حامد عبد الماجد قويسي

تعد العلاقة بين الأنظمة العربية وجماعة الإخوان المسلمين من أكثر القضايا المثارة أهمية وحساسية في الوقت الحالي لارتباطها بواقع المنطقة ومستقبل تطورها التعددي والسياسي.

وينقسم الموضوع إلى جزئين.

  •  الجزء الأول: استقراء واقع العلاقات بين الإخوان المسلمين والأنظمة العربية، وتوصيفها عبر أنماط محددة.
  • الجزء الثاني: تحليل واقع العلاقات وتفسير المحددات والعوامل الصانعة والحاكمة له ومحاولة استشراف سيناريوهاتها المستقبلية.

وفيما يلي الجزء الأول، واقع العلاقة بين الأنظمة والإخوان.

واقع الإخوان والأنظمة
مشاركة.. ولكن
إقصاء.. ولكن
المراوحة بين المشاركة والإقصاء
التوظيف المتبادل والخيارات المفتوحة
 
إذا أردنا استقراء واقع "العلاقات" و"التفاعلات" السياسية بين الأنظمة العربية الحاكمة وجماعة الإخوان المسلمين، فمن المنطقي أن نرصد بداية واقع الفاعلين أو الطرفين من الناحية العلمية.

واقع الإخوان والأنظمة

"
تحت ضغوط مختلفة داخلية وخارجية ولأهداف غالبا تتعلق بمعادلة الحكم ذاته، بدأت بعض الأنظمة بإجراء أنواع من الإصلاحات السياسية والتعددية وبالتالي التخفيف من سمات "النظام التسلطي" وخصائصه

"

فبالنسبة لجماعة الإخوان المسلمين يجب أن نميز منهجيا بين ثلاث دوائر للوجود والفعالية، متقاطعة وليست متطابقة:

  • الأولى: دعوة الإخوان كـ"رسالة".
  • الثانية: "جماعة" الإخوان كتيار مجتمعي.
  • الثالثة: "تنظيم" أو بالأحرى "تنظيمات" الإخوان القطرية كأطر إدارية وقيادات تنظيمية وسياسية.

وما سنتناوله هو الأخير (التنظيم)، باعتباره الذي يتخذ القرارات في المواقف المختلفة محركا الجماعة كتيار ومفعلا لها بالدعوة و"الرسالة". الجماعة بهذا المعنى من أقدم التنظيمات نشأة (1928م) وأوسعها انتشارا إذ تغطي فروعها كافة البلدان العربية تقريبا، وإن كانت تتفادى قضية إطلاق "الاسم" علي مختلف تنظيماتها لكي تتغلب على الحظر القانوني ربما باستثناء "الأردن" حيث تتمتع بالمشروعية القانونية منذ نشأتها وحتى الآن.

وهذه "الفروع" التنظيمية التي يترأسها "مراقب عام" في كل بلد، تعمل في إطار "الدول" العربية القطرية غير أنها ترتبط فيما بينها -على اختلاف في مستوى ودرجة التنسيق- بالتنظيم الدولي للجماعة والذي يقوده "المرشد العام" للجماعة.

الجماعة بهذا المعنى هي الطرف الثاني للعلاقة مع الأنظمة العربية الحاكمة والتي تعتبر العامل الأساسي أو الطرف الأول، ورغم وجود درجات من الاختلاف بين دول العالم العربي في طبيعة أنظمة الحكم فيها، وأشكالها، ومصادر شرعيتها، ومدى تقدمها الاجتماعي والاقتصادي.. الخ، فإني أتفق مع ما يذهب إليه عالم السياسة الشهير "جيلير موادونل" الذي يدرجها في إطار الدول و"الأنظمة السياسية التسلطية الحديثة".

وبهذا الصدد هناك أمران أيضا يجمعان بينهما ويؤثران وبدرجة أكبر في صياغة أنماط علاقاتهم بالجماعة وبالقوى المجتمعية عموما وهما:

  • الأول: غياب الديمقراطية والتعددية الحقيقية، ومبدأ تداول السلطة واحترام الحدود الدنيا من حقوق الإنسان وكرامته.
  • الثاني: الدور المحوري الذي تلعبه القيادات والنخب الحاكمة سواء التقليدية أو ذات الأصول العسكرية.

ونتيجة للخصائص التي يذكرها -موادونل- للأنظمة من قبيل "التسلطية، التوسعية، الاختراقية والقمعية، والتكنوقراطية.. الخ"، فإن نصيب قوى المجتمع في صياغة معادلات العلاقة واتجاهاتها تكون محدودة قياسا على قدرات الأنظمة الحاكمة، ومن هذا المنطلق وباستقراء "واقع" التفاعلات السياسية نستطيع رصد أربعة أنماط رئيسية يطرح كل واحد منها إشكالية من نوع معين تتطلب التعامل معها بتقديم مجموعة من الحلول العملية لها.



مشاركة.. ولكن

"
النمط الذي يتضمن مشاركة الإخوان في العملية الانتخابية، وتوسيع تواجدهم في مؤسسات الأنظمة وصولا إلى السلطة يمكن أن يكون السيناريو المتوقع خلال السنوات العشر القادمة

"

وهذا النمط يقوم على مشاركة جماعة الإخوان المسلمين بالتعددية والإصلاح السياسي ولكن في ظل درجات من قبول الأنظمة العربية الحاكمة بالتعددية والإصلاح السياسي.

فتحت ضغوط مختلفة –داخلية وخارجية- ولأهداف غالبا تتعلق بمعادلة الحكم ذاته، بدأت بعض الأنظمة في إجراء أنواع من الإصلاحات السياسية والتعددية وبالتالي التخفيف من سمات "النظام التسلطي" وخصائصه.

وفي هذا الإطار شاركت التنظيمات الإخوانية في بلاد من قبيل الجزائر، المغرب، الأردن، لبنان، العراق، الكويت، البحرين واليمن.. الخ، في العملية الانتخابية على المستويين المحلي والقومي.

وجاءت النتائج الانتخابية تشير إلى أنها الأكثر شعبية ومن ثم دخلت مؤسسات الأنظمة التشريعية (البرلمان) والتنفيذية (الحكومة)، وأحرزت مواقع متقدمة على خريطة الحياة السياسية، فحصلت على رئاسة البرلمان في أكثر من بلد: الأردن واليمن مثلا، وشاركت بحقائب وزارية في العديد من الأنظمة العربية، بل إن مرشحها للرئاسة في الجزائر -الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله تعالى- حصل على المرتبة الثانية في عدد الأصوات بعد الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة، وكانت آخر الدلائل المهمة فوز حركة حماس الفلسطينية وتشكيلها أول حكومة منتخبة برئاسة هنية من واقع انتخابات حرة..

غير أن هذا النمط من مشاركة الجماعة في العملية الانتخابية يتضمن إشكالية تدور حول "مدى شرعية المشاركة السياسية في بلد يقع تحت الاحتلال" وهي إشكالية مثارة من الناحية الإسلامية عامة، ومن قبل جماعة الإخوان المسلمين تحديدا، التي تقوم رسالتها و"أولى وصاياها العشر" على أساس "الدعوة" إلى "مقاومة المحتل" وتحرير كافة البلاد العربية والإسلامية من كل أشكال العدوان وصور الاحتلال، وإلى أي مدى تعتبر هذه المشاركة "اعترافا" بواقع الاحتلال وما يفرضه من اتفاقات ومعاهدات.. الخ*.

إشكالية الاحتلال.. النموذج العراقي والفلسطيني
أثيرت هذه الإشكالية عندما شارك "الحزب الإسلامي العراقي" الممثل لإخوان العراق في مجلس الحكم الذي عينه بريمر ثم في المجلس الانتقالي وكل ذلك في إطار الاحتلال الأميركي!! مما شكل للوهلة الأولى مخالفة صريحة للرؤية الإخوانية وللخبرة التاريخية للإخوان الذين قاوموا الاستعمار في العديد من بلدان العالم العربي والإسلامي.

ورغم أن قيادة الجماعة أصدرت "تصريحات وبيانات" تتضمن ما يفيد بعدم موافقتها على المشاركة صراحة، فإن بعض البيانات والتصريحات الأخرى اعتبرتها "اجتهادا من أهل مكة الذين هم أدرى بشعابها"، لم يعلن أن التنظيم الدولي للإخوان وجهازه السياسي أقدم على اتخاذ إجراء ما بحق التنظيم الإخواني العراقي في مثل هذه المخالفة الجلية  للمبدأ والتاريخ والواقع الإخواني ككل.

ومن جانب آخر فإن الإشكالية أثيرت على نحو آخر بعد فوز حركة حماس بشأن مدى التزامها باتفاقات أوسلو التي جاءت بالسلطة الفلسطينية، غير أن الحركة أعلنت تمسكها بخيار المقاومة وببرنامجها السياسي والانتخابي القائم على الثوابت الفلسطينية والإسلامية، ولا تزال الحالة الفلسطينية والنظام العربي الرسمي يعيشان حتى الآن حالة تجاذب و"أزمة تصارع" بين الشرعيات القديمة المتآكلة والشرعية الجديدة الشعبية البازغة، وعلى المستويين الرسمي والمجتمعي.. الخ.

ويذهب الكثير من المحللين السياسيين إلى أن هذا النمط الذي يتضمن مشاركة جماعة الإخوان المسلمين عبر تنظيماتها في العملية الانتخابية، وتوسيع تواجدها في مؤسسات الأنظمة العربية الحاكمة وصولا إلى السلطة وتشكيل الحكومة، يمكن أن يكون هو "السيناريو المستقبلي"  المتوقع خلال السنوات العشر القادمة.

حيث تدل المؤشرات الواقعية على أن الأنظمة العربية وأحزابها الحاكمة سيواجهان مزيدا من الخسائر المتتالية ولعل آخرها ما نشر حول احتمالات تفوق حزب العدالة والتنمية المغربي وفوزه علي الأحزاب الحاكمة في انتخابات 2007 القادمة -هذا الفوز المتوقع لأسباب بعضها لا يتعلق فقط بقوة التيار أو الجماعة التي ستحظى بدعم وتأييد شعبي في المقابل-، الأمر الذي يعني أن احتمالات الوصول إلى الحكم، وتشكيل الحكومة قضية واردة بدرجة عالية من الثقة.

إقصاء.. ولكن

"
إخوان سوريا يسعون إلى إسقاط النظام عبر خدام، ويصطدم هذا التحالف بخطوط إستراتيجية لعلاقات تنظيمات إخوانية أخرى مع النظام السوري، كما هو شأن حركة حماس

"

هذا النمط يتمثل في قيام الأنظمة بإبعاد جماعة الإخوان وإقصائها، ولكن في إطار الحفاظ على الخصائص الأساسية للأنظمة واستقرارها السياسي.

حيث تقوم الأنظمة بإبعاد الجماعة –عبر حزمة من السياسات الأمنية والقانونية والواقعية- وحرمانها وتجريم "وجودها" الاجتماعي الفاعل، وتعتبرها "غير مشروعة"، وبالتالي تقوم بإبعادها عن الحياة والممارسة السياسية.

وتعتبر الأنظمة العربية الحاكمة في كل من سوريا وتونس وليبيا -مع الإقرار بوجود تحسن نسبي في نمط تعامل النظام الأخير ولكنه ليس تحولا نوعيا ينقله من هذا النمط- مثالا واضحا على هذا النمط الذي يثير إشكالية سياسية من نوع معين.

إشكالات أخلاقية وسياسية
ويمثل تعامل هذا النمط من الأنظمة مع الاخوان امتدادا لنفس منطق تعامله مع قوي المجتمع المدني ولكنه يعتبرها الأكثر خطورة لطبيعة تنظيمها وشعبيتها، ومقارنة بقيادات الجماعة من بلدان النمط الأول التي تعيش وتعارض من داخل البلاد، تجد تنظيمات الجماعة في هذه البلدان -والتي تعيش قياداتها غالبا في الخارج نتيجة لظروف القمع والإبعاد المعروفة- نفسها مدفوعة غالبا إلى ممارسة مستوى معين من المعارضة، وعقد نوعية من التحالفات السياسية مع قوى المعارضة الأخرى ورموزها وقياداتها، وذلك من أجل إسقاط الأنظمة العربية الحاكمة في هذه البلدان أو الضغط عليها لتحقيق إصلاحات سياسية معينة بطريقة سلمية..


هذه الممارسات من قبل بعض التنظيمات الإخوانية تثير الكثير من الإشكاليات النظرية والعملية، فهناك الكثير من القضايا السياسية النظرية ليس لها تأسيس سياسي وشرعي كاف في الرؤية الإخوانية بل والسياسية الاسلامية عامة من قبيل: كيفية تغيير الأنظمة الحاكمة بطريقة سلمية (باستثناء الانتخابات الحرة المستبعدة في ظل هذا النمط) فلا يوجد تأسيس للعصيان المدني أو السياسي مثلا، مع استبعاد أن يتم ذلك بطريقة عنيفة كالانقلاب والثورة، وكذلك لا يوجد تراث حقيقي من العمل الجبهوي والتحالفات السياسية الناجحة في إزاحة الأنظمة.

وعلى الصعيد العملي تثير مواقف التنظيم السوري للإخوان الكثير من التساؤلات سواء تاريخيا -ما أعقب أحداث حماة- أو في الوقت الحالي، وقد تكرر أيضا في حالة الإخوان الليبيين والتونسيين في فترات سابقة.

فإخوان سوريا يسعون إلى إسقاط النظام الحاكم في سوريا عبر التحالف مع أبرز أركان ذات النظام "عبد الحليم خدام" الذي انقلب عليه في ظل معادلات دولية وإقليمية بالغة التعقيد تحيط بالنظام نفسه، بحيث يبدو أن هذا التحالف تنقصه الحسابات السياسية الدقيقة. كما أنه يبدو فاقدا لأخلاقيات الممارسة السياسية الإسلامية على الأقل في نظر قطاعات من الرأي الإسلامي عامة والإخواني ذاته.

الإستراتيجية المفقودة
بل ويصطدم هذا التحالف بخطوط إستراتيجية لعلاقات تنظيمات إخوانية أخرى مع النظام السوري، مثل حركة حماس التي تعيش وتتحمل مسؤولية ضخمة إزاء قضايا "مركزية" للجماعة ككل بل وللمشروع الإسلامي، وكذلك إخوان الأردن الذين يريدون علاقات غير متوترة مع هذا النظام، الأمر الذي أدى إلى إيجاد نوع من "الحساسيات" بين هذه التنظيمات الإخوانية.

ومرة أخرى لم يبرز وجود "إستراتيجية" إخوانية للعمل الإخواني على المستوى الدولي تمنع من هذا التضارب في المواقف، كما لم يطور التنظيم الدولي للإخوان مجموعة من الآليات لتفادي حدوث مثل هذا التضارب مستقبلا في قضايا سياسية مشابهة وهو أمر وارد، أو لحل الأزمات المختلفة التي يمكن أن تترتب عليه بما يحافظ على صورة التنظيم والجماعة ككل بوجه عام.

ويشير الكثير من المحللين السياسيين إلى أن بلدان هذا النمط تعيش مجموعة من الأزمات الحادة داخليا وإقليميا ودوليا، ويتوقعون مجموعة من السيناريوهات المستقبلية مفادها أن هذه الأنظمة سوف تؤول تحت ضغوط هذه الأزمات إلى مجموعة من "الانهيارات".

وبالتالي حدوث نوع من "الفوضى" المجتمعية وستجد الجماعة نفسها في مقدمة القوى المطالبة باستلام السلطة ودفع فواتير إصلاح تلك الأوضاع المنهارة إقليميا ودوليا، ويبقى الرهان على مدى استعدادها وقدرتها العملية على ذلك في ظل التعقد البالغ لكل المعادلات السياسية فيها.

المراوحة بين المشاركة والإقصاء

"
هناك وجود إسلامي على درجة من القوة والتجذر رافض لمنطق العملية السياسية ككل، مثل "التيار السلفي الجهادي" الذي يثير قضايا تتقاطع مع اهتمامات المواطن العادي وخلفيته الدينية

"

ويسعى هذا النمط إلى المراوحة بين "السماح" بمشاركة جماعة الإخوان المسلمين، وبين حرمانها و"إبعادها" عن الحصول على النتائج الحقيقية للمشاركة السياسية.

فالأنظمة العربية الحاكمة تزاوج في إطار هذا النمط للعلاقة بين المنطلق الحاكم لكلا النمطين السابقين، وذلك بهدف "احتواء" تأثير الجماعة وجعله تحت "السيطرة"، ولذلك يوصف هذا النمط بالمركب في تكوينه والبسيط في ممارسته.

إذ تجمع الأنظمة العربية الحاكمة وتزاوج بين درجات من السماح المحسوب للجماعة بالوجود الواقعي مع حرمانها وحصارها قانونيا، وجعل "حجم" مشاركتها البرلمانية والنقابية -بكل السبل- في إطار معين لا تتعداه، ومنعها في نفس الوقت -وباستخدام جميع الطرق دون النظر لمدى قانونيتها أو سياستها- من تحويل الانتصارات والمكاسب "الكمية" و"الجزئية" إلى "نقلات" نوعية و"تحولات" حقيقية..

ومن ذلك حين يفوز الإخوان في مصر ويشكلون الكتلة المعارضة الرئيسية في البرلمان ومع ذلك يتمسك النظام الحاكم القائم والقادم معا بوصفهم جماعة "محظورة" "وغير مشروعة"، وبحيث أن هذا النمط يعكس حالة الجمود السياسي للأنظمة العربية الحاكمة، وانعدام قدرتها الاستيعابية ووظيفتها التطويرية، ويفاقم من أزمة شرعية النظام ذاته.

وإذا كانت مصر تقدم النموذج المتكرر لهذا النمط  حيث تشهد حركة بندولية أسميها معادلة "البرلمان/الليمان، إلا أن ذلك لا يمنع أن بعض الأنظمة العربية الحاكمة طبقته أو هددت بتطبيقه في ظروف وحالات محددة، بل ويرى بعض المحللين السياسيين أنه يمكن أن يكون نموذجا مغريا بالاقتباس في بلدان ومستقبل أنظمة عربية حاكمة أخرى لفعاليته في الحالة المصرية في التعامل مع الإشكالية الإخوانية..

والإشكالية السياسية الأساسية التي يطرحها هذا النمط للعلاقة هي المفارقة الواضحة بين الشرعية الشعبية السياسية والمشروعية القانونية، وستظل هذه الإشكالية قائمة في وجه الطرفين: الإخوان والسلطة.

إذ كيف تنجح الجماعة في انتزاع مشروعيتها القانونية وفرضها على النظام الحاكم بأساليب وأشكال سياسية متنوعة، فالمسألة تحتاج إلى المزيد من الاجتهادات السياسية الخلاقة..

التوظيف المتبادل والخيارات المفتوحة

النمط الأخير للعلاقة بين الطرفين الإخوان والأنظمة، يقوم على التوظيف المتبادل بينهما، وعلى الخيارات المفتوحة.. فهو نمط في طور التكون والتشكل.

حيث يصعب القول إن العلاقات بين الأنظمة الحاكمة وجماعة الإخوان المسلمين تشكل نمطا قائما ومحددا، إذ غالبا ما كانت العلاقة يحكمها منطق التوظيف المتبادل تاريخيا، ونماذج ذلك السعودية، قطر، الامارات، عمان، البحرين.

ولكن الأوضاع في الوقت الحالي تشهد في ظل هذه الأنظمة تغيرات جذرية حقيقية سواء في أشخاص الحاكمين وتكوينهم، أو مشروعهم الاجتماعي والسياسي، أو أنماط علاقاتهم وتحالفاتهم الإقليمية والدولية، الأمر الذي يؤشر على حدوث تغيرات جذرية في المستقبل.

العوامل الثلاثة
غير أن هناك ثلاثة عوامل تشير إلى أن هذا النمط ما زال في طور التكون والتشكل، وبالتالي هو مفتوح على كل الخيارات في العمل والممارسة:

العامل الأول، إن عملية الإصلاح السياسي في مثل هذه البلدان -رغم وجود مؤشرات مبكرة عليها- لم تبدأ بعد؛ فلم تتم عمليات انتخابية للبرلمانات حتى الآن، وبالتالي لم تدع الشعوب للمشاركة السياسية على المستوى القومي، وإن كانت نتائج الانتخابات على المستوى المحلي في بلد بحجم السعودية أفرزت نجاح ما يسمى بـ"التيار الإسلامي" "الوسطي" أو "المعتدل" الذي هو في جوهره ينتمي إلى "التيار الإخواني" في طبعته السعودية في مواجهة "التيار الديني الرسمي أو المؤسسي" و"التيار الليبرالي" ومن ثم فإنه من المتوقع أن الأمر لن يختلف كثيرا عن بلدان النمط الأول أو الثاني..

العامل الثاني، إن الوجود الإخواني في إطار هذه الأنظمة -حسب تعريفنا الذي أوردناه في بداية الدراسة- ورغم قدمه تاريخيا ينتمي إلى الدائرة الأولى "الدعوية"، والثانية "الاجتماعية"، أما فعاليته التنظيمية (الدائرة الثالثة) فلم توضع حتى الآن موضع الاختبار الحقيقي.

العامل الثالث، إن هناك وجودا إسلاميا على درجة من القوة والتجذر وهو رافض لمنطق العملية السياسية ككل، مثل "التيار السلفي الجهادي" الذي يثير قضايا تتقاطع مع اهتمامات المواطن العادي وخلفيته الدينية التي عمقتها لعقود طويلة بعض المؤسسات الدينية الرسمية التي كانت متحالفة مع المؤسسة الحاكمة في إطار تقاسم تاريخي للأدوار.

ومن هذه القضايا الوجود الأجنبي في الخليج، والرفض العقيدي المطلق للنموذج الأميركي والغربي الذي تشهد تجلياته بعض هذه البلدان.. الخ.

وبالتالي فإن هذا النمط يطرح العديد من الإشكاليات السياسية والتنظيمية البالغة الحساسية من قبيل كيفية صياغة أنماط للعلاقة مع النظام الدولي والقوى المهيمنة فيه، والمشروع الذي تحمله والنموذج الذي تنشده.

وتظل الإشكالية الأساسية الحقيقية للنموذج في صياغة علاقته من كونها ما زالت في إطار التشكل وبالتالي هي عرضة للتجاذبات من الأنماط الثلاثة السابقة لكن تصوغه هي على شاكلتها، أو ينجح هو في صياغة نمطه الخاص للعلاقة والذي يعكس رؤيته، وتراث علاقته، وأهدافه ومصالحه.

إقرأ الجزء الثاني:
النموذج الإخواني.. تحليل واقع العلاقات ومحدداته
_______________
أكاديمي متخصص في شؤون الإسلاميين

* هذه القضية من القضايا المثارة في الفقه الاسلامي منذ القدم وله فيها رؤية واضحة محددة منذ القدم آخرها ماكتبه الونشريسي في المعيار المعرب ، وقد ركز الامام البنا في أولي وصاياه للاخوان علي هذه القضية ومن يراجع كتاب الاخوان المسلمون في حرب فلسطين للسباعي والشريف 1955 يجد ذلك واضحا ، وكذلك في ميثاق حركة حماس الفلسطينية الصادر 1987.