بقلم د. ناصر المطيري*

في جولته الوداعية حول الولايات ما فتئ الرئيس بيل كلينتون يردد على مسامع الجموع الحاشدة من مؤيديه بأن المرشح الديمقراطي آل غور هو الفائز ولكن الطريقة الوحيدة لإنجاح جورج بوش وإيصاله إلى البيت الأبيض كانت بإيقافهم فرز الأصوات في ولاية فلوريدا!! وهذا أعاد إلى الأذهان ما قاله المرشح الديمقراطي الخاسر أندرو جاكسون قبل ما يقارب القرنين من الزمان، ويعكس رأي الغالبية من الشعب الأميركي خاصة وأن آل غور كان هو الفائز بمجموع الأصوات الشعبية وليس بوش الذي فاز بأصوات "الكلية الانتخابية" البالغة 270 صوتاً.

واتضح من تجربة هذه الانتخابات أن معظم الأميركيين لا يعلمون ما هي الكلية الانتخابية ولا يفهمون كيف يحصل المرشح على أغلبية الأصوات الشعبية ولا يفوز بالرئاسة خاصة وأن الولايات المتحدة هي البلد الوحيد الذي يعتمد هذا النظام المعقد الذي لم يتمكن الأميركيون حتى اليوم من تعديله أو إلغائه.

ففي هذا البلد القارة من الصعب تعديل الدستور الذي يستوجب موافقة ثلثي أعضاء مجلسي النواب والشيوخ وثلاثة أرباع الولايات المتحدة الأميركية، وهذا أمر صعب المنال إن لم يكن مستحيلاً.

فما هي حكاية الكلية الانتخابية (Electoral College) التي تسببت في الكثير من الجدل والخلافات والمتاعب، وحرمت كثيراً من المرشحين من الفوز على الرغم من تمتعهم بأغلبية أصوات الناخبين، وعطلت في كثير من الأحيان إعلان الفائز بالرئاسة، وتسببت في جدال مازال يدور حول جدواها وعما إذا كان من المصلحة الاستمرار فيها..؟!

الكلية الانتخابية خطط لها في وثيقة الدستور التي سطرها في فيلادلفيا توماس جيفرسون قبل أكثر من قرنين وربع القرن كركن أساسي في الدستور لضمان أن الحكومة الاتحادية والمرشحين سيدركون دائماً أهمية الولايات الصغيرة وأصواتها لضمان عدم إهمالها.

والكلية الانتخابية عبارة عن 535 صوتاً تعبر عن مجموع ممثلي الولايات الأميركية المختلفة بنسبة تمثيل لكل ولاية في الكونغرس، والذي يستند على التعداد السكاني الذي يجري في أميركا كل عشر سنوات، بالإضافة إلى ثلاثة من واشنطن العاصمة التي ليس لها ممثلين في الكونغرس لأنها لا تعد ولاية.

لكن لم تشهد الولايات المتحدة الأميركية دراما انتخابية بهذا الزخم، بل إنه لم يحصل مثل هذا طيلة المائة عام الأخيرة. ولكن التاريخ الأميركي حفل بسوابق مماثلة لتسع مرات. ففي العام 1824 فاز المرشح أندرو جاكسون بأكثرية الأصوات ولكنه لم يحقق أغلبية في الكلية الانتخابية، وجاء جون آدمز ثانياً، وبموجب الدستور فإن الكلمة الفصل هي لمجلس النواب، والثلاثة الأول في ترتيب الكلية الانتخابية هم الذين يحق لهم التنافس. وكان هنري كلي رئيس البرلمان الرابع في الترتيب فلم يحق له التنافس ولكنه استطاع التأثير لحسم الصراع وحسم النتيجة، فانحاز إلى جون آدمز الذي عينه وزيراً للخارجية، وكان هذا المنصب أهم من منصب نائب الرئيس، ومع أن أندرو جاكسون رضخ لحكم الكونغرس لكنه اتهم الجميع بالفساد وسرقة الانتخابات.

وما حدث في الأيام الغابرة كان لأسباب عديدة أهمها حداثة التجربة، ولأن سكان البلاد كانوا من شتى بقاع الأرض، والأهم من كل ذلك حدوث هذه الانتخابات بعد حرب أهلية طاحنة بين الشمال، وكانت الحزبية المتطرفة متأججة للغاية.

وفي عام 1876 أسفرت نتيجة الفرز الأولي عن فوز الديمقراطي صموئيل تيلدن على منافسه الجمهوري ثروفورد هايس بمجموع أصوات الناخبين (4,284,020 صوتاً) وتلقى التهاني ولم يشك أحد في أنه الرئيس القادم.. وأما هايس فقد حصد (4,036,572 صوتاً) ولكنه لم يستسلم وادعى أن مناصريه في الجنوب تعرضوا لعنف ومنعوا من التصويت وأظهر نتائج مغايرة للمعلن، ولو أنه فاز بولاية فلوريدا لكان وضعه أشبه بوضع بوش اليوم وبفارق صوت واحد لا أكثر. ومع ذلك فإن الكلية الانتخابية منحت هايس 185 صوتا وتيلدن 184 صوتا. ولكن تيلدن لم يقتنع، وأحيل الخلاف إلى الكونغرس للحسم، وهنا منح مجلس الشيوخ ذو الأغلبية الجمهورية تأييده لهايس. أما تليدن فقد فاز بمجلس النواب، ولم يستسلم تيلدن والحزب الديمقراطي إلا بعد مقايضة سياسية قبلها هايس والحزب الجمهوري وأولها سحب القوات الفدرالية وإعادة الحكم الذاتي للجنوب، ثم أعلن الفائز رسميا في الثاني من مارس/آذار حيث تسلم هايس مقاليد البيت الأبيض.

وفي عام 1888 لم يفز الرئيس كليفلاند رغم تمتعه بغالبية التصويت الشعبي فخسر الرئاسة.

ورغم أنه جرت محاولات كثيرة جداً في المائتي سنة الماضية للتخلص من نظام الكلية الانتخابية أو على الأقل إصلاحه، إلا أن أيا من هذه المحاولات لم تنجح. وفي عام 1987 كانت نسبة استطلاع الرأي وسط المحامين لإلغاء هذا النظام 69%.

وفي ولاية فلوريدا التي يحكمها جيب بوش الشقيق الأصغر لجورج بوش تكرر نفس الإشكال القديم. وبصرف النظر عما قيل عن حيل وأساليب وابتكارات حديثة لتوجيه بوصلة الانتخابات، إلا أن ماكينات فرز الأصوات أيضا تتحمل قسطا وافرا مما حدث، فعمرها أكثر من ثلاثين عاما ولم تبدلها السلطات بأجهزة حديثة –تقشفا كما قيل- مع أن كل الأجهزة التي تسببت في مشكلة الانتخابات كانت في مناطق الأقليات والبسطاء والذين اشتكوا لوزارة العدل الأميركية من ممارسات غريبة، حيث ادعوا أنهم منعوا وصدوا عن ممارسة حقهم الانتخابي.

ومع تقادم الأيام وتطور وسائل الإعلام ولعبها دورا فعالا وخاصة التلفاز، ترسخت التجربة وتداخلت عوامل مؤثرة أخرى مثل جماعات الضغط (اللوبي) والتبرعات المالية الضخمة، والتي نظمها سن قانون في عهد الرئيس نيكسون يحد من سخاء الشركات والمؤسسات وتأثيرها في الحياة السياسية الأميركية.

والآن ازدادت التجربة عنفوانا وازدهاراً، وأصبح المال هو عصب كل المعارك الانتخابية حتى غدت نفقات الانتخابات الأميركية هي الأعلى في العالم، فعلى سبيل المثال قدرت تكاليف الانتخابات الأميركية الأخيرة بمليار دولار.

واليوم تقود هيلاري كلينتون -أول سيدة أولى تفوز بمقعد في مجلس الشيوخ عن مدينة نيويورك- حملة جديدة للتخلص من نظام الكلية الانتخابية، ويشاطرها الرأي الكثيرون خاصة في أوساط المحامين والسياسيين بل وغالبية الرأي العام الذي أظهرت استطلاعات سابقة أنه يفضل إلغاء نظام الكلية الانتخابية، وحجتهم أنها نظام معقد ولم تعد له ضرورة، بل إنه تسبب في الكثير من الضرر.

ويستمر الحوار حول الوسيلة المثلى البديلة لفرز بطاقات الاقتراع، فقد ظهرت في البلاد أحدث أجهزة تكنولوجية وإلكترونية، واستمرت مشكلة هذا البلد البيروقراطي الغني الذي يردد المسؤولون فيه أنهم لا يجدون في الميزانيات ما يكفي لتحديث الأجهزة مع أنها سجلت أكبر فائض في الميزانية في تاريخ هذه الأمة!

الأزمة الانتخابية عززت الثقة في الدستور والمؤسسات والقضاء وآليات التقاضي وحسم الخلافات، فلا خوف طالما أن الأميركيين لجؤوا للمحامين لا إلى الجنرالات، فلا دبابات في الشوارع، ولا حصار يضرب على البيت الأبيض كما يحدث في غالبية دول العالم الثالث الذي تهكم كثيراً على ما حدث، والحياة تسير بشكل طبيعي، وسوق المال في ارتفاع وهبوط كما كان قبل الانتخابات.. وفي نهاية المطاف هناك حل، فالبلاد فيها رئيس يمارس مهامه حيث كان الرئيس كلينتون يجوب العالم فيحضر قمة في بروني، ويزور فيتنام التي لم يزرها أي رئيس أميركي خلال الخمسة والعشرين عاما الماضية، وفي عهده شهد الأميركيون انخفاضا ملحوظاً في معدلات الجريمة، وتقلصت البطالة لأدنى حدودها في الخمسين عاما الأخيرة، وإنجازات عديدة في السياسة الخارجية تحسب للرئيس كلينتون في البوسنة وإيرلندا والشرق الأوسط، ثم أهم ما يشغل المواطن هنا وهو الاقتصاد شهد بدوره ازدهاراً لم يسبق له مثيل وخاصة أنه أعقب سنوات عجافاً من التردي الاقتصادي والبطالة امتدت لاثني عشر عاماً كان نصيب عهد الرئيس ريغان منها ثمانية وجورج بوش الأب أربعة.

الديمقراطيون كانوا يريدون إكمال ما بدؤوه من نجاحات، ولهذا جندوا مناصريهم من اتحادات النقابات والأقليات ومنظمات النساء، وجورج بوش دعمته الشركات العملاقة مثل شركات السلاح والتأمين وغيرهما، فكان إقبال كثيف من الناخبين، وعدم مقدرة أي من المرشحين حسم النتيجة مبكرا، بالإضافة إلى اللبس الذي حدث ليلة الانتخابات عندما أعلن عن فوز آل غور فبوش ثم ما تبع ذلك من جدل وصراع استمر قرابة شهر ونصف حتى أمرت المحكمة العليا في ولاية فلوريدا بإعادة فرز الأصوات، فطلب جورج بوش من المحكمة العليا للولايات المتحدة أن تتدخل وتلغي قرار محكمة فلوريدا، الأمر الذي تم مما جعل المرشح الديمقراطي يعترف بالهزيمة ويهنئ المنتصر الذي يردد خصومه أنه فاز في الكلية الانتخابية دون التصويت الشعبي، وهو ما يحفز الديمقراطيين للاستعداد المبكر للانتخابات القادمة والتي يتوقع أن ترشح لها هيلاري كلينتون.

أدى الرئيس جورج بوش الابن القسم ومعه معظم الحرس القديم الذي عمل مع والده: وزير الدفاع السابق ديك شيني نائبا للرئيس، وقائد القوات المشتركة كولن باول وزيراً للخارجية، والسيدة غونزالس مستشارة للأمن القومي، كما أنه سلم وزارة الدفاع أحد الذين خدموا فيها قبل 26 عاما في إدارة الرئيس فورد.. وفي ذهنه أنه قهر أخيراً الطاقم الذي أبعد الجمهوريين والرئيس جورج بوش الأب عن سدة الرئاسة وهو رجل السي آي إيه والرئيس القوي عندما انتصر عليه بيل كلنتون -حاكم الولاية الصغيرة المغمور- وهو لم ينعم بعد بما حققه من نجاحات في السياسة الخارجية وخاصة تحرير الكويت.

وكان التسليم والتسلم سلسين وسريعين، ثم كانت الأغلبية  للجمهوريين في مجلس النواب، وبغير ذلك ستصاب مؤسستا الرئاسة والهيئة التشريعية بالشلل، ولن يتم إنجاز أي مشاريع قوانين كما حدث بين الرئيس كلينتون والمجلس النيابي الجمهوري إبان ولاية كلينتون الثانية، فللرئيس حق الفيتو، والكونغرس يستطيع إسقاط أي مشروع بعدم منحه الأصوات اللازمة.

وكانت الإدارة الجديدة خالية من اليهود الأميركيين بخلاف الحال مع الإدارة السابقة، إلا السيد بوب زيلاك الممثل التجاري الأميركي.

وإذا كنا نقول إنه لم تحدث أي أزمة بالمعنى المتعارف عليه، فكل شيء كان يتم حسب الدستور الذي يوفر الغطاء الأمثل لضمان استمرارية النظام الديمقراطي وقوته وسلاسة أداء المؤسسات حيث أحيل الأمر برمته إلى القضاء، فكان الصراع مدنيا وحضاريا وانزوى العسكر لمصلحة القضاء والمحامين.. إلا أننا نستطيع الجزم ودون شك أنها بداية تحول نحو إصلاح النظام الانتخابي، فقد نادى الرئيس كلينتون قبل مغادرته البيت الأبيض بأن يكون يوم الانتخابات يوم إجازة وطنية، كما نادى الكثيرون من السياسيين بتغيير ماكينات الانتخابات بأحدث الأجهزة التكنولوجية وتوفير الاعتمادات اللازمة لها وبخاصة أن البلاد تشهد فائضا في الميزانية غير مسبوق، وأن تقفل الصناديق وتعلن النتائج في وقت واحد في عموم الولايات المتحدة مع اعتبار فارق الوقت.

ويتوقع أن إدارة بوش ستقلل الاشتغال بالقضايا الخارجية،  وسوف تفقد قضايا كثيرة الاهتمام السابق مثل قضايا العولمة، والتجارة العالمية، وفقراء العالم.

أما الأزمة الحقيقية فستحدث لا محالة إذا ما أصر جورج بوش على تنفيذ برنامجه المعلن والذي يتبناه الحزب الجمهوري وجماعات المصالح وقوى الضغط التي تدعمه عادة، وهو التخفيض الضريبي الهائل الذي ربما بلغ ما بين 1,3 و1,7تريليون دولار، وهو الأمر الذي عارضه كلينتون بشدة، ولم ينس أن يحذر منه في خطاب الوداع الأخير للشعب الأميركي لأنه يعتقد أن ذلك سيخدم الطبقات الغنية فقط ويجعلها تسيطر على الاقتصاد، وسيضر بالطبقة الوسطى والفقراء، وبالميزانية وفائضها، وسيعود بالبلاد إلى حالة العجز الدائم في الميزانية والذي تحررت منه في عهد الرئيس كلينتون الذي حصل اليوم في استطلاعات الرأي على نسبة قدرها 65% لأدائه رئيساً للولايات المتحدة أثناء عهده الذي امتد ثماني سنوات، وهي نسبة لم يحصل عليها أي رئيس أميركي منذ الرئيس أيزنهاور، ويتفق الأميركيون على أنه ترك البلاد في حالة أفضل من تلك التي استلمها من بوش الأب.

وينتظر أن تكون أجندة الرئيس بوش هي محور الصراع الأساسي القادم والتي من ضمنها التعليم والبيئة، ثم هناك موضوع الدفاع ونظرية التفوق العسكري الأميركي، والمشاريع الهائلة العملاقة التي يتبناها الجمهوريون، الأمر الذي يعني الصرف الباذخ للشركات المصنعة. وقد اعترض عليها رئيس بنك الاحتياط الفدرالي الأميركي، وهو جمهوري مخضرم. كما حذر العضو الديمقراطي جو بادين -وهو من لجنة العلاقات الخارجية وممثل ولاية ديلوير- الرئيس المنتخب من مغبة التمادي في الصرف على التسليح بشكل كبير، ونوه إلى أنهم في الكونغرس لن يدعموا أو يتعاونوا في تمرير مثل هذه المشاريع. وسوف يؤثر ذلك في الانتخابات الفصلية والتمهيدية بعد سنتين، أي عام 2003، وربما تعطي هذه الانتخابات الأغلبية للديمقراطيين، وسيكون التعاون حينها بين البيت الأبيض والهيئة التشريعية صعباً.

وسوف يبقى السؤال هل كانت هناك أزمة قائمة؟ لأنه يتوقف على طريقة أداء الرئيس جورج بوش وعما إذا كان فعلا سيمضي قدما في تنفيذ برنامجه أم سيصل وحزبه الجمهوري إلى حلول وسط مع الديمقراطيين ويثبت فعليا أنه رئيس كل الأميركيين، وأنه جاء ليوحد الأمة التي مزقتها الانتخابات ويتصالح مع الأقليات ومنهم الأميركيين الأفارقة والذين لم يمنحوه سوى 9% من أصواتهم، خاصة وأن السؤال عن شرعيته وأهليته لقيادة أقوى دولة في العالم ما زال قائما أيضا.
_________________
* كاتب عربي مقيم بواشنطن