الدكتور رمضان شلح، الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين.

هل تعتقد أن الدولة الفلسطينية التي يجري الحديث عنها، هي الدولة التي حلم الفلسطينيون بها وناضلوا من أجلها؟

الدولة التي يجري الحديث عنها لا تجسد الحلم الفلسطيني، بل هي من مقتضيات الحلم الإمبراطوري الأميركي الذي يكتسح العالم ويهمه السيطرة على نفط المنطقة وضمان تفوق إسرائيل فيها.

فالدولة الفلسطينية حسب الرؤية الأميركية هي إجهاض للحلم الفلسطيني، وتحايل على الرأي العام العربي والإسلامي، وحاجة أميركية للتغطية على جريمتها باحتلال العراق، وإعادة استعمار المنطقة بحجة دعم الديمقراطية وتحرير الشعوب من الدكتاتورية.

فأميركا التي هي "الاحتلال" في العراق لا يمكن أن تساعد شعبنا في التخلص من "الاحتلال" في فلسطين.. بل بالعكس فإن الاحتلال الأميركي للعراق والاحتلال الصهيوني لفلسطين وجهان لعملة واحدة، ويكمل أحدهما الآخر في تحقيق الهيمنة الأميركية والصهيونية على المنطقة.

وبصرف النظر عن الأحلام التي رافقت نشأة النضال الفلسطيني، هل تعتقد أن الواقع العربي والدولي قادر على تحقيق دولة فلسطينية؟

"
الإدارة الأميركية اليوم أكثر صهيونية من حزب ليكود الإسرائيلي

"
الوضع العربي الرسمي اليوم تحلل من أي التزام حقيقي بفلسطين. العرب في السابق نادوا بتحرير فلسطين، لكن هذا أصبح اليوم في نظرهم جريمة أو درباً من الجنون!

أيضاً في السابق رفعوا شعار "إزالة آثار العدوان" لكن شعارهم اليوم أصبح إزالة آثار كل ما يتعلق بالصراع من أجل فلسطين. لقد أصبح مصطلح "الصراع العربي الصهيوني" من مخلفات الماضي وعلامات الأصولية والراديكالية وما شابه ذلك.

أما الوضع الدولي فهو في قبضة أمريكا.. والإدارة الأميركية اليوم أكثر صهيونية من حزب ليكود الإسرائيلي.

الأيديولوجيا اليمينية الصهيونية والاستعارات التوراتية التي قامت عليها الدولة اليهودية، ربما لم تعد موجودة لدى بعض الأحزاب الصهيونية مثلما هي حاضرة بقوة في الإدارة الأميركية والسياسة الأميركية: من خلال المحافظين الجدد، ومن خلال موجة الأصولية المسيحية الصهيونية، والهوس الديني الذي يجتاح الولايات المتحدة وينعكس في السياسة الأميركية.

لذلك لا أعتقد أن الوضع العربي أو الدولي يمكن أن ينتصر الآن لحقوقنا، ويدعم شعبنا إلى حد إقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة.

من خلال ميزان القوى والواقع العالمي القائم، هل يمكن إقامة دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967؟ وهل هذه الدولة قابلة للحياة في ظل التباعد الجغرافي والقيود الإسرائيلية؟  

في أكثر البرامج الصهيونية تساهلا: الدولة الفلسطينية المتخيلة هي على أجزاء وليس على كامل أراضي 67، أي في جزر مقطعة الأوصال أو كانتونات بلا تواصل جغرافي، وبلا سيادة على الأرض والمياه والمعابر والحدود والأجواء، وبلا قدس، وبلا تفكيك للمستوطنات، وبلا عودة للاجئين.

أي أن الدولة الفلسطينية في الخيال الأميركي الصهيوني هي دولة مسخ لا تشكل أي تهديد لإسرائيل، بل هي حاجة إسرائيلية وضمان للأمن الصهيوني وإجهاض للحلم الفلسطيني.

في مثل هذه الحال، فإن إسرائيل لا يضيرها لو سميت هذه الدولة بإمبراطورية طالما أنها لا تملك أية مقومات لدولة فلسطينية حقيقية قابلة للحياة.

هل يمكن لدولة تقام في الظروف السائدة وفي ظل هذا الاختلال أن تسهم في إعادة اللحمة للإرادة العربية، أم ستزيد في إضعاف هذه الإرادة؟

"
المقاومة ألحقت أذى كبيرا بالكيان الإسرائيلي لم تستطع عروش وجيوش عربية إلحاقه به

"
نحن نعتقد أن الدولة القُطرية أو دولة التجزئة التي أنتجتها معادلة سايكس بيكو هي ضد مشروع الأمة، وتعمل بالنقيض لمصالحها الحقيقية في المعادلة الدولية والإقليمية.

والدولة الفلسطينية المرتبطة بالمعادلة الإسرائيلية والفاقدة للسيادة والمقومات الحقيقية للدولة، هي جسر عبور للمشروع الصهيوني إلى كل عواصم الأمة.

إذا كان العرب يعتبرون أن رضا أميركا اليوم يتم عبر البوابة الإسرائيلية، والصراع لم ينته ومازال مفتوحاً على كل الاحتمالات.. فكيف إذا أعلن قيام الدولة المسخ وإنهاء الصراع؟!

إن طي صفحة فلسطين سيكون بمثابة بداية الهيمنة الأميركية الصهيونية الكاملة على المنطقة.. وسيمتد الهجوم الإسرائيلي من فلسطين إلى كل العمق العربي والإسلامي.

فالدولة المسخ المقترحة هي تكريس لواقع التجزئة والتفكيك الراهن: تفكيك الدول، وتفكيك الشعوب، وتفكيك الإرادات، وتفكيك كل شيء لإعادة التركيب وفق قيم ومصالح أميركا وإسرائيل في المنطقة والعالم.

ما هو مدى توافق الأداء السياسي والعسكري لحركتكم مع تصوركم الخاص للدولة الفلسطينية ومستقبلها؟

نحن ندرك أن الاختلال في ميزان القوة أكبر من إمكانيات أي طرف فلسطيني أو عربي.. ونعلم أن جهادنا وجهدنا المتواضع لن يحرر فلسطين غداً، لكنه يسهم مع بقية قوى المقاومة في تعزيز صمود شعبنا وتصليب إرادة المواجهة لمنع تصفية القضية الفلسطينية.

ونحن نقول إننا إذا كنا كفلسطينيين غير قادرين على تحقيق النصر، فنحن نستطيع منع وقوع الهزيمة النهائية بشعبنا وأمتنا.

وفي إدارة الصراع مع العدو، فنحن ندرك أنه صراع طويل ومرير لن ينتهي بضربة قاضية يوجهها أحد الطرفين للآخر.. إنه صراع تسجيل النقاط ومراكمة الإنجازات.

وخلال هذه الانتفاضة ألحقت المقاومة أذى كبيراً بالكيان الإسرائيلي، لم تستطع عروش وجيوش عربية إلحاقه به.

وإذا استطعنا المحافظة على وحدتنا الوطنية فهي الضمانة الأساسية لقدرتنا على الاستمرار، وليس أمامنا من خيار سوى أن نستمر في جهادنا وكفاحنا حتى تحرير أرضنا ونيل حقوقنا بإذن الله.