بقلم: أيمن الصياد


ها قد عدنا إلى نقطة البداية.
اغتال الإسرائيليون - الذين كانوا قد أعلنوا أنهم غير معنيين بالهُدنة - اثنين من رجال «حماس» في مخيم عسكر، ثم قائدًا ميدانياً لــ«الجهاد» في الخليل. فردَّ الفلسطينيون - الذين يعتبرون حق الرد فضلاً عن مقاومة الاحتلال مشروعًا - بعمليتين في رأس العين لفتح، وفي القدس لحماس (أوقعت عشرين قتيلاً ومائة من الجرحى). وسرعان ما بدا أن الجميع قد دخلوا الدائرة القديمة ذاتها. فالصواريخ التي طاشت عن سيارة الرنتيسي قبل أشهر لتقتل من تصادف مرورهم بالشارع، أصابت سيارة مهندس الهدنة ذاته «إسماعيل أبوشنب» هذه المرة، ليخرج جثمانه متفحمًا مع رفيقيه. ويمشى في جنازته مائة ألف يطالبون بالثأر.
انهارت الهدنة. رغم كل الأمنيات. وبدا أن «خارطة الطريق»، رغم كل التصريحات التي تعلن - قولاً - التمسك بها، قد وجدت طريقها الطبيعي - الذي كان متوقعًا - إلى ملف متخم بالمبادرات والخطط التي لم تنفذ أبدًا.


«لا توجد مع أعدائنا طريق مختصرة، فمصر عقدت سلامًا مع إسرائيل بعد هزيمتها في حرب الغفران (أكتوبر).. وهذا ما سيحدث مع الفلسطينيين»

شاؤول موفاز وزير الدفاع الإسرائيلي

قبل شهرين فقط، وعشية إعلان منظمات المقاومة الفلسطينية هدنتها «المشروطة»، سادت أجواءٌ من التفاؤل؛ وعود جورج دبليو بوش «اللفظية» المنمَّقة. وابتسامات دحلان/ موفاز الصحفية. ومانشتات الصحف العربية «الانتقائية».

ولكن.. لأن الأمنيات لا تُزهِر ـ بالضرورة ـ واقعًا. ولأن التفاؤل وحده لا يطعم جائعًا. فقد بدا المشهدُ (على الأرض) يومها مختلفًا. كما كانت «قراءته» كذلك.

يومها - قبل شهرين - ذكَّرْنا في هذا المكان بأن بوش صاحب وعد الدولة في 2005 قد يخرج من البيت الأبيض في 2004. وأن شارون «رجل السلام» - كما يصفه بوش -أعلن صراحةً أنه لن يسمح بدولة فلسطينية «ذات سيادة» وأن العودة إلى حدود 1967 «غير مطروحة» ابتداء. فضلاً عن إعلان أركان إدارته أن «الهُدنة من جانب واحد.. وأن الجيش الإسرائيلي غير مَعْنِى بها».

ها قد عدنا إلى نقطة البداية. أو بالأحرى إلى «الدائرة» التي لا تعرف - بحكم التعريف الهندسي - نقطة بداية ولا نهاية.
ولمن يجيد قراءة الرموز أن يعرف أن إسماعيل أبوشنب، خريج جامعة المنصورة في مصر هو الاسم الثالث في «حماس»؛ التنظيم الأقوى فعليا في القطاع. وهو الأكثر اعتدالاً بين قادتها جميعًا. (والتعبير ليديعوت أحرونوت الإسرائيلية ذاتها). كما أنه مهندس الهُدنة الأول. بل إنه - كما علمت من مصادر اقتربت من المشاورات التي سبقت إعلانها، إنْ في القاهرة أو غزة - ساعد في إقناع الآخرين بقبولها، رغم قناعتهم التي بدت الآن صحيحة بأن الإسرائيليين الذين يعتقدون أنهم الأقوى لن يحترموها. وأن الأمريكيين؛ الرعاة المفترضين لن يضمنوها.

ولمن يجيد قراءة الواقع أن يعرف أن رائد مسك (29 عامًا) منفذ عملية القدس كان صديقًا حميمًا لمحمد سدر الذي اغتاله الإسرائيليون في منزله في الخليل. وأنه أقسم على الانتقام لمقتل رفيقه بعد أن شاهد الجنود الإسرائيليين وهم يجرون جثته بعد قتله قبل أيام.

هل تمنح هذه الحادثة بعضًا من الضوء يهدى التائهين في دروب «خارطة الطريق» يبحثون عن تفسير لعودة دائرة العنف؟
صحيفة «معاريف» الإسرائيلية قالت في افتتاحيتها أن منفذ عملية القدس لم يعلن الحرب على «خارطة الطريق» من خلال عمليته. ولكنه حاول التدليل على «توازن الرعب»، وإظهار «بطاقة السعر»: «مقابل كل فلسطيني يغتاله الجيش سيكون هناك رد فلسطيني وقتلى إسرائيليون».

***

لماذا انهارت الهدنة؟


«لم تكن مبادرتنا تعليق العمليات العسكرية تعنى أبدًا أن تذبحنا العصابات الصهيونية، ثم تبقى بعد ذلك آمنة مطمئنة مستقرة، لا يمسها سوء»

عبد العزيز الرنيسي أحد قادة حماس

لأنها - حسب التعريف - لم تكن هناك أصلاً.
هل تذكرون التصريحات الإسرائيلية عشية إعلانها من جانب الفلسطينيين؟ يومها قال شاؤول موفاز وزير الدفاع الإسرائيلي: «لا علاقة لنا بالأمر.. نحن لم نعلنها.. وغير معنيين بها».
في التاريخ.. لا يوجد وقف لإطلاق النار من جانب واحد، إلا إذا كانت هناك قوة دولية تعمل فعليا على فرض الهدنة. والحال هنا في ظل معادلة أمريكية إسرائيلية معقدة، ومجتمع دولي ضعيف، ومرتبك، ومنشغل.. يختلف.

انهارت الهدنة حين بدا أن شارون يريد نتائجها في شوارع تل أبيب وحافلات القدس. ولكنه لا يريدها بحال في أزقة غزة أو بيوت الخليل. أراد شارون أن ينعم مواطنوه بالهدوء في حين يمارس هو سياسته الدموية. وبشرط ألا يرد الفلسطينيون (التزامًا منهم بالهدنة) ودون أن تجد إسرائيل نفسها متورطة بعملية سياسية. وهذه معادلة لا يمكن تحقيقها.

لم توجد «الهدنة» إذن إلا في مانشتات الصحف، وفي رغبة الفلسطينيين في تجاوز الظرف الحرج الذي وضعتهم فيه الدبلوماسية الإسرائيلية بخلطها للأوراق، ونجاحها في خلق حالة من التماهي بين سلوكها العدواني من «المقاومين لاحتلال أرضهم» وبين ما يعتبره الأمريكيون حملة ضد الإرهاب.

***

لماذا أُعلنت الهدنة إذن؟ ولماذا سقطت؟


«الحل موجود. وقد جُرِّب بنجاح مع مصر ومع الأردن، وحتى مع لبنان عندما انسحبت إسرائيل إلى حدود 1967 توقف الأطفال عن الموت، عندنا وعندهم»

ب. ميخائيل إيديعوت أحرونوت

لأنها في لحظة معينة. أصبحت كالفاكهة المُحَرَّمة. الكل يريدها.. ولا يريدها. أو بالأحرى، الكل يريدها على طريقته.

أرادها الفلسطينيون (الذين أعلنوها من جانب واحد) مشروطة بأن يلتزم بها الطرف الآخر. وأملاً بأن يجنوا عن طريقها بعض ثمار انتفاضة طالت أعوامًا ثلاثة وحصدت آلافًا من الشهداء.

واعتبرها الإسرائيليون - أو أرادوها - إعلانًا لهزيمة الفلسطينيين، وإنْ بالنقاط. لتبق إذن الجولة الأخيرة: «الضربة القاضية».

وأرادها الأمريكيون، تهدئة مطلوبة، ليفرغوا لنار لا تريد أن تَخْمَد شرقًا في العراق. ولاستحقاقات انتخابية اقتربت في واشنطن.

وأرادها الأوروبيون، وبعض العرب، تأكيدًا على أننا «مازلنا هنا.. لنا دور مطلوب.. ورقم لا يصح حذفه من المعادلة».

أرادها محمود عباس، أو تمنى أن يعتبرها الآخرون، وبالأخص في واشنطن، «نهاية لعسكرة الانتفاضة» فيقطعون خطوات «حقيقية» لا لفظية على «طريق الخارطة». وأرادها عرفات - كعادته - إمساكًا بالعصا من المنتصف «على أمل». وهل بيده غير ذلك، بعد الحادي عشر من سبتمبر.. والعراق.. والحصار.. والدماء. وأرادها شارون إعلانًا لنجاح سياسته التي لم يقلع عنها يومًا: «تكسير العظام» وإيهامًا لمواطنيه بأن «الانتفاضة انتهت».
هكذا أرادها الجميع. ولم يكن ممكنًا أبدًا أن تحدث «كل المتناقضات». فالفلسطينيون مع الممارسات الإسرائيلية «اليومية» لا يرون أمامهم «أي ضوء في نهاية النفق». والإسرائيليون لا يريدون أن يضيعوا ما يعتبرونه «فرصة تاريخية» لحل نهائي يضمن «دفنًا أبديا» للقضية الفلسطينية. وجورج بوش تحت هاجس الإرهاب «الحقيقي أو المبالغ فيه» لا يبدو أن بإمكانه أن يرى «الطريق واضحًا». وأوروبا «القديمة» والعـرب ليس بيدهم - على الأغلب - غير الأمنيات، والزيارات.. والاتصالات الهاتفية.

***

لماذا انهارت الهدنة.. ولماذا تبدو مستحيلة؟


شروط الهدنة أعلنت المقاومة الفلسطينية تعليق العمليات العسكرية مقابل شرطين اثنين:

الوقف الفورى لجميع أشكال العدوان الصهيونى بما في ذلك الاعتقالات والمصادرات والاعتداء على المقدسات.

إطلاق سراح جميع الأسرى والمعتقلين (نحو من ثمانية آلاف معتقل)

«الإرهاب الإسرائيلي المقدس» كتاب من تأليف ليفيا روكاخ، ابنة إسرائيل روكاخ، وزير الداخلية في حكومة موشى شاريت في الخمسينيات. عرضت له دورية The Link في عددها الأخير. وذْكَّرَ به جهاد الخازن في «الحياة». وتنقلُ المؤلفة في الكتاب من المفكرة الخاصة لرئيس الوزراء الإسرائيلي موشى شاريت، ما يثبت أن إسرائيل منذ تأسيسها وقبله، وحتى اليوم، مارست الإرهاب «لاستفزاز الطرف الآخر واستدراجه إلى الرد..». ولخدمة هذا الغرض تقول ليفيا روكاخ أن القادة كانوا مستعدين للتضحية بأرواح اليهود أنفسهم في عمليات الاستفزاز المدبرة لاستدراج الرد. ثم الرد على الرد.

هل نجح الاستفزاز الإسرائيلي في استدراج منظمات المقاومة الفلسطينية لدائرة العنف الذي يحسبونه (أى الإسرائيليون) محسومًا مقدمًا لصالحهم؟!

يقول قادة المقاومة: «لم يترك الإسرائيليون أمامنا خيار آخر. فما الفرق بين أن تموت بحزام ناسف أو أن تموت في سيارتك أو بين أهلك بصاروخ آباتشي؟». ويالها من مفارقة ثقافية حين يبدو أن اليهود في القرن الواحد والعشرين يدفعون أعداءهم دفعًا إلى الخيار الوحيد: «خيار شمشون».

***

هل يريد شارون السلام؟ وهل يعمل الساسة الإسرائيليون حقًا على ذلك؟
جدعون ليفي في «هاآرتس» يجيب على السؤالين بالنفي. موضحا أن لا عناء كبيرًا يستوجبه اكتشاف تمسك شارون بتدمير أي رغبة في السلام لدى الفلسطينيين وتشبثه بالكذب سلاحًا لتيئيس خصمه. فبعد «مسرحية» إطلاق الأسرى، يأتي تخريب خطة الانسحابات من المدن، وبينهما استمرار مسلسل الاغتيالات والتصفيات الجسدية. يجتهد ليفي في تشخيص داء خارطة الطريق: «المشكلة كما في أوسلو، ليست في الخطة بل في التطبيق.. بعد الهدنة كل الخطوات الإسرائيلية مجرد مسرحيات، حياتنا تغيرت ولم تتبدل حياة الفلسطينيين، وخيبة أمالهم ستكون كارثية.. يريد زعيم الليكود كل شيء من خصمه بلا مقابل».

على الناحية الأخرى، هناك من يعبِّر عن المزاج العام في إسرائيل. فيكتب آريه الداد في «إيديعوت أحرونوت» مشددًا على كون الحرب مع العرب أبدية «حتى يتنازلوا عن أى مطلب في شبر واحد من أرض فلسطين..»! ويسخر الكاتب الإسرائيلي من أولئك الذين يتحدثون عن «العدل». موضحًا أنه «في عالم مثالي يسود العادل.. ولكن في عالمنا الواقعي يسود القوي» مضيفًا «يجب على إسرائيل أن تعلن أنها لن تسمح أبدًا بقيام دولة فلسطينية غرب نهر الأردن.. ومن لا يعجبه ذلك فليشرب من بحر غزة».

وقد يكون مثيرًا للمتفائلين أو الذين يملأون الدنيا صخبًا لأن العرب يضيعون الفرص المتاحة، أن يقرأوا ما ذهب إليه «الداد» وهو يعبر عن قطاع لا يستهان به في إسرائيل من أن «الإرهاب الفلسطيني» ليس المشكلة إذ يمكن هزيمة الإرهاب، كما أن طلب عودة اللاجئين ليس المشكلة إذ يمكن توطينهم في دول عربية أخرى.. إذا لم يكن هناك إرهاب وإذا لم يكن هناك لاجئون فالمشكلة أن العرب يعتقدون أن لهم حقًا في جزء مما يعتبرونه أرض فلسطين.. يجب إعلان أنه لن تقوم أبدًا دولة فلسطينية غرب الأردن حتى وإن اقتضى الأمر نقض كل الاتفاقات بيننا وبين العرب. منذ اتفاق وايزمان/ فيصل وحتى تفاهمات الهدنة».

***

أكثر من مائة ألف يشيعون جنازة إسماعيل أبو شنب
هاقد عدنا إلى نقطة البداية - رغم كل المحاولات والادعاءات - فماذا بعد؟
كولين باول الذي تتجاهل إدارته وجود عرفات أصلاً، تَوّجَه إليه بالخطاب «المباشر» ليطلب منه الضغط على «حماس».
أسامة الباز الذي هرع إلى هناك في محاولة إطفاء حريق، لا أحد يضمن المدى الجغرافي لشراراته، حذر من «كارثة قادمة».
الفلسطينيون الذين عيل صبرهم والذين كانوا اقتربوا كثيرًا من حافة صِدام داخلي «ربما كان يحاك لهم»، وحدَّتهم صواريخ الأباتشي على سيارة أبوشـــنب، وشعارات المائة ألف في جنازته.

الإسرائيليون الذين وضعوا عرفات والشيخ ياسين وحسن نصرالله على القائمة أعلنوا أنهم سيوقفوا «برنامج الاغتيالات» 24 ساعة (!) واعتبروا في استطلاع للرأي أن الهدنة قد انتهت.

وفي كل الأحوال يبدو أن الجميع قد بات يعد لمرحلة ما بعد أبومازن. والذي صار كل الذين أضعفوه يتحدثون عن ضعفه. ليصبح الضعف ذريعة، والرجل كبش فداء لفشل مبادرة أمريكية أخرى.

وسواء تم إحياء الهدنة «المستحيلة».. أو ماتت، يبقى من المفارقات (وهى كثيرة، ربما بعدد من ذرفوا دماءهم على تلك الأرض المقدسة منذ فجر التاريخ) أن نهاية هدنة الأشهر الثلاثة، إذا وصلت الهدنة - فعلياً- لنهايتها، تصادف التاسع والعشرين من سبتمبر الحالي. وهو اليوم الذي تكمل فيه الانتفاضة الفلسطينية عامها الثالث.

ماذا إذن تخبئه لنا المصادفة/ المناسبة؟
في شأن آخر، قال عمرو موسى أمين الجامعة العربية، عشية الحرب على العراق أنها (أى الحرب) ستفتح أبواب جهنم على المنطقة.

***

قبل أسابيع، التقط مصور وكالة «رويتر» صورة لأسراب حمام «فلسطينية» تَفْزَعُ وَاجِفَةً أمام مجنزرة «إسرائيلية».
المكان (حسب البيانات المرفقة مع الصورة): قطاع غزة.
والزمان (الذي بات شعارُه «القُوَةُ فوق العدل»): هو هذا الزمان الذي يبدو أن لا مكان فيه لوداعةٍ، أو سكينةٍ، أو سلامٍ.. أو حمام.
_____________
*
الانتهاكات الإسرائيلية خلال الشهرالأول للهدنة

  1. عدد القتلى والجرحى من الفلسطينيين = 163 (منهم 53 طفلاً ورضيعًا).
  2. عدد الذين اعتقلوا من على الحواجز الأمنية أو من البيوت = 271 (بينهم نساء وصبيان لم يبلغوا الخامسة عشرة من العمر).
  3. عدد المنازل التي هُدمت = 131 (لم يضبط في واحد منها سلاح أو ذخيرة).
  4. عدد أشجار الزيتون والموالح التي اقتلعت = 6297 شجرة مثمرة.
  5. مساحة الأراضى التي صودرت = 5400 دونم (حوالى 2700 فدان)
    6. عدد السيارات التي دُمِرّت = 86 سيارة (بينها سيارة إسعاف).