لقاء مكي

خلال أقل من عامين بعد الغزو الأميركي بدأ العراق شوطا جديدا من العملية السياسية، أراد له بعض السياسيين أن يكون مصداقا لمواقفهم التي أيدت الحرب، بينما اعتبره فريق آخر دليلا على عقم محاولات بناء عملية سياسية صحيحة في ظل الاحتلال.

وبغض النظر عن صواب منطق أي من الفريقين إزاء الانتخابات العامة التي جرت في الثلاثين من يناير/كانون الثاني الماضي، فإن المشكلة هي أن كلا منهما يتخندق في موقفه، ويتحصن بعضهم لتوكيده أو لدعمه بتكريس خطير للطائفية والعرقية، وبتعاط  مباشر مع قوى أجنبية تعمل لمصالحها، بينما يعاني المواطن العراقي من أزمات تحول شديدة الوطأة مليئة بالمفاجآت.


الانتخابات.. واقع سياسي جديد
شارك في الانتخابات أكثر من ثمانية ملايين مواطن عراقي في داخل البلاد وخارجها أي ما يمثل نحو ستين في المائة من حجم الكتلة الانتخابية البالغة أكثر من أربعة عشر مليون ناخب، ونظر الكثيرون إلى هذه المشاركة على أنها انتصار واضح لمنطق الأطراف التي أصرت على إجراء الانتخابات في موعدها، وفي مقدمتها الأحزاب الدينية المدعومة من مرجعية السيد علي السيستاني حتى إنه سميت بالثورة البنفسجية إشارة إلى لون الحبر الذي كان يميز أصابع المقترعين.

في الوقت نفسه سعت إدارة الرئيس بوش للإفادة من الإقبال الشعبي غير المتوقع على صناديق الاقتراع بجعل هذه المشاركة دليلا على صواب عملية الغزو لاسيما مع ارتفاع وتيرة الانتقادات في الولايات المتحدة بسبب ما تبين من بطلان الادعاءات الأميركية الخاصة بأسلحة الدمار الشامل.

وفي الاتجاه الآخر، كانت الأطراف التي قاطعت الانتخابات أو انسحبت من سباقها تنظر إلى ما حدث على أنه يفرز برلمانا ناقص الشرعية لأن نحو أربعين بالمائة من العراقيين قاطعوا الانتخابات ولم يشاركوا في التصويت ولأن بعض المحافظات لم تكن نسبة المصوتين فيها تتجاوز ثلاثة في المائة، وهكذا بدت الانتخابات رغم ما ظهر من نجاحها النسبي وكأنها سبب جديد للاختلاف اعطي بعدا طائفيا ومناطقيا على حساب البعد السياسي.

وبغض النظر عن أصل الجدل حول المشاركين والمقاطعين، فإن نتائج الانتخابات أفرزت واقعا سياسيا معينا، حيث فاز الائتلاف العراقي الذي تغلب عليه الأحزاب الشيعية بنسبة 47.6 % من مجموع الأصوات وحظي بأغلبية 140 مقعدا من مقاعد الجمعية الوطنية البالغة 275، أما المرتبة الثانية فكانت من نصيب التحالف الكردستاني الذي صوت له 25.4 % من الناخبين وحصل على 75 مقعدا، بينما جاءت ثالثة قائمة "العراقية" بزعامة إياد علاوي وحصلت على أربعين مقعدا، وتوزعت بقية المقاعد بين قوى مختلفة مثل قوائم السيد غازي الياور والشيوعيين وغيرهم.

صورة المشهد الراهن
عند الكثيرين لم تكن هذه النتائج مقدمة لتجربة ديمقراطية ناجحة، بل إنها بدت وكأنها جزء من المشكلة وليست جزءا من الحل، فغياب حجم واسع من العراقيين عن الانتخابات ناهيك عن الثغرات في النظام الانتخابي وكذلك التجاوزات التي شابت العملية الانتخابية، كل ذلك أفرز نتائج غير واقعية ولا تعبر عن المكونات الحقيقية للشعب العراقي سواء كانت قومية أو طائفية أو سياسية، وتسبب في خلل في التوازن المطلوب لمعالجة قضايا خلافية جوهرية يتوجب التصدي لها في كتابة الدستور الدائم، وهو ما ظهر بوضوح في المصاعب والتأخير غير الطبيعي الذي شاب عملية تشكيل الحكومة الجديدة، والعودة إلى منطق المحاصصة الطائفية والعرقية بوصفها أسهل الوسائل وإن كانت أسوأها  لمعالجة القضايا الخلافية في  تشكيل هياكل السلطة وملء فراغات انعدام التوازن.

وبعيدا عن الأسباب والجذور فإن المشهد السياسي الراهن في العراق يؤشر ما يلي:

  • سيطرة فئوية على التشكيلات السلطوية لا يلغيها مبدأ التوافق حتى لو قلل من آثارها العلنية والإعلامية.
  • انسحاب الخلافات السياسية التي ظهرت خلال المفاوضات الشيعية الكردية لتشكيل الحكومة على المواقف الشعبية، لا سيما بعد أن بدأ كل طرف يرمي اللوم على الطرف الآخر في بيان أسباب تأخر إعلان الحكومة.
  • ظهور نزعة داخل بعض الأطراف السياسية السنية تطالب بدور في الحياة السياسية وكتابة الدستور حتى لو كان موقفها الرافض للانتخابات قد وضعها خارج الجمعية الوطنية.
  • اقتناع الأطراف الفائزة بالحاجة إلى حكومة وحدة وطنية والدعوة إلى عدم تهميش أية فئة عراقية.
  • غياب نسبي للتدخل الأميركي في الشأن السياسي خلال الانتخابات وبعدها، رغم بعض  الاستثناءات المهمة والموحية.
  • ظهور دعوات علنية لوقف تدخل مرجعية السيد السيستاني في الشأن السياسي بعد أن كان دورها مشهودا في حشد أعداد ضخمة للمشاركة والتصويت لقائمة ما سمي بالائتلاف.
  • استمرار نشاط المقاومة المسلحة والعمل العسكري ضدها من غير أن يتأثرا بالوضع السياسي وتطوراته.
  • استمرار تحالف قوي بين المقاطعين للانتخابات وهم تشكيل واسع من الإسلاميين الشيعة والسنة والقوميين والليبراليين واستمرار موقفهم الرافض للمشاركة في العملية السياسية بوجود الاحتلال.
  • بقاء المعاناة الشعبية من الوضع الأمني ونقص الخدمات والمشكلات الاقتصادية وظهور انزعاج شعبي واسع من الساسة العراقيين بسبب ما بات يوصف بتغليب مصالحهم الشخصية والحزبية والفئوية على المصلحة الوطنية.

انتخاب رئيس الجمعية الوطنية.. مصير التوافقية؟

كانتونات السلطة الجديدة
هذه  المؤشرات تعبر عن واقع راهن ضاغط وهي بالضرورة تقود نحو مستقبل قادم ينتظر، لكنه لن يكون بعيدا عن حقائق الحاضر وتجلياته، والأهم أن هذه المؤشرات أو الحقائق ليست منعزلة عن بعضها كما أن بعضها ما زال مضببا وغير معبر عن حقيقته التي يجري تقديمها بدبلوماسية ونعومة ربما تقنع المحللين لكنها لا تفوت على العراقيين او العارفين بشأنهم.

ولعل من أبرز هذه الحقائق المضببة أن التيار الطائفي الذي كرسه الاحتلال -وإن لم يخترعه - لم يكن أبدا جزءا أصيلا من الحياة السياسية أو الثقافة العراقية لكن موقف الاحتلال تماهى مع إرادة قوى سياسية ما كان لها أن تكون بهذا الحضور من غير مد طائفي يأخذها إلى السلطة، وهو طموح كان يتطلب في الوقت نفسه تصفية الحس القومي التقليدي في العراق بسبب التناقض التقليدي بين القومية والطائفية.

"
التوافقية بديل غير شرعي للديمقراطية وهي تضع أسسا لعرف سياسي يصبح من الصعب الخلاص منه

"
ولعل البعض نظر إلى المحاصصة الطائفية التي جرى بها توزيع مقاعد السلطة عقب الانتخابات على أنها تقاسم عادل ومؤقت فيه نكران ذات من قبل الفائزين  يعبر بالعراق شوطا آخر من أشواط بنائه السياسي الذي يراد له أن يكون جديدا، لكن الاستمرار في هذا النمط من تقاسم السلطة بعد تجربة أكدت فشلها في مجلس الحكم يحمل في طياته معالم توافقية تتحول بالتدريج إلى ما وصفته قوى سياسية عراقية بـ" البديل غير الشرعي للبناء الديمقراطي"، حيث تتجمد فاعلية السلطة التشريعية أمام كانتونات السلطة، وحيث تتعدد مرجعيات القرار الرسمي بدلا من المرجعية الشرعية الواحدة.

وقد يصف البعض موافقة الأغلبية البرلمانية الحالية على منح من يوصفون وفق الثقافة الطائفية الجديدة بالسنة العرب رئاسة الجمعية الوطنية ومواقع وزارية وسيادية أخرى، يصفون ذلك بأنه حكمة تقود إلى توافق مطلوب في هذه المرحلة لكن مثل هذا السلوك يضع في قلب السلطة شخصيات ليس لها من بعد جماهيري سوى انحدارها الفئوي من غير أن يكون بعضها مؤهلا حتى لتمثيل طائفته إلى جانب أن ذلك يشكل سابقة ستطالب قوى ربما لن تحصل على الأغلبية بتطبيقها في الانتخابات المقبلة، وهكذا سندخل في دائرة من المواقف التوافقية التي تصادر إرادة الجمهور من جانب وتضع في مواقع السلطة شخصيات كل كفاءتها أنها تنتمي لطائفة أو قومية معينة، وبهذا يتحول الأمر إلى عرف سياسي يصبح من الصعب الخلاص منه تماما كما حدث في لبنان.


الموقف من الوجود الأجنبي
في غمرة الجدل السياسي حول الحكومة المرتقبة وتوزيع تشكيلات السلطة، لم يشر السياسيون العراقيون في تصريحاتهم إلى مواقفهم إزاء الاحتلال بل إن كلمات زعماء الكتل السياسية في افتتاح الجمعية الوطنية أواسط مارس/آذار الماضي لم تشر بأي مستوى إلى الموقف من قضايا تجري خارج قاعة الاجتماع مثل المقاومة ومصير المعتقلين لدى القوات الأميركية إلى جانب مستقبل الوجود الأجنبي والبرامج السياسية المعدة لإنهائه.

كانت هذه المواقف سببا في إبقاء التباعد بين قوى السلطة الجديدة وبين القوى التي قاطعت الانتخابات بسبب ما تصفه باستمرار الاحتلال وهي قوى تستحوذ على نفوذ واسع في الشارع العراقي يمكن قياسه من حجم عدم المشاركة في الانتخابات، ولا يمكن التعامل مع هذا التباعد إلا بوصفه تكريسا لظاهرة الخنادق السياسية التي تعبر الحالة الطائفية والعرقية لتصل إلى مرجعية الموقف السياسي، ورغم أن تنمية هذه الظاهرة ستكون علاجا لأي تفاقم في الحالة الطائفية فإن التخندق في حد ذاته يمكن أن يقود إلى صراع على الشرعية بين الفئتين وبالتالي الوصول إلى مبدأ الإقصاء السياسي أو غير السياسي.

والأمر هنا ليس مجرد وجهات نظر حول الموقف من الاحتلال والسبيل الصحيح لإخراجه، كما أن معالجة الخلل لا تتحقق بالدعوة للمشاركة في الحكم وكأن السلطة جائزة يمكن استدراج الجميع إليها مقابل مواقف (توافقية)، إن الأمر يمتد ليشمل خلافا جوهريا على مسلمات وطنية، ومن غير حل مواطن سوء الفهم والاتفاق على رؤى مشتركة أو متقاربة من هذه المسلمات وأولها الموقف من الوجود الأجنبي في العراق لا يمكن أن نتوقع في المستقبل مناخا صحيا لعمل الحكومة حتى لو ضمت كل الأقليات والطوائف والأديان وهذا في حد ذاته أمر غير ممكن.


التعاطي مع المقاومة
الطرف الآخر في المعادلة المستقبلية هو المقاومة المسلحة، حيث ما زالت قوى السلطة إن جاز التعبير ترفض الاعتراف بالمقاومة في العراق أو تعترف بها باستحياء، بل إن بعض القوى السياسية الأساسية ما زالت تربط بإحكام بين المقاومة والإرهاب، وبين المقاومة والنظام السابق  ومضت إلى حد اعتبار إجراء الانتخابات تحديا شعبيا لهذه الثنائية على حد تحليلها، وفي كلمات الجلسة الأولى للجمعية الوطنية أدان الجميع الظاهرة الإرهابية متوعدين بمواجهتها من غير أن نسمع شيئا عن تمييزها عن المقاومة.

"
سياسيو السلطة الجديدة لم يتطرقوا إلى الموقف من الوجود الأجنبي أو المقاومة وهو ما يهدد بتكريس ظاهرة الخنادق السياسية في العراق

"
والمشكلة لا تكمن فقط في الانسياق اتجاه معاداة قوة حقيقية على الأرض لها أهداف وطنية لا يمكن التشكيك فيها بعد استبعاد القوى التي تستهدف المدنيين بطبيعة الحال، بل إن الأمر يتضمن أيضا سوء قراءة للموقف الأميركي ذاته، حيث تحدثت دراسات أميركية عديدة مؤخرا عن ضرورة الاعتراف بالمقاومة العراقية، بل إن جلسة استماع في الكونغرس تضمنت المضي إلى اعتبار أن المقاومة العراقية ربما تجبر أميركا على تغيير فكرها العسكري الإستراتيجي كما أشارت صحيفة واشنطن بوست.

بهذا الشكل يمكن أن نفترض أن (اتفاقا) من نوع ما بين المقاومة والأميركيين قد يجعل القوى السياسية الحالية في حرج لا توقفه إلا مغادرتها الحياة السياسية أو تغيير مواقفها بطريقة غير مناسبة أو دخولها في صراع مع قوى سياسية يمكن أن تظهر في المستقبل وهو لن يكون حينذاك صراعا سياسيا على أية حال.

وحتى إن لم يتحقق مثل هذا السيناريو فإن أية سلطة لا بد أن تتعامل بطريقة منفتحة ومتفهمة إن لم نقل مؤيدة للمقاومة الحقيقية، لا سيما أنها ترى أن سياسة حكومة السيد إياد علاوي لم تفض إلا لمزيد من العنف من غير أن تضعف المقاومة أو تقلل تأثيرها.


البناء على الشحن العاطفي
لا تزال بعض القوى السياسية الراهنة تدق على أوتار الماضي وما تصفه بجرائم النظام السابق وتشحنها عاطفيا وكأنها تريد إبقاء الشارع في حالة هيجان وتوثب تحسبا لأي طارئ سياسي، وفي الوقت نفسه -وهنا المفارقة- فإن هذه القوى ذاتها لم تقم بأي جهد سياسي أو قانوني لمحاكمة المسؤولين عن هذه الجرائم، وهي تواصل منذ عامين عملية إذكاء مشاعر الناس وتحريضهم علنا ضد مواطنيهم من العراقيين الذين كانوا من البعثيين أو من العسكريين في الجيش أو قوى الأمن الأخرى، بل إن قائمة الائتلاف رفضت ترشيح السنة العرب لشخصيتين من أعضاء الجمعية الوطنية لرئاستها هما عدنان الجنابي ومشعان الجبوري بحجة ارتباطهما بالنظام السابق في مراحل معينة وبالطبع فإن هذا السلوك لا يمكن أن يشكل أساسا لبناء سياسي ديمقراطي يحتكم للقانون، وهو حتما سيصطدم بإرادات سياسية أخرى في البلاد وربما يقود إن استمر التعاطي معه بهذا الشكل إلى تدمير العملية السياسية برمتها.
والتعاطي العاطفي مع الأحداث والقضايا يمكن أن يفسر على أنه إما أن يكون فشلا قياديا يحتكم لإرادة الشارع حتى لو كانت مناقضة للقانون أو أنه عملية مقصودة لاستدراج الجمهور وإبقائه في إطار الهيجان والغضب لاستخدامه وسيلة ضغط ضد الخصوم السياسيين أو القوى الأخرى.



_______________
الجزيرة نت