أتراك يحتجون على سياسات صندوق النقد الدولي التي تعتبر أهم قضايا الانتخابات الحالية

*بقلم/ سعد عبد المجيد

تعتبر الانتخابات التشريعية التي تشهدها تركيا حاليا واحدة من أكثر الانتخابات العامة طرحا ومناقشة لقضايا داخلية وخارجية على شكل واسع، لم يحدث أن عرفتها الانتخابات التركية التي بدأت عام 1946.

ويمكن عزو هذا الأمر للتجربة البارزة التي تشهدها تركيا منذ عشر سنوات في مجال الإعلام الخاص (محطات تلفزيونية وإذاعات ومواقع إنترنت). فعلى صعيد قضايا الداخل المثيرة للرأي العام تأتي قضايا مثل:

  • البطالة
  • الحجاب
  • التعليم
  • الرعاية الصحية
  • السياسات الزراعية
  • أعمال الفساد ونهب وسلب المال العام
  • الإصلاحات الاقتصادية ودور صندوق النقد الدولي.

أما القضايا الساخنة في السياسة الخارجية فهناك:

  • المشكلة القبرصية
  • إلحاق تركيا بعضوية الاتحاد الأوروبى
  • التهديدات الأميركية للعراق والدور المطلوب من تركيا في هذا الصدد.

ولما كان المكان لا يتسع هنا للحديث عن كل القضايا الداخلية والخارجية التي تشغل الرأي العام، فإنني سأعرض في الأسطر القادمة قضيتين من قضايا الداخل وثلاثا من قضايا الخارج. وحيث إنه من الصعوبة استعراض موقف كل الأحزاب السياسية المشاركة (19 حزبا) من تلك القضايا، فسوف أستعرض موقف أربعة اتجاهات سياسية رئيسية في الساحة التركية، وهي التيار اليميني والتيار اليساري والتيار القومي وأخيرا التيار الديمقراطي المحافظ والذي يطلق عليه أحيانا اسم التيار الإسلامي.

القضايا الداخلية

أولا: قضية الحجاب


ينظر الجيش التركي لنفسه على أنه الجهة الوحيدة الأمينة على مبادئ وأفكار أتاتورك وعلى رأسها المبدأ العلماني اللاديني، ومن هنا ينظر الجيش بعين الشك والريبة للتعليم الديني الإسلامي ويفرض على الحكومات المدنية منذ عام 1960 أشكالا مختلفة من الضغوط

تعتبر مشكلة حق المرأة في ارتداء الحجاب في التعليم والعمل واحدة من أسخن القضايا الداخلية المطروحة بقوة على الساحة السياسية التركية منذ عشرين سنة تقريبا، ومع هذا فلم تصل هذه المشكلة لحل نهائي حتى اليوم. على أن هذه المشكلة المزمنة والتي تشغل نسبة تقارب 80% من نساء تركيا وأكثر من 50% من رجالها، قد دخلت هذه المشكلة منعطفا مهما منذ عام 1997، في أعقاب التدخل العسكري من قبل مجلس الأمن القومي وقت حكومة حزب الرفاه. فقد قام الجناح العسكري من مجلس الأمن القومي يوم 28/2/1997 بفرض 18 شرطا على الحكومة الائتلافية المدنية التي كان يتزعمها الزعيم الإسلامي نجم الدين أربكان. ومع رفض أربكان وحزب الرفاه تطبيق تلك الشروط والتي كان من بينها منع ارتداء الحجاب في المدارس والجامعات، أجبر مجلس الأمن القومي ورئاسة أركان الجيش حكومة حزب الرفاه على تقديم استقالتها في يونيو/ حزيران 1997 في ظل تهديدات مبطنة وأخرى علنية بالقيام بانقلاب عسكري. وفي أغسطس/ آب 1997 وافقت الحكومة الائتلافية برئاسة مسعود يلماظ ونائبه بولنت أجاويد على قانون التعليم المستمر غير المنقطع ثماني سنوات في المرحلة التعليمية الأساسية، مما أدى إلى إغلاق المرحلة الإعدادية من مدارس الأئمة والخطباء الدينية، وذلك تمهيدا للإغلاق النهائي لتلك المدارس وهي المدارس الوحيدة التي كان مسموحا فيها للبنات بارتداء الحجاب.

ينظر الجيش التركي لنفسه على أنه الجهة الوحيدة الأمينة على مبادئ وأفكار أتاتورك وعلى رأسها المبدأ العلماني اللاديني، ومن هنا ينظر الجيش بعين الشك والريبة للتعليم الديني الإسلامي ويفرض على الحكومات المدنية منذ عام 1960 أشكالا مختلفة من الضغوط وبخاصة على التيار الإسلامي الذي يصفه بالرجعي. من هنا جاء إصدار قرار منع المحجبات من التعليم بكل أنواعه عام 1998، على يد حكومة الائتلاف الحالية بزعامة بولنت أجاويد، وبإيعاز من مجلس الأمن القومي.

تقول جريدة "وقت" التركية في تقرير لها نشر يوم 12 /9/2002 عن تقرير لجمعية التغريب التركية ذكرت فيه أن مدارس الأئمة والخطباء قد تلقت ضربة قاسية على يد نظام التعليم غير المنقطع ثماني سنوات، حيث انخفض عدد الطلاب في هذه المدارس إلى 736,71 ألف طالب وطالبة، بينما كان العدد 809,492 ألف طالب وطالبة عام 1997، وذلك بنسبة تعادل 85%. وذكرت الجريدة أن مجموعة التغريب (BTK) قدمت تقريرا لمجلس الأمن القومي، أشارت فيه إلى النجاح الذي حققه مجلس الأمن بقرارات يوم 28 فبراير/ شباط 1997. التقرير نفسه ذكر أيضا أن كل الجامعات والمدارس ومراكز التعليم التابعة لجماعة النور داخل وخارج تركيا وعددها 254 جامعة وثانوية، كلها تحت الرقابة والرصد لمنع الأنشطة والفعاليات الرجعية على حد وصف التقرير.

1- موقف التيار اليميني
هذه القضية المؤرقة لنصف عدد الطالبات فى تركيا تقريبا تتعامل معها معظم الأحزاب السياسية بشكل حساس حتى لا تتهم بالرجعية أو العداء للعلمانية، وإن كان حزب الحركة القومية (MHP) المؤتلف بالحكم –قومي متشدد-، يدافع عن فشله في تنفيذ وعده الانتخابي لعام 1999 بحل هذه المشكلة، وصرح بأن وضع الحكومة الائتلافية أعاقه من تنفيذ وعده، ومن ثم طلب إسماعيل كوسه وكيل رئيس المجموعة البرلمانية للحزب من الجماهير توصيل الحزب بمفرده للحكم لكي يتمكن من حل هذه المشكلة.

2- موقف التيار الإسلامي
حزب السعادة (SP) ذو الميول الإسلامية، يعد الجماهير فى الميادين بأنه الحزب الوحيد بتركيا القادر على التصدي لهذه المشكلة وحلها جذريا حال بلوغه سدة الحكم. ويصف أربكان هذه المشكلة بأنها ظلم وتعسف يمارسه التيار اللاديني بتركيا، وهذا الظلم لن يستطيع حزب غيره أن يوقفه ويتصدى له.

رجب طيب أردوغان رئيس حزب العدالة (AKP) -ديمقراطى محافظ - قال يوم 29/10/2002 أمام الجماهير المحتشدة لدعم الحزب، إنه بعد يوم 4/11 (اليوم التالي للانتخابات) لن يكون هناك شيء اسمه إلقاء القبض على أولياء الأمور أو وضع الحديد في أيدي الشباب المعارض لتعسف منع المحجبات من التعليم والعمل، حزبنا سيرفع كل العوائق الموضوعة أمام حرية التعليم.

3- موقف تيار يمين الوسط
تيار يمين الوسط المعبر عنه حزبا الوطن الأم (ANAP) والطريق القويم (DYP)، يتميز بعدم الوضوح الكامل. ففي الوقت الذي يرى مسعود يلماظ رئيس حزب الوطن الأم أن الظروف الحالية غير مهيأة للحل، وأن الأمر يحتاج للمزيد من الوقت، فإن تانسو تشيللر رئيسة حزب الطريق القويم، تقول في مؤتمرات الحزب الجماهيرية، إن حزب الوطن الأم شارك في قرارات منع الفتيات من دخول المدارس والجامعات، وأن حزبها لن يقبل استمرار هذه المشكلة.

4- موقف تيار يسار الوسط الاجتماعي
أما دنيز بايكل رئيس الحزب الجمهوري (CHP) –يسار الوسط الاجتماعي– فيرى أن هناك جهات حولت هذه المسألة للجانب والرمز السياسي، وهذا الذي عمق المشكلة، ومع هذا فحزبنا مع الحرية الكاملة بكل أنواعها. ولم يحدد بايكل موقف حزبه من هذه المشكلة بعينها، ولكنه أطلق العنان لعباراته الممطوطة والقابلة للتأويل.

أما حزب اليسار الديمقراطي بزعامة بولنت أجاويد فإنه يرفض الحجاب على طول الخط، ويعتبره سمة سياسية في تركيا ولا ينظر إليه من زاوية المعتقد الإيماني، وقد أثيرت قضية طرد العضوة البرلمانية المنتخبة مروة قاوقجي في 1999 بل وسعى لإسقاط الجنسية عنها وصدق على ذلك بقرار.

ثنايا: قضية البطالة والاستقرار الاجتماعي


تعد البطالة من المشاكل الرئيسية التي يعاني منها المجتمع التركي، وخاصة قطاع الشباب سواء في محافظات الريف أو المدينة على حد سواء حيث شهد قطاع العمل أسوأ فترة تراجع فى السنوات العشر الأخيرة، حيث ارتفع فيها معدل البطالة إلى ما يقرب من 20%

نتيجة للأزمة الاقتصادية التي وقعت في فبراير/ شباط 2001 ولازالت مستمرة حتى هذه اللحظات، فإن قطاع العمل شهد أسوأ فترة تراجع فى السنوات العشر الأخيرة، حيث ارتفع فيها معدل البطالة إلى ما يقرب من 20%، طبقا لتقارير هيئة التخطيط التركية (DPT) ومعهد الإحصاء التركي (IDE)، مع الوضع في الاعتبار أن هناك تضاربا بين الأرقام التي تعلنها وسائل الإعلام التركية عن أعداد البطالة العمالية في أعقاب الأزمة الاقتصادية، والأرقام التي تعلن رسميا من طرف مؤسسات الدولة، بحيث يظهر فارقا يقدر بمليون عامل، فقد ذكرت صحف ميلليت وحريت ووقت ووطن في تقارير لها خلال الأسبوع الماضي، بأن هناك 5,2 ملايين عاطل في تركيا، وتأتي أرقام هيئة التخطيط التركية لتشير إلى أن الرقم 5,1 ملايين.

من هنا تعد مشكلة البطالة واحدة من المشاكل الرئيسية التي يعاني منها المجتمع التركي، وخاصة قطاع الشباب سواء في محافظات الريف أو المدينة على حد سواء. إلا أن هذه المشكلة تظهر بنسب بين 40-60% -طبقا لتقارير وسائل الإعلام التركية- في محافظات شرق وجنوب تركيا المتاخمة مع الحدود السورية والعراقية والإيرانية.

أما كيف تنظر الأحزاب السياسية لحل هذه المشكلة الاجتماعية الخطيرة والتي تؤثر مباشرة على استقرار البلاد فيمكن تلخيصها على النحو التالي:

1- موقف تيار يسار الوسط الاجتماعي
فقد وعد كمال درويش -وزير الاقتصاد السابق ومرشح الحزب الجمهوري (CHP) معارض من خارج المجلس عن الدائرة الأولى لمحافظة إستنبول- الناخبين بتوفير مليون فرصة عمل حال بلوغ حزبه الحكم يوم 3/11/2002.

أما إسماعيل جيم وزير الخارجية السابق ورئيس حزب تركيا الجديدة (YTP–المعارض البرلماني)، فيؤكد على أهمية توفير فرص العمل للمواطن للتخفيف من آثار الأزمة الاقتصادية ومعدلات البطالة، ولكنه لم يوضح في أحاديثه الانتخابية، السبل والوسائل التي سيلجأ إليها الحزب لمواجهة هذه المشكلة حال بلوغه الحكم.

2- موقف التيار الإسلامي
بينما وعد الزعيم الإسلامي نجم الدين أربكان القائد الروحي لحزب السعادة (SP) (المعارض البرلماني) ورجائي قوطان رئيس الحزب، الجماهير في الميادين الانتخابية بتعزيز التجارة الحدودية مع العراق وسوريا، وتشغيل خط نقل البترول العراقي-التركي بشكل أكبر، وتقليص الإنفاق الحكومي، ومنع انتقال الأموال العامة لأصحاب الشركات الخاصة العملاقة، والعمل على تحريك الأموال في البنوك، علاوة على عدم الخضوع لتعليمات صندوق النقد الدولي بتسريح العمال والموظفين. هذا إلى جانب تذكير أربكان الناخب التركي بوزارة الدولة لشؤون ورعاية المواطن الاجتماعية التي استحدثها وقت حكومته الائتلافية يونيو/ حزيران 1996 - يونيو/ حزيران 1997، وما قامت به من إنجازات في مجال رعاية المحتاجين والفقراء.

3- موقف أحزاب الحكم الثلاثة
بالنسبة لأحزاب الحكم الثلاثة (الديمقراطي اليساري + الحركة القومية + الوطن الأم) فلم تتحدث مع الجماهير في هذه المشكلة ولم تقدم في برامجها وعودا لحلها، ولم يتطرق إليها أجاويد أو مسعود يلماظ، بشكل مباشر وإن تحدثا عن الجهود التي بذلتها الحكومة من أجل الإصلاح الاقتصادي، ولكن دولت بهجلي رئيس حزب الحركة القومية (MHP) أعلن في أحد اللقاءات الجماهيرية والشعبية، أنه يشعر بالخجل من تفشي البطالة، وطلب من الجماهير توصيله للحكم منفردا لحل هذه المشكلة.

قضايا خارجية

أولا: سياسات صندوق النقد الدولي

على الرغم من أن تشكيل لجنة متخصصة من طرف صندوق النقد الدولي لوضع برامج وسياسات اقتصادية لتركيا قد بدأ عام 1994 مع وقوع الأزمة الاقتصادية الأولى، وبالرغم من أن حركة الديون الخارجية –تتضارب الأرقام حولها بين 120-230 مليار دولار- قد بدأت منذ عدة سنوات، فإن قدوم واستدعاء كمال درويش نائب رئيس البنك الدولي السابق لتركيا في مارس/ آذار من العام الماضى، والذي عينه بولنت أجاويد في الشهر نفسه وزيرا للاقتصاد، قد وضع صندوق النقد الدولي في قفص الاتهام الدائم من طرف الطبقة العمالية التركية والتي تضررت من جراء سياساته. ولا توجد تظاهرة تركية أو احتجاج وقع في تركيا خلال الأشهر القليلة الماضية إلا ويتم الهتاف فيه ضد الصندوق.

1- موقف تيار يمين الوسط
لذا فإن حزب الطريق القويم (DYP) المعارض برئاسة تانسو تشيللر يرى ضرورة إعادة النظر في برامج وشروط صندوق النقد الدولي، لكي تخفف الأعباء عن كاهل المواطن، كما يتهم الحزب حكومة الائتلاف الحالية بالاستسلام لصندوق النقد الدولي. وتقول تشيللر التي تعمل أستاذة للاقتصاد في الوقت نفسه، إنها إذا قامت بتشكيل حكومة ائتلاف بعد الانتخابات مع الحزب الجمهوري سترسل كمال درويش للمنزل أو أميركا مرة أخرى.

2- موقف التيار الإسلامي
حزب السعادة (SP) (المعارض) الذي يعد الناخب بتمزيق مجمل الاتفاقيات وخطابات النوايا الموقعة مع صندوق النقد الدولي في حالة فوزه بالحكم، وسيقوم بالحد من معدلات الفوائد البنكية –تتراوح بين 65-100% لليرة التركية في الوقت الحالي- لدفع عجلة الاستثمار الصناعي والتجاري وتعزيز الإنتاج من أجل سداد الديون الخارجية ومن ثم التخلص النهائي من سيطرة الصندوق على مقدرات الاقتصاد التركي، كما أعلن أربكان الزعيم الروحي للحزب ورئيس الوزراء الأسبق في مؤتمر جماهيري بمحافظة سقاريا يوم 30/10/2002، بأن حزب السعادة سيسير عنادا في طريق معاكس لما يريده صندوق النقد الدولي.

حزب العدالة والتنمية (AKP) الذي يتهم من طرف الكثير من الأحزاب اليسارية المتشددة، بأنه سيكون ألعوبة في يد مندوب صندوق النقد الدولي -كذا الحزب الجمهوري المرشح للفوز بالمرتبة الثانية في الانتخابات- أعلن مرشحه البرلماني عمر شاليق، يوم 30/10/2002 بأن حزبه سيعيد النظر في السياسات المطبقة من طرف صندوق النقد الدولى.

الحزب اليساري الديمقراطى (DSP) بزعامة بولنت أجاويد يؤيد برامج وسياسات صندوق النقد الدولي، لذا أعلن معصوم تركر وزير الاقتصاد في لقائه مع أعضاء غرفة الصناعة بأنقره يوم 30/10/2002م، أن درويش قام بعمل اللازم في الاقتصاد التركي.

ثانيا: عضوية تركيا بالاتحاد الأوروبي

ضم تركيا لعضوية الاتحاد الأوروبي من أبرز القضايا التي تشغل السياسيين والمواطنين ووسائل الإعلام بتركيا في السنوات الخمس الأخيرة. فبعد انضمام تركيا لاتفاقية الاتحاد الجمركي مع أوروبا عام 1994، كثف وزراء الخارجية من أحزاب الوطن الأم والديمقراطي اليساري جهودهما لإقناع الاتحاد الأوروبي بتقديم موعد لبدء مفاوضات الضم.

لقد تحولت هذه المسألة إلى ما يشبه الحلم بالجنة عند قطاع واسع من الشعب التركي، فمعظم الاستطلاعات التي أجرتها مراكز بحوث الرأي العام أو تلك التي أجريت من طرف الصحف التركية بواسطة شبكة المعلوماتية (إنترنت)، أوضحت أن نسبة ما بين 65-75% من الشعب التركي يريد الانضمام للاتحاد الأوروبي.

إن التأثيرات السلبية المستمرة للأزمة الاقتصادية التركية، قد دفعت الكثير من قطاعات الشعب إلى البحث عن ملاذ للخروج من تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ومن ثم تجد دعوى أحزاب مثل الوطن الأم والطريق القويم والعدالة والديمقراطي اليساري وتركيا الجديدة لضم تركيا للاتحاد الأوروبي، استجابة واسعة لدى الشعب التركي. حتى إن الحكومة الائتلافية الحالية قد خصصت وزارة دولة للعلاقات مع الاتحاد الأوروبي، تولاها مسعود يلماظ نائب رئيس الوزراء ورئيس حزب الوطن الأم.

على أن هناك بعض الأحزاب التركية غير المتحمسة لهذا المشروع، ويأتي على رأسها أحزاب مثل الحركة القومية(المؤتلف بالحكم) والسعادة (المعارض البرلماني).

1- موقف تيار يمين الوسط
فعلى صعيد الأحزاب المؤيدة يأتي حزب الوطن الأم (ANAP) –يمين الوسط- الذي جعل من مشروع ضم تركيا لأوروبا مشروعه الحزبي الأول في الانتخابات الحالية.

ويعتبر يلماظ أن تفويت فرصة الضم للاتحاد تمثل خسارة ضخمة ليس لأجيال اليوم وإنما أيضا لأجيال المستقبل، ومن ثم دخل في مواجهة مع حزب الحركة القومية في السنة الأخيرة وخاصة بعد تصديق البرلمان على الإصلاحات القانونية السياسية في أغسطس/ آب الماضى، بسبب إصرار الحركة القومية على عدم تطبيق تلك الإصلاحات وإعاقة إصدار القرارات الوزارية اللازمة.

2- موقف التيار الإسلامي
حزب العدالة والتنمية (AKP) المعارض البرلماني والذي يتزعمه رجب طيب أردوغان، يرى مرشحه البرلماني والمستشار القانوني للحزب أرطغرل بايير أن حزبه سيسعى لتوفير أجواء الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وسيادة القانون، لأنها الأرضية الحقيقية المؤهلة للضم للاتحاد الأوروبي على صعيد الأحزاب المعارضة للضم في ظل شروط وثيقة الضم والشراكة التي قبلتها أوروبا من تركيا في مارس/ آذار من العام الماضي.

أما حلمي طانيش مرشح البرلمان عن حزب السعادة SP المعارض البرلماني وصاحب التوجه الإسلامي، فيرى ضرورة ضم تركيا لأوروبا، ولكن على شرط عدم فرض ضغوط عليها، ويقول نريد ونسعى للضم للاتحاد الأوروبي ولكن باحترام، لقد تعبنا من السعي والركد وراء هذه المسألة منذ 40 سنة والمفروض أن نرتاح قليلا ونؤجل النظر فيها.

3- موقف التيار اليميني
يقول دولت بهجلي رئيس حزب الحركة القومية (MHP) في مؤتمر جماهيري، إننا لسنا ضد الضم للاتحاد الأوروبي، ولكنا نريد الانضمام بشرف وكرامة، مثلما لا نقبل شروطا وضغوطا مسبقة لضمنا.

ثالثا: القضية العراقية
تعتبر القضية العراقية من القضايا المهمة في الساحة السياسية التركية، ولكن هناك انقساما شديدا في الرأى حولها:

1- موقف التيار الإسلامي
فأحزاب مثل السعادة ذي الميول الإسلامية تعارض هذه الحرب بكل قوة ويرفضها جملة وتفصيلا ويعتبرها ترسيخا للوجود الأميركي في المنطقة.

وحزب العدالة والتنمية بزعامة طيب أردوغان يتحاشى الحديث صراحة حول هذه الحرب، وذلك تجنبا للدخول في مصاعب مع الإدارة الأميركية قبل وصوله للحكم، وإن كانت قواعد الحزب تعارض الحرب وهناك شرائح معينة داخله تضع شروطا للمشاركة فيها من باب حساب الخسائر والأرباح.

2- موقف تيار يسار الوسط الاجتماعي
وحزب تركيا الجديدة برئاسة جيم يرفض الحرب ويقول إنه من غير المقبول أن نرسل أبناءنا للحرب من أجل البترول.

3- موقف يمين الوسط
ولكن أحزاب الوطن الأم والطريق القويم وهما المعبران عن يمين الوسط، يقبلان المشاركة بالحرب على شرط تقديم ضمانات وتعويضات مالية أميركية.

وفي ختام هذا العرض السريع لأبرز قضايا المشهد السياسي التركي يمكننا القول إن القضايا الداخلية والخارجية تساويان في ما بينهما من ناحية التأثير على رأي الناخب. فنسبة كبيرة من أصوات المرأة المحجبة بتركيا ستذهب إلى حزبي العدالة والتنمية والسعادة باعتبار أنهما تعهدا بالوقوف بجوار قضية حق المرأة في ارتداء الحجاب، وقطاع الشباب والذي يتضرر كثيرا من قضية تفشي البطالة هو الآخر سيعطي أصواته لحزب العدالة من باب الثقة في شخصية أردوغان والنجاح الذي حققه في رئاسة بلدية إستنبول. ورغم كل التوقعات التي يمكن أن تقال في هذا الباب لن تخلو نتائج هذه الانتخابات وما ستسفر عنه من مفاجآت.
______________
*
متخصص في الشؤون التركية، إستنبول.