في الأول من فبراير/شباط الماضي كتب "أنتوني كوردسمان"* موجها كلامه إلى لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ في جلسة استماع تتعلق بالشأن العراقي "نحن بحاجة إلى أن نتوقف عن الكذب على العراقيين، والأميركيين، وعلى العالم أجمع، فليس بحوزتنا 127 ألف عراقي في كامل تدريبهم وتسليحهم، وهو الحد الأدني اللازم لتكوين جيش وشرطة يدافعان عن العراق ويفرضان الأمن، فكل ما لدينا ممن تنطبق عليه الأوصاف السابقة وبكل صراحة ووضوح يتراوح بين 7 - 11 ألفا فقط".
 
والفرق بين ما يذكره كوردسمان ويؤيده فيه كثير من كبار المحللين لشؤون الأمن والدفاع وبين ما يذكره القادة العسكريون الأميركيون العاملون في العراق كبير، فالأخيرون يرددون أن من هم في الخدمة فعليا من أفراد الجيش العراقي قد وصل تعدادهم إلى 62 ألفا، وأن المتطوعين للعمل في الشرطة والأجهزة الأمنية الأخرى قد جاوزا المائة ألف.
 
بون شاسع إذن، فليس الفرق في تقدير الطرفين عشرة آلاف أو حتى عشرين ألفا ولكن الفرق يتعدى الـ 150 ألفا، وهو ما يؤشر إلى أن طريق إعادة بناء الجيش والشرطة ورغم مرور عامين كاملين غير ممهد ومليء بالكثير من العراقيل والصعوبات.
 
الجيش العراقي.. أعداد قليلة وتسليح خفيف 

"
تحرص وزارة الدفاع الأميركية على أن تكون معظم أنواع الأسلحة التي بحوزة هذا الجيش من النوع الخفيف، وتشير التقارير إلى أن أكثر من ثلث الجيش لم يتلق تدريبا مؤهلا للمهام المنوطة به

"

في مايو/أيار 2003 أصدر الحاكم الأميركي الأسبق للعراق بول بريمر قرارا بحل الجيش العراقي وتسريح جنوده وضباطه، وقال آنذاك إن القوات الأميركية في العراق بصدد إعادة بناء جيش وشرطة وقوات أمن جديدة لا يمت أفرادها بصلة إلى النظام السابق، ومنذ ذلك الوقت وحتى بداية العام الثاني من الاحتلال سارت عجلة إعادة البناء سيرا متثاقلا بطيئا لا يتناسب مع الفراغ الذي خلفه ذلك القرار والذي يصفه الكثير من المحللين العسكريين بالخطأ الإستراتيجي.
 
لكن مع بداية العام الثاني للاحتلال لوحظ نشاط أميركي في تسريع عملية إعادة بناء هذا الجيش، وقد جاء ذلك بعد تراكم العديد من الدراسات الأمنية والعسكرية وتواتر الكثير من توصيات القادة الميدانيين الأميركيين في العراق والقاضية بضرورة تغيير أسلوب عمل القوات الأميركية هناك لتتحول من التواجد وسط التجمعات السكانية والعمل العسكري المباشر إلى نهج تقديم الدعم والإسناد للقوات العراقية الوليدة والاكتفاء بالتواجد في الخطوط الخلفية والتقدم السريع كلما لزم الأمر.
 
من هنا ونتيجة لهذه "الحاجة الوظيفية" للقوات العراقية بدأت الإدارة الأميركية تسريع خطى إعادة بناء الجيش والشرطة وقوات الأمن العراقية الأخرى، وقد سارت الأمور فيما يتعلق بالجيش تحديدا على النحو التالي:
 
الجيش العراقي الجديد

م

النوع

المطلوب

الموجود

غير المدرب

في التدريب

الذي تدرب

1

الجيش

27.000

12.699

0

7.910

4.789

2

الحرس الوطني

61.904

41.461

0

2.189

39.272

3

قوات الطوارئ

6.584

7.417

0

5.489

1.928

4

القوات الخاصة

1.967

651

0

75

576

5

القوات الجوية

502

182

0

39

143

6

خفر السواحل

409

412

0

130

282

7 المجموع 77.175 62.822

0

15.892 46.990

* المصدر: وزارة الدفاع الأميركية، 22سبتمبر/أيلول 2004
 
وكما هو واضح من الجدول السابق فإنه كان مطلوبا من وجهة نظر رسمية أميركية أن يتألف الجيش العراقي من 77 ألف جندي، لكنه وحتى التاريخ المذكور (سبتمبر/أيلول الماضي) ناهز العدد الموجود فعليا 62 ألفا أي أن العجز وصل إلى 15 ألفا، فهل هذا الرقم القليل نسبيا يعني أن العراق بات قاب قوسين أو أدنى من استكمال قوته العسكرية المنشودة؟ الإجابة عن هذا التساؤل تكمن في التفاصيل التالية:
  • معظم أفراد الجيش العراقي الجديد غير مؤهلين، حيث أن نسبة تتراوح بين 25 - 33% من إجمالي ما هو موجود بالفعل (62.822 ألف جندي) إما أنهم تركوا الخدمة بعد شهور قليلة وإما أنهم قد أخذوا جرعات خفيفة من التدريب كلما عنَّ أو تسنى لهم ذلك.
  • أعداد المتدربين التي تذكرها وزارة الدفاع الأميركية غير مؤكدة ولا تحظى بالمصداقية لدى قطاع واسع من خبراء الأمن والدفاع الأميركيين أنفسهم.
  • نوعية التدريب التي يتلقاها من تبقى من العدد المذكور لا تتناسب مع المهام المطلوبة منهم.
  • نسبة الأسلحة الأساسية التي يحتاجها الجيش العراقي الجديد والمسموح له أميركيا بامتلاكها لا تتجاوز 55% من احتياجاته الفعلية، ومن ذلك على سبيل المثال: أن الجيش الوليد لا يمتلك إلا نصف احتياجاته فقط من وسائل النقل (4.421 ناقلة) ولا تتجاوز نسبة ما يمتلكه من أجهزة اتصال 28%، وما بحوزته من الخوذات والدروع والسترات الواقية أقل من النصف (46%).
  • نمط تسليح هذا الجيش يعتمد في معظمه على الأسلحة الخفيفة ويعكس الرغبة الأميركية في أن يكون بعيدا عن المدرعات والأسلحة الثقيلة الأخرى.


الأمر إذن يبدو في جوهره بعيدا عن فكرة الجيوش النظامية المؤسسة لحماية الدولة ضد أي تهديد خارجي، وهو ما يعكسه حجم هذا الجيش ونوعية تدريبه وتسليحه، فهل ينطبق النهج نفسه على إعادة بناء قوات الأمن والشرطة؟

ثانيا: الشرطة العراقية.. إشكاليات ولاء وشح إمكانيات 
أحد أفراد الشرطة العراقية
لا يختلف الحال كثيرا بالنسبة لإعادة بناء قوات الأمن والشرطة العراقية، فمن حيث الحجم المطلوب لاستقرار الأوضاع الأمنية في الشارع العراقي يقول القادة الأميركيون إنه ينبغي ألا يقل عن 172 ألف شرطي ورجل أمن، ويقررون أن ما هو متوفر من هذا العدد وصل إلى 100 ألف حتى شهر سبتمبر/أيلول الماضي، ويؤكدون أن هذا العدد التحق بالخدمة فعليا كما يؤشر إلى ذلك الجدول التالي:
 
قوات الأمن والشرطة العراقية

م

النوع

المطلوب

الموجود

غير المدرب

في التدريب

المدرب

1

الشرطة

135.000

84.850

46.176

3.479

34.295

2

قوات التدخل المدني

4.800

0

0

0

0

3

وحدة الطوارئ

270

83

0

0

83

4

قوات حرس الحدود

32.000

16.798

2.000

485

14.313

5

المجموع

172.070

101.891

48.178

3.964

49.691

 
* المصدر: وزارة الدفاع الأميركية، 22 سبتمبر/أيلول 2004
 
وتحكي القراءة المتأنية والتفصيلات الدقيقة للجدول السابق الكثير: 
  • هناك عجز بين ما هو مطلوب وما هو موجود فعليا (على فرض صحة الأرقام المعلنة أميركيا) يقدر هذا العجز بـ 71 ألف شرطي.
  • ما بين 25 - 33% من مجموع من دخلوا الخدمة (أي أكثر من الثلث) لم يتلقوا تدريبا، والكثير منهم قد ترك الخدمة بالفعل خوفا على حياته من العمليات التي تستهدف رجال الأمن والشرطة. 
  • معظم الأفراد التابعين لجهاز الشرطة والأجهزة الأمنية الأخرى يعملون بشكل مختلط في أكثر من وحدة، مما يصعب معه الحزم والضبط الإداري، وقد تسبب هذا الأمر في بقاء أغلبية هؤلاء الأفراد خارج نطاق الخدمة الفعلي رغبة منهم في إعالة أسرهم من طرق أخرى.
  • تعاني الشرطة العراقية وبقية الأجهزة الأمنية الأخرى من إشكاليات الولاء حيث تقل ثقة الأميركيين فيهم ويعتقدون بأن الكثير من أفراد هذه الشرطة على اتصال بشكل أو بآخر بالمقاومة.
  • مشكلة الفساد المالي المنتشرة داخل هذا الجهاز الوليد كما يقول القادة الأميركيون من المشكلات المعيقة عن الأداء الفعال لها.

يبدو إذن بعد هذا العرض أن إعادة بناء الجيش وأجهزة الأمن والشرطة العراقية وما شهدته هذه العملية من تعثر حتى الآن قصة من المتوقع أن تطول فصولها كلما طال أمد الاحتلال.
_______________

الجزيرة نت
المصادر:

* أنتوني كوردسمان واحد من أهم المفكرين الأميركيين الإستراتيجيين وأحد كبار المتخصصين في شؤون الأمن والدفاع بمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في الولايات المتحدة.

An Effective US Strategy for Iraq, ANTHONY H. CORDESMAN, February 1, 2005, page 5,

The Critical Role of Iraqi Military, Security, and Police Forces, Necessity, Problems, and Progress. Anthony H. Cordesman, Fourth Revised Draft: October 7, 2004 (3.2)

New Iraqi Army, Global security org

Iraq, Security Forces, Sharon Otterman, Council On Foreign Relations