العوائق الرئيسية أمام رفع مستوى الممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب تعود إلى: محورية دور الرئيس أو الزعامية، وعدم شيوع قيمة المساءلة وتوجيه النقد، وضيق مجال المشاركة في صنع القرار، ومحدودية التغيير في المستويات القيادية، ومحدودية الممارسة الانتخابية المجدية

قد يكون من قبيل السمات العامة في الأحزاب المصرية الضعف التنظيمي والهيكلي، وعدم الاهتمام بعملية التربية السياسية للكوادر والقيادات. وهذا يعود إلى حداثة التجربة الحزبية بوجه عام (1976 - 2003) وحداثة بعض الأحزاب التي ظهرت في الحياة السياسية مؤخراً، كما يعود إلى ظروف البيئة السياسية والقيود المفروضة على الحياة الحزبية.


وهذه الظروف في مجملها أثمرت عدة ظواهر منها: عدم التوازن بين الحزب الوطني الحاكم باعتباره حزباً كبيراً وأحزاب أخرى بالغة الصغر والمحدودية، وغياب الفروق بين برامج وتوجهات الأحزاب السياسية بالشكل الذي يجعلها لا تصلح كبدائل من وجهة نظر الناخبين، وغياب الممارسة الديمقراطية السليمة داخل الأحزاب، وتركيز عملية صنع القرارات فيها في دائرة ضيقة تشمل رئيس الحزب وعدداً محدوداً من نخبته.


وفي المنظور العام فإن الأحزاب المصرية لم تقم بوظيفتها بدرجة مؤثرة في التعبير عن مصالح القوى السياسية، ولم تطرح السياسات والبرامج التي تحيي الحياة السياسية وتنعشها. ويحد من تأثيرها كذلك كثرة الشقاقات الداخلية والمعارك التي تدور أساساً حول النفوذ والمصالح الخاصة داخل هذه الأحزاب.


وبالطبع فإن الإشكالية بالنسبة للحزب الوطني الديمقراطي تصبح أكثر عمقاً وتأثيراً، باعتباره الحزب الحاكم وصاحب التأثير الأعمق في مسار التجربة السياسية المصرية سلباً وإيجاباً.


وبالنظر إلى القضايا التي تناولتها الدراسة وبالنظر إلى القضايا التي تم تناولها لإلقاء الضوء داخل الحزب الوطني الديمقراطي فإنه يمكن القول إن هذه الممارسة تشوبها الكثير من النواقص وتحتاج للكثير من التطوير والتغيير والتنقية سواء على مستوى البنية التنظيمية للحزب، أو على مستوى نوعية السياسات وأسلوب العمل الداخلي.


من ناحية أخرى، يمثل الحزب الوطني في الحياة السياسية نموذجاً للحزب المسيطر والذي تنبع سيطرته من "الهيكل الدستوري البيروقراطي للدولة" فالحزب مندمج في "هيكل الدولة".

ويلفت جهاد عودة الانتباه إلى ما يطلق عليه "التوحد بين السياسي والحزبي بسبب المنصب البيروقراطي". فالنموذج الأساسي يتمثل في هيمنة السلطة التنفيذية على مقادير الدولة، ويكمن ذلك في "تنصيب وتمثيل قيادات الدولة التنفيذية... في المناصب العليا للحزب (الرئيس - الأمين العام - أمين التنظيم - أمين الإعلام - أمينة المرأة - أمين العمال - أمين الفلاحين - أمين الشباب) هذا إلى جانب أعضاء المكتب السياسي"(38).


ولعل السؤال الذي يمكن طرحه في هذا السياق هو: هل هناك علاقة بين الديمقراطية داخل الأحزاب، وديمقراطية النظام السياسي؟


تذكر إحدى الدراسات أن الأحزاب المصرية المعاصرة حققت درجة ملحوظة من الممارسة الديمقراطية ولو المحدودة، وذلك بالمقارنة مع الأحزاب التي عرفتها مصر في مرحلة ما قبل 1952، وذلك على الرغم من أن "نظام الديمقراطية المقيدة" الذي تعيشه مصر منذ عام 1976، ينطوي على تراجع في مستوى التطور الديمقراطي بالمقارنة مع مستوى الديمقراطية الذي كان موجوداً في الفترة من 1923 - 1952 (39).


وبناء على ذلك، فقد استنتجت الدراسة أنه "لا توجد صلة ضرورية بين التطور الديمقراطي في نظام الحكم وفي مؤسسات المجتمع، لأنه لا علاقة آلية بين نمط السلطة في كل منهما"(40).



نقطة البدء في التعثر الديمقراطي العام تعود بطريقة مباشرة -سواء في مؤسسات المجتمع ومنها الأحزاب أو في النظام السياسي- إلى افتقار الاثنين إلى وجود النخب المؤمنة إيماناً حقيقياً ومخلصاً بالديمقراطية قيمة وممارسة

والحقيقة أن مثل هذا التحليل، وإن كان يصدق على بعض النماذج السابقة والحالية، إلا أنه بالنسبة للظروف الحالية في مصر، نرى أن هناك علاقة أكيدة ومباشرة بين تعثر ديمقراطية النظام، وهبوط مستوى الممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب المصرية.


إن العوائق الرئيسية أمام رفع مستوى الممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب تعود إلى: محورية دور الرئيس أو الزعامية، وعدم شيوع قيمة المساءلة وتوجيه النقد، وضيق مجال المشاركة في صنع القرار، ومحدودية التغيير في المستويات القيادية، ومحدودية الممارسة الانتخابية المجدية. ولن تختلف كثيراً حول أسباب تعثر الممارسة الديمقراطية في النظام السياسي عما هي عليه في مؤسسات المجتمع ومنها الأحزاب.

على أن درجة التشابه في أسباب التعثر الديمقراطي ليست هي محور العلاقة بين الجانبين، وإنما هناك أيضاً وفي الحالة المصرية تحديداً، القيود التي يفرضها النظام على النشاط الحزبي، والمناخ السياسي العام غير المشجع على إشاعة قيم ومبادئ وآليات الممارسة الديمقراطية، وذلك كله مما يجعلنا نعود ونتفق مع الدراسة المشار إليها والتي لم تجد بداً من الاعتراف بأن "انخفاض مستوى التطور الديمقراطي في الأحزاب وفي النظام السياسي، معاً يثير مشكلة أكثر عمقاً تتعلق بالتطور التاريخي للمجتمع والدولة إجمالاً" (41)، وإن كنا نضيف على ذلك أن نقطة البدء في التعثر الديمقراطي العام تعود بطريقة مباشرة -سواء في مؤسسات المجتمع ومنها الأحزاب أو في النظام السياسي- إلى افتقار الاثنين إلى وجود النخب المؤمنة إيماناً حقيقياً ومخلصاً بالديمقراطية قيمة وممارسة.

للتعقيب والتعليق اضغط هنا