محمد أبو الفضل

مسار السلام السوري أميركيا
السلام السوري خيار إستراتيجي أم تكتيكي
التسوية إلى أين؟

مسار السلام السوري أميركيا

"
بسبب أحداث سبتمبر 2001 وما تلاها من تداعيات نسجت واشنطن جملة من التقديرات الإستراتيجية الجديدة أغلقت بموجبها أي نافذة للسلام بين سوريا وإسرائيل

"

تكاثفت مجموعة من التطورات الإقليمية والدولية أدت إلى قبول سوريا الدخول فى عملية تسوية سياسية مضنية مع إسرائيل ، تبلورت تجلياتها الأولى بمؤتمر مدريد فى أكتوبر 1991.

ورغم كل مؤشرات التشاؤم استطاعت المفاوضات السورية الإسرائيلية منذ مدريد وحتى محادثات شيبردز تاون عام 2000 تخطي العديد من النقاط الخلافية، قدرتها بعض الدوائر بحوالى 80% من القضايا الأمنية والحدودية والاقتصادية والسياسية.

لكن وقف المفاوضات، لأسباب تتعلق بحسابات الطرفين وظهور بعض المستجدات الداخلية والمتغيرات الخارجية، أرخى بظلال ثقيلة من الشك المتبادل، كانت حصيلتها قيام الولايات المتحدة بتجميد هذا المسار، ورفضها هي وإسرائيل الإصغاء لكل النداءات السورية الراغبة فى استئناف المفاوضات، سواء من النقطة التي توقفت عندها أو من المربع الأول، واعتبرت كل منهما أن مـا تقوم به دمشق من أفعال في المنطقة يناقض ما تدعيه من استعداد للسلام.

وكانت أحداث سبتمبر 2001 وما تلاها من تداعيات نقطة فاصلة لإعادة النظر في منظومة الأفكار الإقليمية للولايات المتحدة، وبموجبها نسجت واشنطن جملة من التقديرات الإستراتيجية الجديدة، أغلقت عبر تفاصيلها أي نافذة للسلام بين سوريا وإسرائيل.

وتم اعتماد سياسة حشر النظام السوري في زاوية ضيقة، فأصبحت التسوية السياسية العادلة أمرا مستحيلا، وهو ما يؤكده في الآونة الأخيرة قانون "محاسبة سوريا واستعادة لبنان" وقرار مجلس الأمن رقم 1559.

وطفت على السطح سلسلة من التراشقات والتجاذبات استفادت من نتائجها



إسرائيل، حيث تكرس نفوذ التيار الأميركي المشكك في نوايا دمشق


السلمية، وأصبح خطابه حاضرا بصورة رسمية في الأجندة الأميركية.

السلام خيار إستراتيجي أم تكتيك

الواقع أن التقويم الأميركي لرؤية سوريا لعملية التسوية مر بمرحلتين فاصلتين ومتشابكتين.

  • الأولى، قبيل انتهاء ولاية جورج بوش (الأب) وحتى انتهاء ولاية بيل كلينتون الثانية وكانت غلبـة التيار الواقعى أو ما يسمى بـ (الواقعيون) جلية في رسم خطوات عملية السلام بالمنطقة.
  • والأخرى ، منذ بداية ولاية جورج بوش (الابن) الأولى وحتى الآن وتجلت خلالها سيطرة المحافظين الجدد.

ولكل مرحلة منهما تقويم مناقض للأخرى، لعبت فيه التطورات الإقليمية والمعادلات الداخلية والتوازنات الجيو-ستراتيجية دورا مؤثرا.

وعند قراءة تقويم كل مرحلة، يجب الالتفات إلى أن هناك تداخلا بينهما، وأن الفرق هو في درجة نفوذ كل تيار في السياسة الخارجية ومدى نجاحه في السيطرة على محددات الرؤية الأميركية، أو على الخيارات المطروحة للتعامل مع سوريا وملفاتها العاجلة والمؤجلة، بما فيها التسوية السياسية مع إسرائيل.

وبالتالى فغلبة تيار معين لا تلغي القدرة على سماع صوت الآخر في المرحلة ذاتها، مع ملاحظة ثبات الموقف السوري، وبدا التباين الظاهر فى حساباته لا يتجاوز نطاق الشكل وأدوات الإخراج السياسي. 

خيار إستراتيجي

"
كان الاعتقاد السائد أيام حافظ الأسد أن التشبث بالمواقف المبدئية يؤدي لمرونة إسرائيل، والآن تفضي الليونة السورية إلى تشدد في الخطاب الإسرائيلي بسبب طبيعة الأولويات الإقليمية الأميركية في المنطقة 

"

ويمكن القول إن "الواقعيون" تعاملوا بإيجابية مع رؤية سوريا للسلام، ورصدت مؤسساتهم البحثية وخبراتهم العملية عدة مظاهر تعتبره خيارا إستراتيجيا لها، متوافقا نسبيا مع التوقعات الأميركية التي وجدت أن هناك ضرورة لاحتواء وتطويق سوريا عبر الهجوم بسلام ساخن أو بارد بينها وبين إسرائيل.

وعلى هذا الأساس طرقوا أبواب التسوية بين دمشق وتل أبيب، وتأسست تقديرات هذا التيار على أربعة مؤشرات رئيسية:

  • الأول، تأكيدات الرئيس حافظ الأسد على ذلك، واستمرار هذا النهج في عهد خلفه الرئيس بشار الأسد، وموافقة سوريا على السلام في كل القمم العربية الأخيرة، وقبولها بالمبادرة السعودية في قمة بيروت عام 2002، والاعلان عن دعم دمشق للفلسطينيين في خياراتهم السياسية، وهو ما أفضى إلى تغيير جزئي في الصورة الأميركية لسوريا الرافضة للسلام أو المتشددة في مطالبها.
  • والثانى، المفاوضات الطويلة والشاقة، المعلنة والخفية، المستمرة والمتقطعة، التي خاضتها سوريا مع إسرائيل برعاية الولايات المتحدة قطعت شوطا مهما فى تجسير الهوة لعدد من الخلافات الجوهرية، فضلا عن تطرقها لحزمة من ترتيبات ما بعد السلام التي كانت قاسية بالنسبة للثوابت السورية المعروفة، وكلها عوامل تنفي النظر إلى السلام كخيار تكتيكي في جدول الأعمال السوري، وإن لم تصل إلى نقطة النهاية فقد وضعت الضوابط الحاكمة لرؤية سوريا التي تقبل بالتعايش مع إسرائيل في سلام، وهو ما يمثل تطورا نوعيا في حد ذاته.
  • والثالث، الإدراك السوري البعيد لعمق التحولات الإستراتيجية في المنطقة، والتي تعمل لصالح إسرائيل، على حساب المصالح العربية عامة والسورية خاصة، وظهرت معالمها بعد انتهاء حرب الخليج الثانية. وترسخت هذه المعطيات بعد إسقاط النظام العراقي وحدوث تغيرات كبيرة ودرامية في البيئة الإقليمية، أدت إلى تزايد الضغوط الواقعة على سوريا، بما ضاعف من انكشافها الأمني أمام إسرائيل والولايات المتحدة، وجعلها تتمسك بأهداب السلام وليس الهروب من استحقاقاته، كما يحاول المحافظون الجدد الترويج له.
  • والرابع، قيام الأطراف العربية المنخرطة مباشرة في الصراع مع إسرائيل بتوقيع اتفاقيات سلام معها (مصر والأردن والسلطة الفلسطينية)، وتوسيع عدد آخر من الدول العربية المنخرطة بصورة غير مباشرة من نطاق تعاملاتها مع إسرائيل (سياسيا واقتصاديا وثقافيا)، ولم يبق (تقريبا) سوى سوريا ولبنان البعيدتين عن هذا المضمار.

وتعززت تقديرات تيار "الواقعيون" من خلال عدم تنصل سوريا من التزاماتها بعد رحيل الرئيس حافظ الاسد، وإعلان الرئيس بشار استعداده للتفاوض مع إسرائيل دون شروط مسبقة، أي التخلي عن ما يعرف في الأدبيات التفاوضية بـ "وديعة رابين".

وهو ما توجست منه الإدارة الأميركية، إذ لم تكن مستعدة لفتح أفق إيجابي على هذا المسار خوفا من أن يربك حساباتها، وحضت إسرائيل على رفض التجاوب مع الخطوات السورية.

وأدى هذا الاتجاه إلى قلب المعادلة السابقة، فكان الاعتقاد السائد أيام الرئيس حافظ الأسد أن التشبث بالمواقف المبدئية يؤدي لمرونة إسرائيل، والآن تفضي الليونة السورية إلى تشدد في الخطاب الإسرائيلي، لأن المسألة تخيم عليها حسابات جديدة تتعدى رغبة دمشق في السلام، إلى طبيعة الأولويات الإقليمية، خاصة التي تسعى الأجندة الأميركية للعمل على تطبيق مفرداتها في المنطقة.

خيار تكتيكى

"
المحافظون الجدد يرون أن سوريا قبلت السلام كخيار تكتيكي للتملص من تلبية المطالب الأميركية العاجلة، باعتبار أن المفاوضات تمنح دمشق "حصانة" ضد الضغوط الأميركية المتواصلة، وعلى دمشق الوفاء بالاستحقاقات المطلوبة

"

أما التيار  الثاني (المحافظون الجدد) الذين حاولوا اختراق إدارة بيل كلينتون لم تكلل مساعيهم بالنجاح الكبير، فقد احتلوا دائرة الضوء وأعطوا أهمية قصوى لتصفية الحسابات المعلقة مع سوريا عقب وصول إدارة جورج بوش(الابن)، ومن ثم التشكيك في رؤيتها للسلام والعزف على أوتار افتقارها للتأقلم مع المشروعات الأميركية، بل اتهامها بالسعي لتخريبها تارة وتحريض القوى المناهضة تارة أخرى.

وأسس هذا التيار تحركاته على عدم الثقة في الطروحات السورية بشأن التسوية السياسية مهما أثبتت حسن نواياها، وانطلقت مفرداته وترسخت منطلقاته من ثلاث قواعد رئيسية :

  • الأولى، والثانية، عدم جديتها بدليل -حسب منطلقات هذا التيار- إصرارها على احتضان عدد من فصائل المقاومة الفلسطينية في الأراضي السورية ودعمها ماديا ومعنويا، وعلاقتها الوثيقة بحزب الله اللبناني، الذي لم يتخل عن مقاومة إسرائيل، علاوة على فرضها سيطرة محكمة على لبنان بما يجعل وجودها المكثف في هذه الدولة بمثابة احتلال، وبالتالي تقييد حركتها السياسية. ولتثبت حسن نواياها عليها الالتزام برفع يدها عن الملفات السابقة. وأضحت واشنطن ومعها تل أبيب متمسكتين بتجريد دمشق من كل ما يعزز موقفها التفاوضي، حتى يمكنهما الحديث عن شكل التسوية المنتظرة، بمعنى أن التوازنات التي تخلفها معادلة كسر العظم الحالية هي التي سوف تتكفل بتحديد أطر التسوية في المستقبل.
  • والثالثة، التناقض الظاهر في الخطاب السوري المعلن والذي لا يتواءم مع متطلبات التسوية الخالصة، لاسيما أن مكونات الخطاب القومي الذي يمثل ركيزة لدى النظام السوري حاضرة في غالبية رؤاه السياسية، كما أن التمسك بشعارات رنانة تدغدغ مشاعر المواطنين في المنطقة العربية تتنافى مع مستجدات الإصلاح التي تعمل الولايات المتحدة على تعميمها، علاوة على تحريضها المعلن والمبطن للدول العربية على رفض التطبيع مع إسرائيل، والحرص على عدم التفريط في ورقة المقاطعة


    الاقتصادية، بما يكشف عند هذا التيار عدم جديتها في التكيف مع إفرازات السـلام وتناقض أقوالها مع أفعالها.

التسوية إلى أين؟

"
واشنطن ترى ضرورة فك الارتباط بين دمشق وبيروت كطريق لعزل سوريا، وتجنب الدخول في مساومات تقود للقبول بالصيغة السورية التي تقول برفع دمشق يدها عن لبنان مقابل الحصول على هضبة الجولان كاملة

"

الحاصل أن الرفض الأميركي لطلبات دمشق المتكررة بالتوسط بينها وإسرائيل لتدشين مفاوضات السلام، يرجع إلى عدة عوامل يتعلق معظمها بطبيعة المتغيرات التي حدثت في التقديرات الإستراتيجية للولايات المتحدة.

تقديرات إستراتيجية

  • أولها، إعطاء أولوية للملف الفلسطينى، الذي يحظى بإجماع عربي وتتخذه كثير من قوى المعارضة ذريعة للتدليل على ازدواجية الإدارة الأميركية، ومن الراجح أن يستمر ذلك فترة طويلة من الوقت.
  • وثانيها، ضرورة فك الارتباط بين دمشق وبيروت كطريق لعزل سوريا، وتجنب الدخول في مساومات تقود للقبول بالصيغة السورية، المتداولة على نطاق محدود والتي تقضي برفع دمشق يدها عن لبنان مقابل الحصول على هضبة الجولان كاملة. 
  • وثالثها، عدم السماح بخروج سوريا منتصرة في معركة السلام، حتى لا تشجع أطرافا أخرى على الدخول في مقايضات سياسية محرجة لواشنطن، وحتى يمكن التسليم في النهاية بالمطالب الإسرائيلية في الجولان.
  • ورابعها، القبول السوري الواضح بالدخول في اتفاقيات تعاون إقليمي لتسهيل الطريق أمام اندماج إسرائيل في المنطقة والمساعدة في تنفيذ المشروعات الأميركية.

وبالصدام الواقع بين التيارين السابقين أصبح السلام بين سوريا وإسرائيل يدور في حلقة مفرغة، عمادها أن سوريا لن تدخل تغييرا جوهريا على سياساتها الحالية، ما لم تسترجع هضبة الجولان المحتلة، والولايات المتحدة لن تتحرك بفاعلية في عملية السلام على المسار السوري، ما لم تدخل دمشق تعديلات محورية في توجهاتها السياسية. وبموجب هذا التناقض وما ينطوي عليه من انسداد واضح باتت التسوية مؤجلة حتى إشعار آخر.

الطريق الثالث
وعلى ضوء التقاطعات السلبية بين رؤى هذين التيارين يمكن أن يقوم تيار ثالث يحاول الإمساك بزمام الموقف بعقلانية، بهدف تغيير مسار اللعبة بالهجوم على سوريا عبر العودة إلى مرجعيات السلام وتكتيكاته.

ومع أن هذا التيار سوف يواجه بانتقادات لاذعة من المحافظين الجدد، إلا أن أمامه فرصة مواتية لزيادة قواعده في الساحة الأميركية، مستندا إلى جملة من الحجج الموضوعية.

 في مقدمتها أن تغلغل النفوذ السوري في لبنان بشكل يتجاوز الحدود العسكرية إلى الأمنية والسياسية والاقتصادية، يجعل الانسحاب إلى سهل البقاع ثم إلى الحدود المشتركة مسألة قليلة الأهمية من النواحى العملية.

والتأكد من قوة حزب الله في الشارع اللبناني وصعوبة تفكيكه بالضغط المباشر على دمشق، وقد ألمحت المظاهرة الحاشدة في الثامن من مارس 2005 إلى أن الحزب هو الذي يدعم سوريا في لبنان وليس العكس.

ناهيك عن أن الإصرار الأميركي على تطبيق القرار 1559 يمكن أن يؤدي إلى تداعيات كبيرة في المنطقة، لتعقيدات المشهد اللبناني وحنكة سوريا في التعامل معه والإفلات من التباساته.

وبالتالي فالسلام يمكن أن يكون الخيار الوحيد لكف أيادي سوريا عن لبنان وإبعادها عن العراق، ويقود في نهايته إلى إقدامها على القيام بتحولات داخلية عميقة ووضع برنامج لإصلاحات سياسية كبيرة تلقي برواسبها على نفوذ حزب البعث المتجذر في الحياة السورية، وتهيئة المجال لاحتمال تراجع عدد من الأزمات الساخنة في المنطقة.

وتؤدي هذه المعطيات إلى إمكانية جني ثمار سياسية من الإعلان السوري عن قبول التفاوض بلا شروط. وكذلك الحصول على تنازلات في قضايا خلافية، وتحاشي الدخول في فرض مزيد من العقوبات الاقتصادية التي تؤثر بقوة على عدد من الشركات الأميركية، وقطع الطريق على محاولات دمشق تهيئة الأجواء لعودة الدور السياسي



الروسي في المنطقة، وتكون هذه الوسيلة المدخل المساعد في عزلها عن إيران.
_______________
محلل سياسى مصري