بقلم لواء أ.ح: صلاح الدين سليم محمد

لم يعد تهديد واشنطن بغزو العراق مجرد احتمال مرجح في أواخر خريف العام الحالي 2002 أو بدايات شتاء العام الميلادي القادم، بل أصبح قرارا معلنا للرئيس الأميركي جورج بوش يحظى بتأييد غالبية أعضاء مجلسي الكونغرس الذين أصدروا قانون "تحرير العراق" منذ زمن طويل.


برنارد لويس مستشار الرئيس الأميركي أعلن صراحة: "إن إسرائيل لن تنمو وتستمر في موقعها الإستراتيجي المهم، ما لم تعد منطقة الشرق الأدنى إلى ما كانت عليه في عهد الإمبراطورية العثمانية من كيانات قومية وعرقية وعنصرية ومذهبية متفرقة ومتصارعة بفعل نزاعاتها المستمرة"!!!
ولا يرجع هذا التصميم على ضرب العراق وإسقاط حكومة بغداد إلى مجرد اتهامها باستئناف إنتاج الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، أو مزاعم تهديدها لأمن بعض دول الجوار في منطقة الخليج العربي، أو ادعاء صلتها بتنظيم القاعدة، أو احتمال دعمها لبعض جماعات الإرهاب الدولي بالمال أو الذخائر الكيميائية والبيولوجية، أو تعريضها بعض المصالح الأمنية الأميركية في الشرق الأوسط لمخاطر آنية أو مستقبلية، بل إن برنارد لويس مستشار الرئيس الأميركي أعلن صراحة: "إن إسرائيل لن تنمو وتستمر في موقعها الإستراتيجي المهم، ما لم تعد منطقة الشرق الأدنى إلى ما كانت عليه في عهد الإمبراطورية العثمانية من كيانات قومية وعرقية وعنصرية ومذهبية متفرقة ومتصارعة بفعل نزاعاتها المستمرة"!!!.

أما صقر البنتاغون الأميركي بول وولفويتز فيؤكد أن "تغييرات جذرية يجب أن تطرأ بسرعة على نظم الحكم في دول محور الشر وبخاصة العراق وإيران للقضاء على تهديداتها لأمن دول العالم الحر، ولإقامة نظم ديمقراطية فيها، وإن كانت واشنطن تفضل قيام كيان فدرالي في العراق بعد إسقاط نظام صدام حسين وانقضاء فترة انتقالية تنتهي بالانتخابات العامة. ومثل هذه الفدرالية قد تكون مطلوبة في مرحلة لاحقة في دول عربية أخرى كالسودان، ثم المملكة العربية السعودية التي يمكن أن تقسم –وفق رؤية لويس وبول وولفويتز معا- إلى ولايات اتحادية في الحجاز ونجد والمنطقة الشرقية وعسير"!!! ويزعم دونالد رمسفيلد وزير دفاع بوش أن العراق يرفض عودة مفتشي الأسلحة إلى أراضيه والرقابة على تسليحه المتقدم، وأنه لم يلتزم تماما بجميع قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة وبخاصة قرارا مجلس الأمن برقمي 687 و1284، ومن ثم فإن استخدام القوة العسكرية ضد العراق لإسقاط صدام حسين لا يحتاج إلى تفويض جديد من مجلس الأمن الدولي كما يطلب الرئيس الفرنسي جاك شيراك والمستشار الألماني غيرهارد شرودر!!! ويعتبر دونالد رمسفيلد ونائبه وولفويتز أن الأوضاع الإقليمية في الشرق الأوسط لا تمثل عقبة حقيقية أمام غزو العراق, حتى إن الجامعة العربية أو بعض دولها لم تفكر بعد في دعوة مجلس الأمن الدولي لبحث التهديدات الأميركية لحكومة العراق!!!.

توجهات القوى الكبرى

الموقف البريطاني


لم يتردد توني بلير في إقالة السير مايكل بويس رئيس أركان حرب القوات المسلحة البريطانية لأنه جاهر منذ بضعة أسابيع بمعارضته للمشاركة في غزو العراق أو احتلاله لبضع سنوات قادمة!!!
يجد الأميركيون تأييدا كاملا من رئيس وزراء بريطانيا توني بلير في غزو العراق، وهو يبدي استعداده لتمركز قوة بريطانية من 25 إلى 30 ألفا في أراضيه لمدة 4-5 أعوام كجزء من قوة احتلال بعد الإطاحة بنظام صدام حسين، ويقترح أن تكلف هذه القوات البريطانية بمنع اشتعال الفوضى في ربوع العراق، ومواجهة محاولات تقسيمه، ثم تتحول إلى قوات حفظ سلام متعددة الجنسيات تمول نفقاتها دول صديقة لن تشارك في ضرب العراق مثل اليابان واحتمالا ألمانيا.

وأكد بلير أنه يتفهم قلق واشنطن من محاولات التدخل العراقية المحتملة لتعديل معادلات التوازن الإستراتيجي العسكري بين إسرائيل ودول الطوق العربية، ومخاطر دعم بغداد للقوات العربية التي قد تتورط في مواجهات عسكرية مستقبلية على الجبهة الشمالية أو الشرقية لإسرائيل، وهو يدرك أن من الضروري منع امتلاك دول عربية أو إسلامية لأسلحة ردع غير تقليدية (أي نووية) أو فوق تقليدية (كيميائية وبيولوجية) في منطقة الشرق الأوسط المهددة باحتدام الصراعات الإقليمية فيها في العقدين القادمين.

ولم يذكر بوش أو بلير صراحة شيئا عن القفزات الكبيرة في تقدير احتياطيات البترول المؤكدة في أراضي العراق في السنوات العشر الأخيرة، والتي تفوق أضعاف رقم المائة مليار برميل الشهير الذي تعارف عليه السياسيون والاقتصاديون قبل كارثة غزو العراق للكويت.

والولايات المتحدة وبريطانيا تطمعان معا في الفوز بالاستثمارات البترولية الجديدة في العراق التي يمكن أن تزيد إنتاجه إلى 5-6 ملايين برميل/يوم عام 2010 على الأرجح، وتجعله صاحب ثاني أكبر احتياطي بترول في العالم بعد المملكة العربية السعودية، كما يحقق الرغبة الغربية في خفض سعر برميل البترول إلى 15-12 دولارا على الأكثر.

ولم يتردد توني بلير في إقالة السير مايكل بويس رئيس أركان حرب القوات المسلحة البريطانية لأنه جاهر منذ بضعة أسابيع بمعارضته للمشاركة في غزو العراق أو احتلاله لبضع سنوات قادمة!!!.

ومن جهة أخرى فإن بلير يدعو إلى نوع من الارتباط السياسي الوثيق بين نظام الحكم العراقي الجديد والأردن، وقد ناقش هذا الموضوع مع عاهل الأردن في زيارته الأخيرة لبريطانيا منذ أيام معدودة، وهو ما يعيد للأذهان فترة الحكم الهاشمي للبلدين تحت الحماية البريطانية وأحلام الهلال الخصيب في النصف الأول من القرن العشرين المنصرم، كما يتفهم بلير ويشجع إمكانية استيعاب العراق لعدد كبير من اللاجئين الفلسطينيين المقيمين حاليا في سوريا ولبنان والأردن, في إطار التسويات السياسية القادمة المرتقبة للمشكلة الفلسطينية في السنوات القريبة القادمة.

ويمضي بلير لتسويق ضرب العراق بين دول الاتحاد الأوروبي، ويعلن أن أوروبا لن تترك الولايات المتحدة وحدها لتنفرد بغزو الأراضي العراقية، فالمصالح الأوروبية في الخليج العربي متعددة ومتنامية، والعراق -كاليابان بعد الحرب العالمية الثانية– سوف يحتاج إلى فترة ممتدة من الوجود العسكري الغربي في أراضيه ومن التخطيط الشامل للتنمية الاقتصادية والإصلاح السياسي الذي يربطه بالولايات المتحدة وأوروبا الغربية.

بقية دول العالم الفاعلة
انعكست جهود بلير على إيطاليا التي وافقت على استخدام القوات الأميركية لبعض قواعدها الجوية في حالة ضرب العراق، بينما خفت حدة المعارضة الفرنسية والبلجيكية والإسبانية للخطة الأميركية لإسقاط نظام صدام حسين. ودعت فرنسا العراق إلى استئناف مباحثاته مع الأمم المتحدة على وجه السرعة وعلى أساس قبول عودة المفتشين الدوليين إلى أراضيه دون شروط مسبقة، مع وعد مباشر بتخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة عليه. وبينما تعارض روسيا العدوان الأميركي على العراق، وترفض محاولات المعارضة العراقية للاتصال بموسكو، فإن الصين تعبر عن رفضها الهادئ للعدوان العسكري على الشعب العراقي وتدعو الأمم المتحدة لاستئناف الاتصالات الدبلوماسية مع حكومة بغداد، ويبدو أن الصين لا تزال قوة كبرى إقليمية في شرق آسيا ووسطها أكثر منها قوة عظمى تؤثر في بؤر الصراع الدولي كلها.

المواقف العربية


بعض الدول العربية لا تملك الاعتراض على بدء الحشد البري والبحري والجوي الأميركي على أراضيها وفي مياهها، وهو ما حدث بالفعل في تركيا والكويت والبحرين وقطر، وارتفع حجم الوجود العسكري الأميركي الحالي في الخليج إلى ما يزيد على 55 ألف ضابط وجندي
تتباين مواقف الدول العربية من محنة العراق، فمصر تقدر خطورة استباحة أي أرض عربية بدعوى أن نظام حكمها غير ديمقراطي أو يهدد المصالح الحيوية الأميركية أو يبني أسلحة الدمار الشامل التي تملكها إسرائيل وتمضي في تطويرها بدعم أميركي. وقد أعلنت مصر اعتراضها على غزو العراق الذي سيضرب الاستقرار الإقليمي في الشرق الأوسط كله، وعلى تهديد السودان وسوريا وليبيا بضربات قادمة في إطار حملة بوش الإرهابية. وطالبت مصر والسعودية بوقف التشجيع الأميركي لجماعات المعارضة العراقية لتشكيل حكومة مؤقتة في المنفى أو مجلس أعلى للخلاص الوطني في الدانمارك، وبالتركيز حاليا على وقف العدوان الصهيوني في الضفة الغربية لنهر الأردن وغزة، واستئناف مباحثات التسوية السياسية في فلسطين دون التعلل بالانتظار إلى ما بعد يناير/ كانون الثاني 2003 حين تتم الانتخابات الرئاسية والتشريعية الفلسطينية، وحذرت القاهرة والرياض من تجدد الاعتداءات الإسرائيلية في جنوب لبنان أو شمال الجولان.

وقد اعترضت مصر وسوريا والسعودية بالفعل على تغلغل عناصر المخابرات المركزية الأميركية ووحدات القوات الخاصة في كردستان العراقية، وعلى استدعاء الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني وجلال طالباني إلى ولاية فرجينيا الأميركية لمحاولة تحديد دوريهما في الاجتياح المقبل للعراق والضغط لاستخدام مليشياتهما في تسهيل اقتراب القوات الأميركية على محورين اثنين إلى وسط العراق، وهي محاولة لم تكتمل أبعادها حتى الآن.

وطلبت الدول العربية الثلاث أن توقف واشنطن ضغوطها على السكرتير العام للأمم المتحدة كوفي أنان بما يسمح باستئناف مباحثات عودة مفتشي الأسلحة إلى العراق، وتخفيف أو إلغاء العقوبات الاقتصادية المفروضة عليه والتي أدت إلى مصرع 1.5 مليون عراقي في سنوات الحصار الإحدى عشرة حتى الآن ومعظمهم من الأطفال!!! ويخفت الاعتراض الأردني تدريجيا على استخدام أراضيه في الهجوم البري ضد العراق, فأوراق الضغط التي تملكها واشنطن عديدة، وتشمل التهديد بالتهجير الإجباري لبعض الفلسطينيين من الضفة الغربية إلى الأراضي الأردنية، وتقليص المساعدات الاقتصادية والعسكرية للأردن التي ارتفعت إلى 400 مليون دولار سنويا، وإثارة قضية الديمقراطية في مجتمعه.

لكن بعض الدول العربية لا تملك الاعتراض على بدء الحشد البري والبحري والجوي الأميركي على أراضيها وفي مياهها، وهو ما حدث بالفعل في تركيا والكويت والبحرين وقطر، وارتفع حجم الوجود العسكري الأميركي الحالي في الخليج إلى ما يزيد على 55 ألف ضابط وجندي.

وقد أدت الأوضاع الاقتصادية والسياسية المتردية في تركيا إلى استسلام حكومة أنقرة للقرار الأميركي بشأن العراق والاكتفاء بطلب تأجيل تنفيذه إلى ربيع 2003!!! ولا تزال جامعة الدول العربية مغرقة في سلبياتها إزاء إتمام المصالحة بين العراق وكل من الكويت والسعودية، والبحث عن حل نهائي لمشكلتي الأسرى والمفقودين الكويتيين والممتلكات الكويتية، وعاجزة عن المشاركة كمنظمة إقليمية فعالة في مباحثات كوفي أنان مع الحكومة العراقية بشأن التفتيش الدولي والعقوبات الظالمة ضد شعب بلاد الرافدين التي دخلت عامها الثالث عشر.
______________
مستشار المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط