ما الذي يقلق واشنطن من تنامي العلاقات الثنائية بين دمشق وطهران؟ ولماذا تستفز هذه العلاقة البيت الأبيض ويعتبرها -ضمن مجموعة من القضايا الأخرى- مشكلة تزيد من توتر الأجواء مع سوريا؟
 
خصوصية العلاقات السورية الإيرانية
لفتت خصوصية العلاقات السورية الإيرانية الانتباه منذ ما يربو عن
خمسة وعشرين عاما، وتحديدا منذ أن أعلنت دمشق وقوفها إلى جانب إيران في حربها ضد العراق خلال الفترة من (1980 - 1988)، وقتذاك لم تمثل هذه العلاقة عامل قلق للولايات المتحدة الأميركية حيث كانت هي نفسها تقدم دعما عسكريا لإيران فيما عرف بعد ذلك بـ "إيران غيت".
 
استمرت النظرة الأميركية للعلاقات السورية الإيرانية بعد حرب الخليج الأولى على حالها، فلم تعر هذه العلاقة كثير اهتمام، ولم تمثل بالنسبة لها عامل استفزاز، ولم يؤثر عن المسؤولين الأميركيين خلال تلك الفترة تعليقات محددة يستشف منها قلقا من هذه العلاقة، وربما قد يكون مما ساعد على ذلك دخول سوريا ضمن التحالف الدولي الذي قادته واشنطن لإخراج الجيش العراقي من الكويت (1990/1991)، والدعم الذي قدمه السوريون لهذا التحالف آنذاك.
 
بعد انتهاء حرب الخليج الثانية بدأت تظهر على السطح الأميركي بوادر الانزعاج من تنامي العلاقات السورية الإيرانية، ومعها بدأت تتوالى التعليقات الأميركية الناقدة لهذه العلاقة، وشيئا فشيئا حددت واشنطن قضايا بعينها اعتبرتها أسبابا لتوتير علاقاتها مع دمشق وكانت طهران طرفا فيها، من هذه القضايا:
 
حزب الله وامتداد الفضاء الشيعي الموالي لإيران
تأخذ واشنطن على كل من دمشق وطهران دعمهما لحزب الله الذي تعتبره منظمة إرهابية واجبة التفكيك، وقد طالبت الولايات المتحدة سوريا صراحة بوقف دعهما لحزب الله وسعت دبلوماسيا في ذلك واستصدرت من مجلس الأمن -بالتعاون مع فرنسا- القرار 1559 الذي يستهدف ضمن ما يستهدف نزع أسلحة حزب الله.
 

"
الخوف من تزايد الفضاء الشيعي الموالي لإيران، ودعم الفصائل الفلسطينية المعارضة لنهج التسوية السلمية على خلفيات أسلو من أبرز النقاط المثيرة لقلق الولايات المتحدة من العلاقات السورية الإيرانية
"

وقضية الضغط الأميركي -الذي يتماشي في ذلك مع الرغبة الإسرائيلية- لنزع سلاح حزب الله ووقف الدعم السوري الإيراني له ليست جديدة، لكن قد يكون الجديد هو اتساع دائرة الفهم لأسباب المخاوف الأميركية من دعم البلدين لهذا الحزب، خاصة بعد الانتخابات العراقية وتنامي الدور السياسي لشيعة العراق والخوف من "المزيد" الذي يمثله
امتداد الفضاء الشيعي الموالي لإيران في لبنان وإمكانية قيام توافق مع سوريا في هذا الخصوص. ويلاحظ في هذا مثلا نجاح إيران في تأسيس عشرة حوزات (مدارس دينية) في سوريا الأمر الذي فسر على أنه نفوذ شيعي أثني عشري في سوريا. وإن كانت هناك أحاديث عن سعي سوري لتضييق النفوذ الإيراني فيها.
 
وتغلب النقاشات في هذا الإطار إمكانية قبول سوريا بالتوافق مع إيران في هذا الصدد إذا نتج عنه حماية من الضغوط الدولية غير أن عدم اكتمال الترسانة العسكرية الإيرانية بامتلاكها للسلاح النووي يجعل هذا الاحتمال ضعيفا لا يتوقع أن تعول عليه سوريا. غير أن إيران هي من يحاول الحفاظ على هذا التوافق لأهمية سوريا عربيا. وهو ما يشكل قلقا أميركيا.
 
تمهيد نتوآت الشرق الأوسط الكبير 
قد تزداد الأهمية النسبية أو قد تقل لقضية أو أكثر من القضايا المشتركة السابقة والتي تعتبرها الإدارة الأميركية نقاط استفزاز لها في مسيرة العلاقات الثنائية بين سوريا وإيران، وهذا الأمر لا يستقيم فهمه بعيدا عن النظر إلى كل قضية من هذه القضايا منفردة أو مجتمعة ضمن المنظور الإستراتيجي لمنطقة "الشرق الأوسط الكبير" الذي تعمل واشنطن على تسوية الأرض وتمهيد النتوآت فيه لكي تسير العربة الأميركية دون عوائق أو عراقيل لا سيما مع ما يشهده سيرها حاليا في العراق من صعوبات.


______________
 
المصادر:
1- زبجنيو برجينسكي، مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق، رقعة الشطرنج الضخمة، ص 191، 192، 193، دار ميريت للنشر، الطبعة الأولى 2003، القاهرة.
2- مصطفى زهراني، مدير معهد الدراسات السياسية والدولية بطهران، ورقة مقدمة لندوة العلاقات العربية الإيرانية والتداعيات الإقليمية، مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية التابع لمؤسسة الأهرام، 27/28 نوفمبر/تشرين الثاني 2004.
3- خالد الحروب، زميل زائر في قسم الدراسات الشرق أوسطية والإسلامية، جامعة كامبردج، بريطانيا، تداعيات الغزو الأميركي للعراق على خريطة القوى بالمنطقة، مجلة شؤون عربية، الصادرة عن الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، العدد 113 عام 2003، ص 11-20.