*بقلم/ كمال حبيب

كمال حبيب
واكب ظهور التيارين الجهادي والسلفي ما يطلق عليه "التأسيس الثاني لجماعة الإخوان" في مطلع السبعينيات، ومن بين ما شكل وعي التيار الجهادي بالذات الحديث عن عذابات الإخوان في السجون الناصرية التي انتشرت على نطاق واسع في عصر السادات.

حرب باردة
وكانت إحدى المفارقات التاريخية هي أن التيار الجهادي أراد أن يثأر لما تعرض له الإخوان من تعذيب في حين كان الإخوان العائدون من السجون قد قرروا خطاً حركياً جديداً يمثل إلى حد بعيد قطيعة مع تراثهم السابق كما يمثل حصيلة لخبرة السجن الدامية، فقد أعلن الإخوان العائدون أنهم يتبنون بشكل كامل ما جاء في كتاب "دعاة لا قضاة" الذي وضعه الأستاذ حسن الهضيبي في السجن، وكان ذلك يعني نبذ المواجهة بشكل تام مع النظام السياسي المصري باعتباره نظاما مسلماً، والقبول بالعمل داخل الأطر القانونية والسياسية التي يسمح بها النظام.

وتكتمل المفارقة التاريخية في علاقة التيار الجهادي البازغ داخل الجامعة بالإخوان بقرار الإخوان أنفسهم أنه لا وقت لديهم لتضييع الوقت مع أفكار الشباب الجهادي في حواراتهم مع التيار الطلابي الجديد لاستقطابه للدخول في الجماعة. وأعلن شيوخ الجماعة الخارجون من السجن أن سيد قطب لا يمثل الجماعة في أفكاره وأن الشباب القطبي الذي تبنى أفكاره ليس من الإخوان. ومثلت أفكار قطب إلهاماً للتيار الجهادي كما مثلت الأفكار السلفية التي تدعو إلى اتباع السلف الصالح باعتبارهم خير قرون الأمة أهم مصادر ما نطلق عليه نظرية المعرفة للحركة الجهادية.

وبينما كان شيوخ الإخوان ومن دخل معهم من الشباب الإسلامي الجديد في الجامعة يتجولون في الجامعات الأخرى للحصول على بيعة الدخول في الإخوان الجماعة الأم، اكتشفوا أن هناك قطاعات طلابية ترفض توجه الإخوان الفكري الجديد الذي ركن إلى الدعة وإيثار السلامة. وكانت هذه القطاعات في الصعيد بأكمله تقريباً وفي الدلتا خاصة في جامعة الأزهر والعديد من الكليات الأخرى في جامعة القاهرة والإسكندرية وغيرها من جامعات مصر.


أعلن شيوخ جماعة الإخوان الخارجون من السجن أن سيد قطب لا يمثل الجماعة في أفكاره وأن الشباب القطبي الذي تبنى أفكاره ليس من الإخوان
كان الذين رفضوا الذهاب مع الإخوان من الطلاب الإسلاميين هم نواة التيارين الجهادي والسلفي المصريين -فيما بعد- واستطاع هذان التياران رغم حداثتهما أن يمثلا تحدياً حقيقيا لحركة الإخوان على مستوى النفوذ والأفكار، أو ما يمكن أن نطلق عليه "حرب أفكار باردة" بين الجهاديين والسلفيين من ناحية وبين الإخوان من ناحية أخرى.

ويمكن القول إن التيارات الجهادية كانت تمثل استمراراً لتقاليد "النظام الخاص" الذي أسسه الشيخ "حسن البنا" مع تطور أفكاره نحو صورة جماعته من ناحية وقراءته للواقع المصري الداخلي والواقع الإقليمي فيما يتصل بالقضية الفلسطينية خاصة. أما التيار السلفي الذي بزغ في السبعينيات فهو يمثل استمراراً لتقاليد النظام الخاص من حيث قوة التزامه وتمسكه السلوكي والأخلاقي وأيضا العقائدي، لكن التواصل مع أفكار السلف بدا واضحا بقوة مع سيد قطب حيث قدر له أن يطالع كتب السلف القديمة، كما أن الشباب الذين كونوا معه تنظيم عام 1965 قد وضعوا مناهج فكرية ودراسية تمثل استمراراً لمناهج النظام الخاص التي أشار لها أحمد عادل كمال في كتابه "النقط فوق الحروف" وكان البعد السلفي واضحاً فيها.

وبدا أن ما قدر له الإخوان من حل النظام الخاص والتخلص من أفكار المواجهة والجهاد ونبذها بالكامل قد عادت مرة أخرى في صورة التيارين الجهادي والسلفي الجديدين. لكن الإخوان على أي حال تنفسوا الصعداء إذ اعتبروا أن الشباب الجديد لا صلة لجماعتهم به وأن بينهم وبينه بعد المشرقين. ومن ناحيته اعتبر التيار الجهادي أن الإخوان المسلمين قد فرطوا في تراثهم المواجه والمجاهد وأنهم رضوا بالخنوع والعمل وفق القواعد التي يقررها لهم الطاغوت بالتعبير الإسلامي. أما التيار السلفي فقد اعتبر أن الجماعة لا تلتزم قواعد المنهج السلفي لا في التصور ولا في السلوك.

انتشار التيارين الجهادي والسلفي


استطاع التيار الجهادي منازلة النظام المصري والنيل من رأسه (الرئيس السادات)، واعتبر الإخوان وقتها أن ما حدث كان وبالا على الدعوة وخروجاً على تقاليد الجماعة الأم

واستطاع التيار الجهادي أن يحجم الوجود الإخواني بشكل كامل في الصعيد واستأثر لنفسه باسم الجماعة الإسلامية التي كان ينشط داخلها الجسد الطلابي الإسلامي قبل أن يسطو الإخوان على قطاع هام منه عبر صفقة تمت بليل مع هذا القطاع دون علم أو مشاورة بقية القيادات الطلابية في الجماعة الإسلامية، والتي كانت تنظر لنفسها على أنها تيار مستقل عن أي تيارات أو أفكار خارج أسوار الجامعة.

كما استطاع التيار السلفي في هذه الحقبة أن ينتشر بقوة مع التواصل الكبير بين الحالة الإسلامية المصرية وبين هذا التيار في المملكة العربية السعودية في هذا الوقت. وكانت المطبوعات السلفية تنتشر بقوة، كما كان استحضار صورة السلف المثالية يداعب خيال الشباب في هذه الفترة والذي اعتبر أن الإخوان بصورتهم الجديدة والمعدلة لا تقارن بصورة السلف الذين هم خير القرون وهم صورة الالتزام بالمنهج الإسلامي بشكل كامل، وليسوا بصورة الإخوان التي تعد شكلا من أشكال التكيف مع الحضارة الحديثة والواقع الجاهلي أكثر منها تعبيراً عن مواجهته أو مقاومته.

واستطاع التيار الجهادي ممثلاً في الجماعة الإسلامية والجهاد أن يحقق مفاجأة كبيرة بقدرته على منازلة النظام المصري والنيل من رأسه فيما عبر عنه بقتل "الفرعون"، وهو ما مثل مفاجأة بكل المقاييس للإخوان ولبقية القوى السياسية، واعتبر الإخوان وقتها أن ما حدث كان وبالا على الدعوة وخروجاً على تقاليد الجماعة الأم، رغم أن التيار الجهادي اعتبر أن ما جرى كان جزءا من الفعل الإيجابي للأمة تجاه تعدي السادات على الرموز الإسلامية المعنوية كالنقاب، والدعوية كالمشايخ الذين قبض عليهم ورماهم في السجون وكان منهم بالطبع قطاع مهم من الإخوان.

وفي فترة ما بعد السادات استطاع التيار الجهادي أن يحقق لنفسه وجودا مؤثراً بين قطاعات الشباب خاصة في فترة الثمانينات، إذ كان خطابه وروحه أقرب لأشواق وأفكار الشباب أكثر من النمط الإخواني. وبدت الجماعة الإسلامية خصوصا أكثر دينامية حين نزلت إلى المناطق الفقيرة مثل عين شمس وإمبابه وغيرهما، وهي المناطق التي تعرف بأحزمة الخطر المطوقة للعاصمة. وأبدت الجماعة قدرة هائلة على التفاعل مع واقع هذه المناطق وحققت جذبا لقطاعات واسعة منهم، إلى حد أن هذه المناطق بدت وكأنها مقاطعات إسلامية. وتمكنت الجماعة الإسلامية الجهادية فعلا أن تكون فرس رهان مع الإخوان، كما انتشرت بقوة الأفكار الجهادية والسلفية على نحو غير مسبوق في مصر.

ومثل الاستقطاب نحو العنف غير المبرر من جانب التيار الجهادي في مواجهته مع النظام المصري كارثة كبيرة لهذا التيار أفقدته الروح التربوية والدعوية، كما أفقدته التواصل مع الجماهير. وخلقت دورة العنف في التسعينات ما يمكن أن نطلق عليه نزع "الشرعية الأخلاقية والدعوية" للتيار الجهادي الذي أصبح السلوك العسكري العنيف مسيطرا على أدائه، لكن التيار السلفي بقي محافظا على هذه الروح الدعوية والأخلاقية بحرصه على عدم الانخراط المبكر مع النظام المصري في مواجهة غير محسوبة ولم تستكمل بعد أدواتها، لذا فقد بقي يجتذب قطاعاً واسعا وكبيراً من الشباب المصري الحريص على طلب العلم الشرعي واستكمال أدواته.

لكن التراجع الجهادي في التسعينات ترك الساحة مفتوحة للإخوان، ومع إعلان الجماعة الإسلامية مراجعاتها وعودتها عن خطها الفكري الذي بدأت به والذي كان يميزها فكريا وحركيا عن الإخوان يمكن القول إن الإخوان أصبحوا هم القوة الفاعلة الوحيدة من الناحية السياسية على الساحة المصرية، إذ أدى تراجع الجماعة الإسلامية بشكل مفاجئ وكامل عن كل تراثها الفكري إلى حالة من فقدان الثقة والإحباط وعدم اليقين بين شبابها، كما أن السؤال الصعب وهو: لم كانت المواجهة إذاً؟ ولم كانت السجون؟ ولم كان القتل والقتال والتضحيات؟ بل ولم كانت المفارقة مع الإخوان؟ أسئلة مطروحة بقوة.

ولم يكذب الإخوان خبراً وسارعوا إلى القول إن تراجع الجماعة الإسلامية هو عودة إلى تقاليد الإخوان التي عادوا بها من السجون الناصرية ودعوا إليها وهم سائرون على نهجها ومتمسكون بها، كما أن انصهار تنظيم الجهاد في تنظيم القاعدة أواخر التسعينات وتأسيسه "الجبهة العالمية لقتال اليهود والصليبيين" عام 1998 واعتباره أن الخطر الداهم على الإسلام ليس الأنظمة القريبة وإنما التحالف الصهيوني الأميركي، وأن فرض الوقت هو المواجهة مع أميركا واليهود وليس المواجهة الداخلية مع الأنظمة الداخلية، وهو ما ترك المجال الداخلي أيضاً بشكل كبير للإخوان المسلمين.

فإذا أضفنا إلى ذلك اعتبار أميركا أن التيارات السلفية المتماهية مع تنظيم القاعدة وحركة طالبان الأفغانية في مرجعيتها هي خطر مطلوب مواجهته، لبدا أن الإخوان هم القوة السياسية الكبيرة التي لا تنافسها قوة إسلامية أخرى على الساحة، وأنها الجواد الرابح من كل الأحداث الجارية رغم تعرض أبنائها لقمع محدود لا يقارن بالقمع الذي لايزال مسلطا ضد أبناء التيار الجهادي.

ولكن ما هي القضايا الرئيسية التي يختلف فيها التياران الجهادي والسلفي مع الإخوان المسلمين؟

رؤية التيارين الجهادي والسلفي للإخوان


في كتابه الأخير "فرسان تحت راية النبي" اعتبر الظواهري أن جماعة الإخوان تنمو تنظيميا لكنها تنتحر عقائدياً وسياسياً، وقال إن "الجماعة أسقطت كل تاريخها".

يرى التيار الجهادي أن الإخوان نبذوا مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشكل كامل، وأنهم يؤيدون الأنظمة الجاهلية ويعتبرونها أنظمة مسلمة رغم أن مرجعية هذه الأنظمة علمانية تستبطن العداء للإسلام والمسلمين وتسخر كل أدواتها السياسية والإعلامية والتعليمية ضد القيم الإسلامية، كما أن هذه الأنظمة موالية بشكل شبه كامل لأعداء الإسلام. وتأييد الإخوان لهذه الأنظمة يضفي الشرعية عليها رغم أن الحكم الشرعي هو مقاومتها والخروج عليها أو على الأقل منابذتها وعدم الدخول في طاعتها "إذ الطاعة في المعروف" ومن ثم عدم منح الطاعة لهذه الأنظمة هو واجب شرعي. كما أن تعبيرات الأمر بالمعروف الأخرى مثل النصح والمقاومة والبيان الواضح للأمة لا يقوم به الإخوان.

ويمثل كتاب أيمن الظواهري الذي كتبه في الثمانينات بعنوان "الحصاد المر للإخوان المسلمين في 60 عاما"، نموذجا للنقد اللاذع ذي الطابع العاطفي الجارح الذي يعكس المرارة التي يشعر بها التيار الجهادي من السلوك الإخواني المؤيد للنظم غير الإسلامية وغير الوطنية من وجهة نظر هذا التيار. وكان الظواهري قد ألف كتابه عقب بيعة الإخوان لمبارك عام 1987.

وفي كتابه الأخير "فرسان تحت راية النبي" اعتبر الظواهري أن جماعة الإخوان تنمو تنظيميا لكنها تنتحر عقائدياً وسياسياً، وقال إن "الجماعة أسقطت كل تاريخها في النضال بما يحتويه من دماء الشهداء وقروح المعذبين ووجل المطاردين، بل وبكل ما يتضمنه تاريخها من التمسك بمبادئها وعقيدتها".

ويذهب التيار الجهادي إلى أن منهج البنا مؤسس الجماعة تطور من الناحية الفكرية حتى وصل في أواخر حياته إلى قناعة بأن التغيير لن يكون إلا عن طريق القوة والمواجهة، باعتبار أن الأنظمة لا يمكن تغييرها عبر الوسائل السلمية (وراجع مثلا مقال حسن البنا بعنوان معركة المصحف -أين حكم الله بتاريخ 16 مايو/أيار 1948- أورده محمد قطب في كتابه "واقعنا المعاصر").

وانتقد التياران السلفي والجهادي اعتبار التغيير عبر صناديق الانتخابات أداة شرعية، فهم يرون أن الانخراط في دخول الانتخابات والأعمال ذات الطابع الحزبي وسيلة مخالفة للشريعة الإسلامية بجانب كونها لن تؤدي إلى أي تغيير، فالبرلمانات هي بيت الطاغوت الذي ينازع الله أخص خصوصياته وهو حق التشريع، وفي هذا يقول عبود الزمر أحد رموز التيار الجهادي إن "الواجب عليهم وعلى جموع المسلمين في مصر بذل النفس والنفيس حتى نقيم دولة الإسلام حقاً.. إن معشار العدد الذي حشدتموه في مؤتمراتكم الانتخابية ومعشار المال الذي أنفقتموه في الدعاية الانتخابية أحسبه يكفي لحسم القضية التي ننشدها جميعا ولكن بالطريقة التي أمر الله بها لتكون رأس حربة في صدور أعداء الإسلام، ودعوكم من رأس القائمة التي لن تقوم بها للإسلام قائمة" (ذكرها عبود في حوارات أجريت معه).

وهناك كتاب ضخم من جزأين بعنوان "الإسلاميون وسراب الديمقراطية.. دراسة أصولية لمشاركة الإسلاميين في المجالس النيابية"، وهو يعبر عن أفكار التيار السلفي ويعتبر أن دخول مجلس الشعب والانخراط في العمل الحزبي مضيعة للوقت والجهد وتضييع لمعنى مفهوم الحاكمية، كما أنه إهدار لمفهوم "الولاء والبراء" بإقرار شرعية المفسدين والظالمين. ويرفض عبد السلام فرج في كتابه الفريضة الغائبة العمل الحزبي والانتخابي.

وينتقد التياران الجهادي والسلفي جماعة الإخوان في كونها تقوم على التجميع دون التربية العقائدية التي تحدث عنها سيد قطب في كتابه "معالم في الطريق" تحت عنوان "جيل قرآني فريد"، وكان من آثار التجميع الذي جعل أكثر من مليون يدخلون الجماعة قبل قيام الثورة -وفق ريتشارد ميتشل- هو عدم الثبات في المحنة، إذ أيد الكثيرون عبد الناصر في السجون ولم تثبت إلا فئة قليلة. ويرى هؤلاء أن التربية العقدية المتينة هي الكفيلة بحماية الدعوة والحركة وليست الأعداد الغفيرة دون تنقية العقيدة وتصفية التجمع الكبير، وهو المنهج الذي سارت عليه الدعوة الإسلامية في العهد النبوي ويتبنى التيار السلفي ما يطلق عليه منهج "التصفية والتنقية".

ويتحدث نفس التيار عن عدم الوضوح العقيدي فيما يتصل بطبيعة الفكرة الإخوانية التي تبدو لهم وكأنها نوع من التلفيق بين الصوفية والسلفية والسنية والهيئة السياسية والجماعة الرياضية والرابطة العلمية والثقافية والشركة الاقتصادية والفكرة الاجتماعية، كما ذكر البنا في رسالة المؤتمر الخامس. كما أنهم انتقدوا موقف البنا في كتابه "العقائد الإسلامية" من قضية الأسماء والصفات التي اعتبرها مسألة خلافية للخلف مذهبهم فيها وللسلف مذهبهم وكلاهما صحيح، ومن المعلوم أن قضية الأسماء والصفات تمثل جوهر مفهوم التوحيد عند التيار السلفي.

إلى جانب ذلك ينتقد التياران الجهادي والسلفي مسألة الشخصانية عند الإخوان ولكن من منظور شرعي، حيث يرون أن المنتمين لجماعة الإخوان يبالغون في تقديس وتعظيم شخصية البنا والمبالغة في اتخاذ كلامه وطريقته وكأنها نوع من الدين الذي تذوي معه شخصية الرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام، ذلك لأن التربية الإخوانية تركز بشكل مبالغ فيه على الرسائل والمأثورات والأوراد والأذكار المأثورة عن البنا أكثر من التركيز على المصادر الأخرى في الشريعة، وتكون النتيجة تقديم تعاليم البنا على غيرها من المصادر وخاصة السنة وفقه السلف ولو بشكل غير واع. ويخشى هؤلاء أنه مع تطاول الزمن يصبح البنا الأصل في حين تأتي المصادر الأخرى في المراتب التالية، وهو ما يدخل في سوء الأدب مع السنة والنبي باعتباره تقديما بين يديهما.

كما تنتقد التيارات السلفية على الفقه الإخواني المبالغة في الترخص وتتبع الرخص بطريقة وصلت حد تمييع القضايا في نفوس الناس، ويفسر هؤلاء ما يطلقون عليه ظاهرة تكيف حالة الصحوة مع الواقع الجاهلي بسبب فتاوى الإخوان التي تميل إلى تغليب الإباحة على الأخذ بالأحوط. ويذهب هؤلاء إلى أن هذا الفقه أضر بالصحوة الإسلامية عامة وبحركة الإخوان التي يبدو أفرادها وكأنهم لا صلة لهم بالمشروع الإسلامي في الممارسة على المستوى الفردي أو الأسري. وقد فجع الكثير من أبناء هذا التيار في المرات التي قدر لهم فيها أن يطلعوا على أحوال زعماء كبار في الإخوان حيث تبدو أسرهم ومنازلهم بعيدة عن الانضباط الشرعي والإسلامي. ويضيف هؤلاء إلى ذلك ترخص الإخوان في ترك ما يطلق عليه هذا التيار "الهدى الظاهر" دون ضرورة تفرض ذلك.

هذه هي الخطوط الأساسية لرؤى التيارين السلفي والجهادي لحركة الإخوان، ولكن ما هو مستقبل العلاقة بين الإخوان وهذين التيارين

مستقبل العلاقة بين الإخوان والجهاد والسلفيين


ولو صدقت التنبؤات بترقية أحد أبناء الجيل الوسيط ليكون نائبا للمرشد فإن ذلك سوف يفتح الباب واسعاً لحوار حقيقي بين الفصائل الإسلامية

يعتقد كاتب هذه الدراسة أن الترتيبات الجارية داخل الإخوان اليوم تمثل تحولاً هاماً في حياة حركة الإخوان والدعوة الإسلامية جميعاً، ولو صدقت التنبؤات بترقية أحد أبناء الجيل الوسيط ليكون نائبا للمرشد فإن ذلك سوف يفتح الباب واسعاً لحوار حقيقي بين الفصائل الإسلامية للوصول إلى أرضية سواء تقرب بين التيارات الإسلامية بحيث لا تتربص بعضها ببعض. ولو قدر لعالم أو مجموعة علماء في حجم الشيخ يوسف القرضاوي وفيصل مولوي أن يجروا حوارا حقيقيا بين هذه الفصائل لتعظيم القواسم المشتركة بينها، دون أن يكون ذلك تعبيراً عن حالة من الوصاية وإنما هو نوع من التناصح والتفاهم، مع الاعتراف بأن الحالة الإسلامية في مرحلة ما قبل التمكين أو الاستضعاف هي أكبر من قدرة جماعة واحدة مهما كان تاريخها وإمكانياتها ورسوخها في الدعوة أن تحتكرها.

لكن الراجح في الأمد المنظور أن يمضي الإخوان في ترسيخ وجودهم القانوني والدستوري والسعي الحثيث -في مصر خاصة- للحصول على الترخيص القانوني العلني عبر حزب سياسي، وهو ما سيفرض على الإخوان اليوم فتح قنوات للتواصل مع النظام السياسي بعد عملية ترتيب أوضاع الجماعة بعد رحيل مرشدها مصطفى مشهور.

وفي الواقع فإن الهجمة الأميركية على التيارين الجهادي والسلفي سوف تجعل الإخوان يحاذرون في إجراء أي حوار معهما حفاظا على مصلحة جماعتهم، وهذا ربما ما يبقي التباعد قائما بين الجماعة وهذين التيارين.
_______________
* كاتب وباحث إسلامي