لا رجعة فيها. وليس أدل على ذلك من أنه في عهد حكومة الجبهة المتحدة سواء برئاسة ديف جودا أو أندركومار غوجرال تم إعطاء المزيد من الحرية والحوافز للاستثمار الأجنبي، من قبيل إعطاء حق التملك الكامل للأجانب في مشروعات (الطرق والسياحة والصناعات البترولية وتوليد الطاقة) أو الحق في تملك 49% من قطاع الاتصالات و51% في الصناعات الدوائية، فضلا عن كثير من القطاعات الأخرى التي أصبحت الموافقة عليها بصفة آلية مثل الكيماويات والتعدين والنقل والغزل والنسيج. وكذلك الشأن بالنسبة لفاجبايي الذي أكد بعد تشكيله للائتلاف الحكومي في أعقاب انتخابات 1998 و1999 تعهده بتدشين المرحلة الثانية من برنامج الإصلاح الاقتصادي, بإصلاح قوانين القطاع المالي والنظام الضريبي وغيرها من القوانين الحاكمة للأنشطة الاقتصادية حتى تتماشى مع عصر العولمة.

وبالفعل فقد جاءت الدفعة الأهم للخصخصة منذ منتصف التسعينيات في عهد هذه الحكومة، حيث قررت في الأسبوع الأخير من أكتوبر/ تشرين الأول 1999 إلغاء جميع المعوقات البيرقراطية أمام رأس المال الأجنبي، بما يضمن منح الموافقة على الاستثمارات الأجنبية بصورة آلية. وفي عام 2000 قامت الحكومة بفتح قطاعات الطاقة والفحم والاتصالات والخدمات البريدية والنقل -باستثناء السكك الحديدية- أمام الاستثمار المحلي والأجنبي. كما أعلنت في مايو/ أيار من ذلك العام الخصخصة الجزئية لشركة الطيران الهندية، وفيها سمح للأجانب بتملك 26% من إجمالي نسبة الـ 60% التي تم طرحها للشركات الخاصة.

تطور أداء الاقتصاد الهندي

في الواقع لم تكن عملية التنمية الاقتصادية التي تبنتها الهند في مرحلة ما بعد الاستقلال سوى استمرار للجهود التنموية التي شهدتها خلال النصف الأول من القرن العشرين، وذلك لأسباب داخلية وخارجية تتمحور أساسا حول ظروف الحرب العالمية الثانية، وهي الظروف التي هيأت للهند قدرات اقتصادية معقولة يمكن أن تستند إليها في تحقيق تنمية اقتصادية مستقبلية. وبدورها فقد استغلت القيادة الهندية هذه القدرات وأضافت عليها، ومن خلال إنجازها لتسع خطط خمسية تنموية منذ 1951 وحتى اليوم يمكن تقييم أداء الاقتصاد الهندي وفق المؤشرات التالية:


حقق الاقتصاد الهندي احتياطاً غذائياً في الزراعة، وطفرة إنتاجية في الصناعة، مع قطاع خدمات واعد لسوق واعدة

أولا- من حيث أداء قطاعات الاقتصاد الرئيسية:

1- الزراعة
كان من بين أهم إنجازات الدولة الهندية في هذا القطاع أنها تجاوزت حد الاكتفاء الذاتي من الغذاء وأوجدت مخزونا احتياطيا من الحبوب وصل عام 1979 إلى 20 مليون طن، وارتفع عام 1995 ليصل إلى 30 مليون طن، وهو الأمر الذي كان من نتائجه زيادة قدرة الدولة على التعامل مع الجفاف مثلما حدث عامي 1979 و1987، ولم تعد هناك مجاعات كتلك التي حدثت في البنغال عام 1943 وأدت إلى وفاة ثلاثة ملايين هندي.
على أنه يجب مراعاة أن هذا الاكتفاء الذاتي لا يعني تحقيق الإشباع المطلق لكل فرد، لأن ذلك يستلزم من الهند مضاعفة إنتاجها من الغذاء حتى يمكنها توفير مستوى معيشي مناسب لفقرائها.

يذكر أن هذا الاكتفاء الذاتي أتى بفضل النتائج الإيجابية للثورة الخضراء خلال عقدي الخمسينيات والستينيات في مجالي استصلاح الأراضي وزيادة الإنتاجية الزراعية، إذ زادت مساحة الأراضي المزروعة من 118.7 مليون هكتار عام 50/1951 إلى 140.2 مليونا عام 1970، ثم إلى 142.2 مليونا عام 89/1990. كما زاد إنتاج الهند من الحبوب الغذائية من 50.8 مليون طن عام 50/1951 إلى 179.1 مليونا عام 93/1994.

2- الصناعة
تمكن هذا القطاع بفضل الحماية الكبيرة له من قبل الدولة في إطار سياسة الإحلال محل الواردات، من تحقيق طفرات إنتاجية كمية عالية، وإن كانت ذات جودة منخفضة وقدرة تنافسية محدودة في الأسواق الخارجية. ولكن مع التحول إلى الاقتصاد الحر برزت بعض الصناعات ذات التقنية العالية جدا وأهمها صناعة البرمجيات التي قدرت قيمة صادراتها عام 99/2000 بنحو 3.9 مليار دولار بعد أن كانت لا تتجاوز 100 مليون دولار في أوائل التسعينيات. وتخطط الهند لكي تصل بقيمة صادرات هذه الصناعة إلى 50 مليار دولار بحلول عام 2008. وكذلك الشأن بالنسبة للصادرات من أجزاء السيارات والتي وصلت قيمتها عام 98/1999 إلى 3 مليارات دولار، علما بأن ذلك جاء في ظل منافسة شرسة من شركات من تايوان والصين وتركيا وماليزيا.

3- الخدمات
قام هذا القطاع بدور مهم في تعبئة المدخرات والاستثمارات القومية اللازمة لتمويل خطط التنمية خلال العقود الخمسة الماضية. ويمتلك هذا القطاع طاقات كبيرة بفضل التوسع الذي شهده منذ أواخر الستينيات في أعقاب إجراءات التأميم للبنوك ولشركات التأمين، إذ زاد على سبيل المثال عدد الفروع التابعة للبنوك المؤممة من 8 آلاف فرع عام 1969 إلى 62 ألفا عام 1995. وكما سبقت الإشارة في موضع سابق فقد قامت الدولة مؤخرا عام 2000 بتحرير خدمات التأمين والبريد والاتصالات والنقل الجوي أمام المستثمرين الهنود والأجانب، ولهذا فإنه يعتبر من أكثر القطاعات الاقتصادية الواعدة في الهند، خاصة أن الطاقة الاستيعابية للسوق الهندية لا تزال كبيرة. كما أشارت بعض الدراسات الصادرة عام 1999 إلى أن السوق المحتملة للتجارة الإلكترونية من الممكن أن تصل بنهاية عام 2001 إلى 11.9 مليار دولار.

ثانيا- من حيث نسبة مساهمات قطاعات الاقتصاد الرئيسية في الناتج المحلي الإجمالي:
تراجعت في هذا الخصوص نسبة مساهمة الزراعة لصالح قطاعي الخدمات والصناعة، وذلك كما يظهر من الجدول التالي:

جدول رقم (1)
نسبة مساهمات الزراعة والصناعة والخدمات في الناتج المحلي الإجمالي الهندي

السنة

51-1960

61-1970

71-1980

81-1990

91-1999

قطاع الزراعة

50%

45%

38%

32%

28%

قطاع الصناعة

21%

22%

26%

27%

25%

قطاع الخدمات

29%

33%

36%

45%

47%

المصادر:
1- تقرير التنمية في العالم عام 1994، ص 198.
2- The world Bonk Publications, Trends in developing economies1993, p. 27
3- The Europa world Yearbook 2001, p. 1938

يتضح من هذا الجدول أن التغير في نسب مساهمات قطاعات الاقتصاد الرئيسية قد تم خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات، إذ تراجعت نسبة مساهمة الزراعة بنحو 13% خلال عامي 1970-1990 (أي من 45 إلى 32%)، في حين زادت نسبة مساهمة قطاع الخدمات بنحو 12% خلال نفس الفترة (من 33 إلى 45%)، وبالمثل بالنسبة لقطاع الصناعة الذي زادت نسبة مساهمته خلال نفس الفترة بنحو 5% (من 22 إلى 27%). وبخلاف ذلك فإنه لم يحدث سوى تغير طفيف على نسب مساهمات هذه القطاعات خلال عقود الخمسينيات والستينيات والتسعينيات تتراوح ما بين 2-3% سواء بالزيادة أو بالنقصان داخل كل قطاع.

ويمكن تفسير ذلك بالتغير الذي طرأ على دور الدولة في هذه القطاعات، حيث كان قطاع الزراعة خلال عقدي الخمسينيات والستينيات هو بؤرة اهتمام الدولة الهندية، من خلال ما عرف بالثورة الخضراء التي أدت إلى زيادة المساحة المزروعة في الفترة بين عامي 1951-1970 من 118.7 مليون هكتار إلى 140.3 مليونا. وعلى النقيض من ذلك خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات حيث جاء التوسع الأهم من قبل الدولة في قطاعي الصناعة والخدمات، وبخاصة بعد إجراءات التأميم للبنوك وقطاع التأمين وغيرها من القطاعات الأخرى في أواخر الستينيات. وقد كان من الملاحظ أن المساحة المزروعة لم تزد خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات عن مليوني هكتار فقط، فبلغت عام 1990 نحو 142.3 مليون هكتار. هذا بالإضافة إلى ما تتميز به الزراعة الهندية من حيث السمة المحافظة للفلاح الهندي وتفتت الملكية وصعوبة الزراعة العلمية، والأهم من ذلك ارتباط إنتاجيتها إلى حد كبير بالظروف المناخية.

أما في عقد التسعينيات فقد كان لسياسات الإصلاح الاقتصادي آثار مزدوجة على نسب مساهمة هذه القطاعات. ففي الوقت الذي تسبب فيه عدم ضخ الدولة لاستثمارات جديدة في القطاع العام الصناعي إلى انخفاض نسبة مساهمة قطاع الصناعة لأول مرة في الناتج المحلي الإجمالي بنحو 2% (من 27% عام 1990 إلى 25% عام 1999)، فإن بطء عملية الخصخصة في قطاع الخدمات حال دون حدوث طفرة في نسبة مساهمة هذا القطاع، حيث لم يطرأ عليه سوى زيادة طفيفة بلغت 2% فقط (من 45% عام 1990 إلى 47% عام 1999).

ثالثاً- من حيث معدلات النمو في الناتج المحلي الإجمالي وقطاعات الاقتصاد الرئيسية:
كانت الهند مشهورة بما يطلق عليه معدل النمو الهندوسي وهو 3%، إلا أنها تجاوزت هذا المعدل المتدني منذ أوائل الثمانينيات، وذلك كما يوضحه الجدول التالي:

جدول رقم (2)
معدلات النمو في الناتج المحلي الإجمالي وقطاعات الاقتصاد الرئيسية في الهند

السنة

51-1960

61-1970

71-1980

81-1990

91-2000

الناتج المحلي الإجمالي

3.6%

4%

3%

5.7%

6.1%

الزراعة

2.9%

2.9%

1.8%

3.2%

3.8%

الصناعة

غ.م

غ.م

4.5%

6.4%

6.7%

الخدمات

غ.م

غ.م

4.3%

6.3%

7.7%

المصادر:
1- تقرير التنمية في العالم عام 1994، ص 194-195.
2- (John Adams: India, much achieved, much to achieve, in Selig S. Harrison (ed.), op. cit., p. 85)
3- The Europa World Yearbook 2001, p. 1938

وكما هو مبين في هذا الجدول، فقد شهد عقد الثمانينيات في مرحلة ما قبل الإصلاح الاقتصادي زيادة ملحوظة في معدلات النمو لكافة قطاعات الاقتصاد الرئيسية، وهو الأمر الذي انعكس على معدلات النمو لدخل الفرد الذي كان ينمو بمعدلات متدنية لا تتجاوز 1.5%. ومع هذا يرى كثيرون أن هذه الزيادة في معدلات النمو خلال الثمانينيات لم تتحقق بفضل كفاءة أكبر من قبل القطاعات الرئيسية للاقتصاد في توليد الموارد، بقدر ما كانت نتاجا للإنفاق الحكومي والقروض الخارجية في صورة مدخلات واستثمارات في هذه القطاعات. وعلى النقيض من ذلك فإن الزيادة الملحوظة في معدلات النمو خلال التسعينيات كانت بفضل النتائج الإيجابية للإصلاح الاقتصادي على الهياكل الإنتاجية لقطاعات الزراعة والصناعة والخدمات.


لا تزال الهند مستمرة في كونها أكبر تركز للفقراء على مستوى العالم

رابعاً- من حيث نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي:
من الملاحظ في هذا الخصوص أنه رغم التحسن الذي طرأ على دخل الفرد في الهند، حيث زاد من 52 دولارا عام 1951 إلى 197 دولارا عام 1979 ثم إلى 340 دولارا عام 1989، وأخيرا إلى 450 دولارا عام 2000، فإنه لا يزال دون مثيله في الدول النامية. ويتصل بدخل الفرد قضية معدلات خط الفقر، حيث لا تزال الهند مستمرة في كونها أكبر تركز للفقراء على مستوى العالم، إذ تبلغ معدلات خط الفقر بها وفقا لتقديرات عام 1994 نحو 35% من إجمالي عدد السكان.

ويمكن إرجاع هذا الانخفاض في متوسط دخل الفرد في الهند ومعدلات الفقر المرتفعة بها إلى جمود هيكل العمالة في قطاعات الاقتصاد الهندي. فعلى الرغم من تراجع نسبة مساهمة الزراعة في الناتج المحلي الإجمالي من 50% أوائل الخمسينيات إلى 28% أواخر التسعينيات فإنه لا يزال يعمل بها نحو ثلثي عدد السكان، في حين أنه لم يطرأ سوى تغير طفيف على هيكل العمالة في قطاعي الخدمات والصناعة، حيث لا يستوعب قطاع الخدمات سوى 20.5% من قوة العمل في الوقت الذي يسهم فيه بنحو 47% من إجمالي الناتج المحلي. وعلى هذا وكما أشار الرئيس الهندي في فبراير/ شباط 2001 فإن الهند بحاجة إلى معدل نمو سنوي بنسبة 9% خلال السنوات العشر القادمة، إذا ما أرادت مضاعفة دخل الفرد بها وتقليص معدلات الفقر إلى النصف.

خامساً- من حيث القدرة التنافسية للاقتصاد الهندي:

1- من حيث القدرة على جذب الاستثمارات الأجنبية
نجد أن هذه القدرة لا تزال ضعيفة رغم ما شهدته من تطور منذ تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي، إذ كانت هذه الاستثمارات في عقد الثمانينيات تتراوح بين 200-400 مليون دولار سنوياً، بل ولم تتعد عام 1991 نحو 68 مليون دولار. ولكن منذ تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي شهدت الهند تطورا ملحوظا في هذا الميدان حيث وصلت الاستثمارات فيها عام 1996 إلى 2.6 مليار دولار، زادت عام 97/1998 إلى 3.56 مليارات دولار، وإن كانت قد تراجعت مرة أخرى عامي 99/2000، و2000/2001 إلى ملياري دولار فقط. هذا وتهدف الهند إلى الوصول بهذه الاستثمارات إلى 10 مليارات دولار سنوياً.

2- من حيث القدرة على المنافسة في الأسواق الخارجية
لا تزال أيضا هذه القدرة محدودة بسبب السياسة الحمائية للصناعة الهندية في مرحلة ما قبل الإصلاح الاقتصادي. ويتضح هذا الضعف الهندي التصديري عند مقارنته بدول آسيوية أخرى مثل الصين. ففي الوقت الذي لم يتجاوز نصيب الهند من الصادرات العالمية 0.67% عام 2001، بلغت الصادرات الصينية 3.4% من إجمالي الصادرات العالمية، وإن كان هذا لا ينفي التحسن الذي طرأ على القدرة الهندية في هذا المجال مقارنة بالعقود السابقة حيث لم تتعد هذه النسبة 0.6% عام 1994. هذا وقد زادت قيمة الصادرات الهندية من 8.3 مليارات دولار عام 1980 إلى 18.5 مليارا عام 90/1991 ثم إلى 43.1 مليارا عام 2000. ومما ساعد على هذه الزيادة في عقد التسعينيات تحرير سعر الروبية الهندية بدرجة كاملة عام 1993، حيث انخفضت قيمتها أمام الدولار من 20.08 روبية عام 1991 إلى 44.94 عام 2000. ومع هذا ينبغي الأخذ في الاعتبار أن الهند لا تزال تحقق عجزا تجاريا في ميزان مدفوعاتها بسبب زيادة وارداتها عن صادراتها حيث بلغت هذه الواردات عام 2000 نحو 60.8 مليار دولار.

3- من حيث المركز المالي
تمكنت الهند في هذا الخصوص من تحقيق قدر كبير من الاستقرار المالي لها، حيث زادت احتياطاتها من النقد الأجنبي إلى 30 مليار دولار أواخر التسعينيات بعد أن كانت لا تتجاوز مليارا واحدا أوائل التسعينيات. كما تمكنت بدرجة كبيرة من ضبط الارتفاع الكبير في ديونها الخارجية، فوصلت خلال الفترة 1991- 1999 من 71 مليار دولار إلى 98 مليارا، وذلك مقارنة بعقد الثمانينيات الذي زادت فيه هذه الديون من 20 مليار دولار عام 1981 إلى 71 مليارا عام 1991. بل والأهم من ذلك انخفاض خدمة هذا الدين الخارجي إلى 20.6% من إجمالي حصيلة الصادرات عام 1998، بدلا من 28.4% عام 1993.

آفاق النمو في الاقتصاد الهندي


لتحقيق معدل نمو سنوي بنسبة 9% خلال السنوات العشر القادمة، تحتاج الهند إلى تحسين معدلات التنمية البشرية وتسريع الخصخصة والاستقرار السياسي
رغم ما أضحت تتمتع به الهند حالياً من استقرار مالي واقتصادي إلى حد كبير مقارنة بأوائل التسعينيات، ناهيك عن اندماجها الناجح في الاقتصاد العالمي في بعض الصناعات الأكثر تقدماً مثل صناعة البرمجيات، فإن تحقيق الهند لطموحاتها بشأن الوصول بنسبة صادراتها إلى 1% من إجمالي الصادرات العالمية بحلول عام 2007، واستقطاب 10 مليارات دولار سنوياً من الاستثمارات الأجنبية، وتحقيق معدل نمو سنوي بنسبة 9% خلال السنوات العشر القادمة، تحوطه شكوك عميقة ما لم تتم المعالجة الفعالة لكثير من التحديات، وأهمها:

1- ضعف مستوى التنمية البشرية
ومن الملاحظ في هذا الخصوص أن هذا الضعف لا يتصل فقط بمستويات الصحة أو التعليم، إذ لا تزال معدلات الأمية تصل إلى 48% من إجمالي عدد السكان، كما أن البنك الدولي يقدر تكلفة سوء التغذية في الهند بنحو 10 مليارات دولار سنويا في صورة ضعف في الإنتاجية والمرض والوفاة. ناهيك عن انتشار الإيدز مؤخرا فيها حيث وصل عدد الحالات المصابة إلى خمسة ملايين حالة، مما يجعل الهند في المركز الثاني بعد جنوب أفريقيا من حيث الإصابة بهذا المرض. بل ومما لا يقل عن ذلك أهمية ما يتعلق بانخفاض مستوى وإنتاجية العامل الهندي، نتيجة خلو خطط التنمية الهندية من إستراتيجية للتنبؤ باحتياجات سوق العمل.

2- بطء عملية الخصخصة
وفي هذا يبدو أن القيادة الهندية لم تستفد من أخطائها التاريخية بشأن التفاعل مع المتغيرات الاقتصادية العالمية بالمعدلات المطلوبة. وتبدو أهمية الإسراع بمعدلات الخصخصة في ضوء الضعف البنيوي الذي تتسم به قطاعات الاقتصاد الرئيسية في الاقتصاد الهندي.

3- تدهور مستويات الاستقرار السياسي الإقليمي
ويضاف إليه في حدود معينة الاستقرار الداخلي، إذ إن التصعيد العسكري مع باكستان من شأنه أن يهدد ليس فقط معدلات النمو، وإنما البنية الاقتصادية الهندية بأكملها في حال استخدام الأسلحة النووية أو غيرها من الأسلحة ذات التكنولوجيا المتقدمة. كما أن انتشار العنف الطائفي من شأنه التأثير السلبي وبقوة على الاقتصاد الهندي ومناخ الاستثمار فيه.
ـــــــــــــــ
* باحث بالمجالس القومية المتخصصة، جمهورية مصر العربية.

- أهم المصادر:
1- Bipan Chandra, India after Independence 1947-2000, Penguin Books, 2001, p. 350
2- Selig S. Harrison, Paul H. Kreisberg and Dennis Kux, Introduction, in Selig S. Harrison (ed.), India & Pakistan, Woodrow Wilson Center Press and Cambridge University Press, 1999, p. 7.
3- Dr. Vinod Vyasulu, The South Asian Model, in International Conference on Colonialism and Globalization, New Delhi, February1999. p. 11
4- Martin Wolf, India’s Exports, Oxford University Press,1982,p131
5- Shekhar Gupta, India redefines its role, A Delphi paper 293, March 1995. p. 8.Bipan Chandra, op.cit., pp. 357-358. 6- Binal Jalan, India’s Economic Crisis, Oxford University Press,1991 , pp. 72, 73, 90
7- Rob Jenkins: Democratic Politics and Economic Reform in India, Cambridge University Press, 1999, pp. 28-29
8- The Europa World Yearbook 2001
9- Baldev Raj Nayar, The Public Sector, in Leonard A. Gordon, India Briefings 1992, Westview Press, Oxford, 1992, p. 97
10- Ghani Jafar, India: Economic Reform and Liberalization, Regional Studies Quarterly, Islam Abad, Winter 1997, p. 38
11- الأهرام، 19/3/1998.الأهرام، 18، 24/10/1999.
12- Sir Percival Griffiths, Modern India, Frederick A. Praeger, New York, 1958, pp. 183-190.
13- Arthur S. Banks, Economic Handbook of the World 1982, pp.247-248
14- Holly Sims, Malthusian Nightmare or Richest in Human Resources, in Leonard A. Gordon (ed), op.cit., p.132.
15- القسم الإعلامي لسفارة الهند بالقاهرة، حقائق عن الهند 1993/1994.
16- د. عبد المنعم سعيد، حديث عن التجربة الهندية والعولمة، الأهرام الاقتصادي، 2/10/2000.
17- John Adams : India: Much Achieved, Much to Achieve, in Selig S. Harrison (ed.), op.cit., p.77
18- Global Information Infrastructure Commission (GIIC)

19- Ruth Leger Sivard, World Military and Social expenditures,1991, p. 54, 56
20- The World Fact Book 2001, India, op. cit., p. 6
21- جريدة الجرائد العالمية: 3/7/2001، نقلاً عن لوفيغارو الفرنسية.
22- World Bank Publications,Trends in Developing Economics1993,p.23
23- جريدة الجرائد العالمية 20/3/2001.
24- جريدة الجرائد العالمية 1/5/2001.

25- The World Bank Group, India Country Brief 2001