*بقلم/ د.عبد الستار قاسم

حققت الانتفاضة الفلسطينية عدة إنجازات في سنتها الثانية من حيث الاستمرار في أعمال المقاومة التي حلت محل الأعمال الاحتجاجية التي سادت في السنة الأولى، ومن حيث التأثير القوي في العدو في مختلف نواحي الحياة، وتطوير وحدة وطنية ميدانية. بدأت الانتفاضة بحجارة ومسيرات شعبية تقليدية وبيانات وخطابات وتصاعدت إلى أن أصبح يغلب عليها الطابع المقاوم. إنها لم تتحول تماما إلى ظاهرة مقاومة عامة وشاملة لكنه من المتوقع مع إصرار الفصائل المقاومة أن تتطور وسائل جديدة أكثر قوة في مواجهة العدو. وهذا بالتحديد ما يؤذي العدو بطريقة كبيرة وينقل الحدث المؤلم إلى داخل تجمعاته السكانية ومختلف نشاطات حياته.

لم يكن العدو متألما من مظاهرات تسير في شوارع المدن الفلسطينية أو من حجارة إلا من الزاوية الإعلامية التي أظهرته عدوا محتلا يلاحق الأطفال ويسفك دماءهم، لكنه الآن يشعر بألم انعدام الأمن الداخلي وما يرافقه من أزمات نفسية وهواجس وعدم اطمئنان. لقد ألحقت به العمليات الاستشهادية والتفجيرات خسائر هائلة على الصعيدين المعنوي والمادي إلى درجة أن العديد من اليهود قرروا مغادرة فلسطين ولو مؤقتا هربا بجلودهم. وتأثر الكيان الصهيوني اقتصاديا بخاصة من الناحية السياحية وما يرتبط بها من مرافق. وكذلك أفرزت الانتفاضة وحدة ميدانية بين المقاومين من مختلف الفصائل وصهرتهم ضمن إطار مقاوم يدرك أن القوة في التجمع حتى لو اختلفت الآراء. وفي هذا تطور كبير على الساحة لم يكن قد تحقق سابقا إلا على صفحات بيانات خطابية لا معنى لها.

لكن هذه الإنجازات بحاجة إلى تعزيز وذلك عن طريق سدّ الثغرات التي بقيت قائمة وتلك التي ظهرت مع تطورات الأحداث. وهنا أشير إلى القضايا الرئيسية التالية:

- إعادة ترتيب البيت الفلسطيني
- ظاهرة العملاء
- الوحدة الوطنية الشاملة
- الاحتراف العسكري

- النشاط السياسي
- الخلاصة

عبد الستار قاسم
أولا: إعادة ترتيب البيت الفلسطيني
كان وما يزال من الحيوي إعادة ترتيب البيت الفلسطيني لما في ذلك من فوائد في أوقات السلم والحرب. يتطلب التقدم بيئة صالحة خالية من الفساد الإداري والمالي ومن الفئوية والاستئثار والتسلط، وهذا ما يتطلبه تحرير الوطن. المقاومة ليست عملا منعزلا عن المجتمع ومؤسساته وهيئاته وأطره، وهي تتطلب المقومات الاجتماعية والاقتصادية والتنظيمية والأخلاقية المتناسبة معها. إنها بحاجة إلى البيئة المناسبة من أجل أن تنمو وتترعرع وتزداد عنفوانا وقوة.


جريا وراء السيرة التاريخية للقيادة الفلسطينية، أعتقد جازما أن ترتيب البيت الفلسطيني لن يحصل
كان هناك إلحاح من قبل العديد من المفكرين والمثقفين والفصائل والأحزاب منذ بداية الانتفاضة على ضرورة إعادة ترتيب البيت الفلسطيني في مختلف نواحي الحياة بحيث يحصل توزيع أفضل لما نملك من مقومات مادية على نمط تكافلي وتضامني يقي الفقراء والمعوزين شح العيش وضنك الحياة، لكن شيئا من هذا لم يحصل بعد، وكأن القائمين على تنسيق النشاطات الاقتصادية لا يعيشون في فلسطين. وكذلك تحدّث كثيرون عن إصلاحات إدارية وصياغة برامج اجتماعية وثقافية إلا أن السياسة العامة للسلطة الفلسطينية ما زالت تصم آذانها عن مختلف الطروحات. لكن الفكرة تبقى قائمة وهي أن المقاومة بحاجة إلى السند الجماهيري الذي يمدها بالحشد والإنتاج ورعاية الفقراء وأسر الشهداء والمعتقلين والجرحى، وبالتكاتف المعنوي والعمل الجماعي والتعاون المتبادل. ولا مفر أمامنا إن أردنا النجاح إلا أن نغير الكثير من سلوكياتنا ومعاييرنا الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية. وصحيح أن المقاومة تفرض متطلباتها مع الزمن لكن الشعب الفلسطيني يوفر على نفسه جهودا ووقتا إذا عمدت السلطة إلى وضع البرامج المطلوبة وعملت على تنفيذها.

جريا وراء السيرة التاريخية للقيادة الفلسطينية، أعتقد جازما أن ترتيب البيت الفلسطيني لن يحصل، وإذا تمت بعض الإصلاحات الشكلية فذلك بسبب الضغط الأميركي والإسرائيلي من أجل تحسين صورة السلطة لتتمكن من الوفاء بالتزاماتها تجاه الأمن الإسرائيلي. قيادة الشعب الفلسطيني تمارس الفساد منذ أكثر من ثلاثين عاما وهو الذي مكنها من الاستمرار حتى الآن، ولا أخال أنها متخلية عن نهجها بعد هذا التقدم في العمر. هذه القيادة لا تستمع إلى فصائل ولا إلى أفراد لكنها من الممكن أن تصغي لمن يعطيها المال.


حتى يتخلص الشعب الفلسطيني من ظاهرة العمالة يجب ملاحقة العملاء ومعالجة الأسباب التي تقود للعمالة
ثانيا: ظاهرة العملاء
يعرف القاصي والداني أن ظاهرة العملاء على الساحة الفلسطينية من أخطر الظواهر التي كلفت الشعب الفلسطيني بكافة أطره وفصائله ثمنا باهظا. تتم الإشارة إلى هذا الخطر منذ أكثر من ثلاثين عاما وإبان تركز المقاومة الفلسطينية في لبنان، لكن التعامل الجاد بقي غائبا وتم الاكتفاء فقط بملاحقات للعملاء أشبه ما تكون بذر الرماد في العيون. تجددت الدعوات بكثافة في الأحداث الأخيرة لمعالجة الظاهرة لكن الجهود بقيت على استحياء وبعيدة جدا عن المستوى المطلوب.

علينا أن نعترف بأن الإسرائيليين اجتاحوا مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني ومعهم القوائم الطويلة من المطلوبين والنشطاء الفصائليين، وكذلك الكثير من العناوين والنقاط الهامة من الناحية العسكرية، ولم يجدوا العناء الكبير في الوصول إلى أهدافهم مثل الأماكن السكنية والمخابئ. كان الإسرائيليون على معرفة ولو غير مطلقة بأسماء المحاصرين داخل مقر رئيس السلطة، وتوفرت لديهم معلومات على قدر كبير من الأهمية عن مدينة نابلس القديمة وهكذا.. هذا لا يعني أنهم وصلوا إلى كل ما يريدون وأنهم قد اخترقوا كل الاحتياطات الأمنية الفلسطينية، ومخيم جنين شاهد على ذلك، لكنه من الواضح أن المشكلة الأمنية الفلسطينية القائمة منذ أكثر من ثلاثين سنة ما زالت عميقة الجذور.

بصراحة الساحة الفلسطينية مليئة بالمخبرين والجواسيس والعملاء، وهو الأمر الذي يتحدث به الناس على مختلف مشاربهم ومستويات عملهم. يظهر بين الحين والآخر فلسطيني يدافع عن هذه الظاهرة الخطيرة قائلا إن كل الأمم تعاني من هذه الآفة وإن الشعب الفلسطيني معرض للاستقطاب أكثر من غيره من الشعوب بسبب وجود الاحتلال. هذا جدل صحيح، لكن حجم الظاهرة كبير إلى درجة أنه يفوق بكثير المساحة التبريرية التي يمكن أن تحلو للبعض. إنه لا يجوز لشعب يعاني من الغزو والتشريد والاحتلال على مدى أكثر من ثمانين عاما أن يبقى تحت وطأة مثل هذا الكم من الاختراقات.

حتى يتخلص الشعب الفلسطيني من هذه الظاهرة وتنحصر ضمن ما هو متوقع عالميا هناك حاجة إلى وضع برنامج من شقين: ملاحقة العملاء ووضع خطة لمعالجة الأسباب التي تقود البعض إلى التعاون مع العدو. ملاحقة العملاء وزجهم في السجون أو إعدامهم لا تكفي ويبقى من المهم البحث في أسباب الظاهرة ومعالجتها من جذورها. وحسب بعض الدراسات الأولية والتي قمت بها في بداية الثمانينيات هناك أسباب اجتماعية ونفسية وجنسية واقتصادية تدفع باتجاه التفتيت الداخلي واختراق الصفوف.

وضع البرامج العامة من مسؤولية السلطة التي لن تعالج الظاهرة بسبب ارتباطاتها الأمنية مع إسرائيل، ولهذا تبقى المسألة من مسؤولية الفصائل التي تقاوم. ولم تكن الفصائل الفلسطينية دقيقة في انتقاء أفرادها وغاب عنها الحرص الأمني حيث ركزت في معظمها على العدد دون النوع وأُخذت بمعسول الكلام على حساب الحقيقة مما أدى إلى اختراقها بصورة فاضحة وحولها إلى كف مكشوف أمام العدو. لا شك أن الفصائل بحاجة إلى تمحيص وتدقيق، وإلى ضرورة التفتيش داخل صفوفها إذا أرادت أن تعيش أجواء أمنية "معقولة" فظروف الشعب الفلسطيني الأمنية معقدة جدا وهي تتطلب احتياطات أمنية متناسبة معها.

المقاومون يعرضون أنفسهم في كثير من الأحيان للمشاكل الأمنية، مثلا يظهر أحدهم على الشاشة بسلاحه وهو كاشف الوجه ليهدد جيش إسرائيل وطبعا بكلاشينكوف. والكثيرون من قيادات الفصائل أوقعوا أنفسهم في مزالق أمنية عبر شاشات التلفاز. يقف أحدهم يتحدث باسم الانتفاضة وأنه سيستمر في المقاومة، ويتحدث آخر باسم شهداء الأقصى وآخر باسم حماس وهكذا. من المؤسف أن العديد من القادة الفلسطينيين يؤخذون بالشاشة ولا يحسبون حساب الخسائر الأمنية عليهم وعلى فصائلهم وعلى الشعب الفلسطيني. ربما يكون هذا نابعا من المنافسات الفصائلية التي ألحقت ضررا بالأمن الفلسطيني، وكذلك من حب الظهور على الشاشة.


تجاوز قادة منظمة التحرير وعدد من الفصائل مسألة الوحدة حتى اضمحل هدف التحرير ثم تقزم إلى حكم ذاتي أجاز القيام بمحرمات ستبقى ويلا في تاريخ الشعب الفلسطيني
ثالثا: الوحدة الوطنية الشاملة
تحققت على الساحة الفلسطينية وحدة وطنية ميدانية لكنها تبقى جزئية وتلح بما هو أشمل. الوحدة الوطنية عبارة عن قيمة عليا لا يقوى أي شعب أو أمة على شق طريقه بنجاح من دونها، ومن المتوقع أن تبقى هدفا أسمى تهون أمامه الأهداف الأخرى. وهذا جد صحيح في الظروف الطارئة غير العادية مثل هذه التي يمر بها الشعب الفلسطيني. لكن يبدو أن مخططي السياسة الفلسطينية لا يرون في المسألة ما يستحق الانتباه ففضلوا الاستمرار في سياسة تبدو منفصمة عن الاتجاه الميداني.

الوحدة الوطنية ذات أهمية رئيسية لدى أي شعب ولا تكاد أي قضية أخرى تتفوق عليها. يستطيع الشعب الموحد أن يخطو خطوات كبيرة في مجالات التقدم وعلى صعيد التحديات. وتفترض الوحدة العمل الجماعي والتعاون المتبادل والتكافل والتضامن بين أبناء الشعب بحيث يتم استنهاض القوى والهمم ومختلف الطاقات. فشعب تسوده هذه الوحدة يستطيع أن يحقق إنجازات ضخمة في مجالات الزراعة والصناعة والثقافة والفنون والفكر والآداب، ويستطيع التغلب على الصعاب بقدر كبير من الدقة وبالقليل من التضحيات، وبالتأكيد لن يعجز عن مواجهة القوى الخارجية التي يمكن أن تهدد كيانه ومصالحه.

ينطبق هذا على الشعب الفلسطيني الذي يعتبر أحوج الشعوب للوحدة الوطنية. وقد ساد رأي فكري وأكاديمي في صفوف الشعب بأن الوحدة الوطنية يجب أن تبقى دائما الهدف الأسمى للشعب بكل فصائله وتنظيماته وأحزابه وأفراده، وأنه إذا اصطدمت الوحدة الوطنية بأي قضية أخرى مهما بلغت أهميتها فإن الوحدة الوطنية يجب أن تكون الخيار. أما إذا كان الخيار قضية لا تأخذ باعتبارها الوحدة الوطنية أو تتجاوزها أو تتغذى عليها فإنه يصعب جدا تحقيق إنجاز. وقد ثبت تاريخيا في مرحلتي ما قبل عام 1948 وما بعد 1967 أن الشعب الفلسطيني قد دفع ثمنا باهظا لسياسات لا تحرص على وحدة الشعب. مزقت العائلات قبل عام 1948 صفوف الشعب وانتهى بالتالي إلى التشريد، وتجاوز قادة منظمة التحرير وعدد من الفصائل مسألة الوحدة حتى اضمحل هدف التحرير إلى هدف إقامة دولة وتقزم هذا بدوره إلى حكم ذاتي أجاز القيام بمحرمات ستبقى ويلا في تاريخ الشعب الفلسطيني.

يتم طرح فكرة الوحدة الوطنية بمعناها الشامل بين الحين والآخر على الساحة الفلسطينية، لكن نجاحا لم يتحقق حتى الآن. ثارت قضية الوحدة الوطنية عدة مرات في السبعينيات ولم يتحقق منها سوى عدة مقاعد يأخذها هذا الفصيل أو ذاك في مجالس وهيئات منظمة التحرير الفلسطينية، ولم ترتق الأمور إلى مستوى القيادة الجماعية ولا إلى مستوى صرف الأموال ولا إلى سياسة أمنية فلسطينية تحمي الصفوف من العملاء والجواسيس. وثارت محاولات تحقيق وحدة وطنية أثناء انتفاضة عام 1987 ولم تنجح، وتكرر الثوران على صيغة حوار وطني في التسعينيات ولم ينجح.

فحتى تكون هناك جدية نحو النجاح أرى من خلال تجاربي ومعرفتي أنه من المفروض التركيز على ما يلي:

  1. يجب تشكيل لجنة متنوعة العضوية مسؤولة عن تلقي الأموال وصرفها. هذه أهم قضية على صعيد ترتيب الوضع الداخلي الفلسطيني. يجب ألا تكون الأموال حكرا على شخص أو تنظيم، ومن المفروض انتقالها إلى أيدي الشعب الفلسطيني لتسهل مراقبة الدخول والنفقات.
  2. لا بد من تشكيل قيادة جماعية مشاركة في اتخاذ القرار. من المهم تشكيل مجلس قيادة من أعضاء لا يدينون لأحد بمال أو منصب أو وظيفة أو أي مصلحة شخصية أخرى. نحن تعبنا من الذين يضعون أنفسهم عبيدا لمصالحهم الشخصية فيصمتون على ما يرون من تجاوزات ويدلون بأصواتهم تأييدا لها. ومن المهم أن يأخذ كل مجلس دوره بحرية، وأن تلتزم كل مستويات القيادة بالقرارات الفلسطينية.
  3. من المطلوب تشكيل محكمة دستورية مسؤولة عن متابعة القيادتين التنفيذية والتشريعية والتزامهما بما يتم إقراره، وعن الاطمئنان للجهاز القضائي، وأن تكون لديها صلاحية تحميل المسؤولية والعزل.
  4. يجب تحرير الوظائف العامة من الفساد وبخاصة الوساطات والمحسوبيات والفئوية واعتماد الكفاءة المهنية في إدارة المؤسسات العامة.
  5. إعداد برنامج وطني لملاحقة العملاء والجواسيس الذين ينخرون جسد الشعب ويفتون في عضده، وملاحقة الفاسدين الذين ينهبون أموال الناس ويدمرون عمل المؤسسات العامة.
  6. أن يصار إلى إصلاحات جذرية في المجالات الاقتصادية والتنظيمية والاجتماعية والثقافية.

حتى الآن فشلت كل المحاولات في هذا الاتجاه لأن رئيس منظمة التحرير الفلسطينية رفض في الماضي كل الطروحات التي تتبنى المشاركة في التخطيط واتخاذ القرار، ولا يزال يرفض حتى الآن في ظل قيادته للسلطة. والسبب الثاني لهذا الفشل هو أن الفصائل الفلسطينية غير قادرة على التجمع وفق برنامج سياسي واضح يشكل بديلا لبرنامج رئيس السلطة الفلسطينية. لكل فصيل برنامج سياسي وبدا مع الزمن صعوبة التوفيق بين مختلف البرامج بخاصة بين برنامج فتح وبرنامج حماس. تتحقق في كثير من الأحيان وحدة ميدانية بين المقاتلين أو المقاومين لكن هذه لا تتطور نحو وحدة سياسية. يعرف الميدانيون ماذا يريدون ويعرفون عدوهم تماما، أما السياسيون فمقيدون ببرامج قد لا تلتقي تماما مع برامج الميدانيين. والمشكلة تبدو كبيرة في صفوف حركة فتح حيث إن القواعد المقاتلة تسير في طريق مختلف إلى حد كبير عن طريق أوسلو وتينيت.

رابعا: الاحتراف العسكري
يثبت شباب فلسطين كل يوم شجاعة كبيرة


أتوقع بشدة أن تعمل السلطة على اعتقال المجاهدين وملاحقة المقاومين، والدليل على ذلك هو الإتيان بعبد الرزاق اليحيى حسب الرغبة الأميركية
ورغبة قوية في الفداء والتضحية، لكن هذا لا يكفي. الشجاعة بحاجة إلى تدريب وتنظيم وتوجيه لتعطي أكلها بصورة أكثر كفاءة وأكثر إيلاما للعدو. خاض شباب فلسطين مواجهات كثيرة ضد العدو ونجحوا في بعضها وأخفقوا في البعض الآخر. ويتبين من خلال مراقبة العمل المقاوم أن شبابا أقدموا على المواجهة ارتجالا دون تخطيط أو تدريب مما كلفهم وكلف الشعب الفلسطيني غاليا. وقضى عدد من المقاومين نحبهم أو سقطوا جرحى في مواجهات غير محسوبة.

في هذا الصدد هناك قضيتان تحتاجان إلى المعالجة هما: التحميس غير المبرر والذي يصل حد الفهلوة أحيانا، والرعاية العسكرية. يلتصق بالأولى بُعد اجتماعي خاص بمقومات الشجاعة ومواجهة الموت بجرأة ودون أدنى تردد، ويلتصق بالثانية بعد علمي يحرص على مواجهات عسكرية محسوبة بدقة. تتطلب الأولى جهودا تثقيفية من شأنها التغلب على بعض ما هو متوارث من عادات وتقاليد، وتتطلب الثانية برامج علمية للتدريب على بعض الفنون العسكرية والتكتيكات. قطعت بعض الفصائل شوطا جيدا في هذا المجال لكن الاحتراف ما زال يتبلور.

فضلا عن ضرورة الصمود في وجه الضغوط العسكرية، من الممكن تحسين أداء المقاومين الفلسطينيين. ما زال هناك فلسطينيون يظنون أنه بالإمكان مواجهة القوات النظامية الإسرائيلية بالوسائل القتالية المتوفرة لديهم الآن مما يكلف الشعب غاليا. يتكبد الفلسطينيون خسائر جسيمة مع كل مواجهة من هذا القبيل، ومن الفن العسكري السليم أن يفكروا بوسائل وأساليب يمكن أن تكون ذات فاعلية وتردع الصهاينة عن استعمال عضلاتهم. وبدل التلهي بالتصريحات الصحفية عن دحر القوات الإسرائيلية في ذات الوقت الذي تُطلب فيه النجدة يؤدي تطوير الوسائل القتالية إلى تحويل النشاطات العسكرية الإسرائيلية إلى تجارب مريرة تجبرهم على الاندحار حيثما يظنون أنها السلامة.

هذا ومن المعروف أن أداء المقاومة الفلسطينية على الرغم من السلبيات قد تحسن وتطور وأوقع في الإسرائيليين خسائر متعددة ومتنوعة، وأدى هذا إلى رد الفعل الإسرائيلي المتوقع وهو الاجتياح. المقاومة تقود إلى رد فعل إسرائيلي معاكس وتلحق الأضرار والخسائر الكبيرة بالشعب الفلسطيني. هذا ما حسبناه ونراه كل يوم على شاشات التلفاز. لكنه يمكن اعتبار الإجراءات الإسرائيلية عاملا محفزا للمقاومة. فمن الثابت تاريخيا أن إجراءات العدو ضد الشعب الفلسطيني منذ الاحتلال البريطاني حتى الآن لم تفت في عضد المقاومة وعملت كعنصر تحد أدى إلى تحد مضاد. وقد جربت إسرائيل أساليب القمع المختلفة عبر حقب متعددة من الصراع ضدها ووجدت أن إجراءاتها لا تؤتي أكلها. لا شك أن الإجراءات الإسرائيلية تكبد الفلسطينيين خسائر كبيرة، لكنها ترتد لتوقع خسائر كبيرة في الجانب الآخر. إسرائيل الآن أقل أمنا من أي وقت مضى وستكون مستقبلا أقل أمنا من الآن وذلك بسبب التطور في الأداء الفلسطيني وربما في أوضاع الظهير العربي والإسلامي.

هناك خسائر فلسطينية كبيرة بلا شك، وترتفع أصوات تطالب بضرورة وقف العمل العسكري وبخاصة التفجيرات داخل المواقع السكانية اليهودية، وهي أصوات تبكي على الجياع والأرامل واليتامى، لكن أغلبها يأتي من الذين اعتادوا الاعتداء على أموال ومقدرات الشعب الفلسطيني ويتعاونون مع الولايات المتحدة والطروحات الغربية عموما. وهناك من ستنهار معنوياتهم ويقفون مع العودة إلى ما كانت عليه الأوضاع قبل بدء الانتفاضة، لكن في المقابل ستبقى معنويات أغلب الناس عالية وإرادتهم صلبة، وسيطالبون باستمرار العمليات العسكرية وبخاصة الاستشهادية. ومهما كانت الضربة ضد التنظيمات قوية فإنني أرى أن طاقة التنظيمات الفلسطينية في هذه المرحلة على لعق جراحها وإعادة بناء نفسها عالية جدا. إنه من الوهم أن تظن إسرائيل أنها قضت على القوة العسكرية للفصائل وبخاصة الإسلامية، ومن سوء التقدير أن تظن أنها بحاجة إلى سنوات لإعادة بناء نفسها، هذا فضلا عن أن الظهير الخارجي للفصائل يتمتع بوضع جيد وقادر على مواصلة الدعم.

أما من ناحية عوامل التثبيط فإن أقواها يتمثل في الوضع الداخلي الفلسطيني. وتشير قراءة تاريخ الصراع الفلسطيني ضد قوى العدوان إلى دور القيادات الفلسطينية كعامل إحباط قوي للثورة ومواصلتها. وتنشغل القيادات الفلسطينية عادة في ردهات العمل الدبلوماسي وعلى الشعب الفلسطيني أن يدفع ثمن بقائها هناك. إنها قيادات لا ترتقي إلى مستوى الصراع الدائر ولا تملك الاستعداد للتخلي عن مواقعها لصالح من يصمم على المواجهة والإصرار على ما هو ممكن. في أحسن الأحوال تتخلى هذا القيادات عن الثورة، وتقف ضدها في أسوأ أحوالها. انشغلت القيادات قبل عام 1948 بتصفية الحسابات فيما بينها وصنعت فسادا في الشارع الفلسطيني أجهض محاولات الثوار، والقيادة الآن طرف في اتفاقيات يؤدي الالتزام بها إلى حراسة الأمن الإسرائيلي، فهل يمكن أن تعمل السلطة الفلسطينية الآن على مواجهة المقاومة الفلسطينية أم أنها ستختار طريقا آخر؟ أتوقع بشدة أن تعمل السلطة على اعتقال المجاهدين وملاحقة المقاومين، والدليل على ذلك هو الإتيان بعبد الرزاق اليحيى حسب الرغبة الأميركية للقيام بإصلاح أمني، وهذا الإصلاح يعني تطوير قدرات الفلسطينيين العاملين في الأجهزة الأمنية ليكونوا أكثر قدرة على التجسس والقمع لصالح إسرائيل.

نشرت الصحف الفلسطينية المحلية ملخصا لخطة أمنية أعدها السيد عبد الرزاق اليحيى وزير الداخلية الفلسطيني تقوم بشكل رئيسي على اتخاذ إجراءات أمنية منسجمة تماما مع اتفاق أوسلو وما ترتب عليه من اتفاقات أخرى مثل طابا، وهي إجراءات من شأنها الحفاظ على الأمن الإسرائيلي وذلك عن طريقة ملاحقة من تصفهم الاتفاقيات بالإرهابيين ومن تصفهم الخطة بالخارجين عن القانون. يشمل الخروج عن القانون ملاحقة اللصوص والمختلسين والفاسدين لكن لا أظن أن الخطة تقصد هؤلاء لأنها إن قصدت ستشمل بالتأكيد رؤوسا كثيرة ما زالت على قمة الهرم القيادي.

واضح أن اليحيى قد جيء به ليقوم بالدور الذي تقوم به المخابرات الفلسطينية والأمن الوقائي من ملاحقة للمناضلين والمجاهدين الفلسطينيين من حماس وفتح والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وأن الحديث عن إعادة ترتيب أوضاع الأجهزة الأمنية إنما يهدف إلى تحسين أداء الأجهزة الأمنية في ملاحقة الفلسطينيين دفاعا عن الأمن الإسرائيلي ولا يهدف إلى الدفاع عن الأمن الفلسطيني، وهذا يعني التخلص من عناصر أمنية فلسطينية أبت على نفسها التعاون المطلق في ملاحقة الفلسطينيين والإتيان بعناصر أقل ولاء للشعب والوطن وأكثر استعدادا لممارسة الخيانة. وهذا ينسجم مع ما تناقلته الأخبار عن وضع دول عربية إمكاناتها التجسسية في تدريب فلسطينيين لرفع مستوى الأداء الأمني الذي تطلبه كل من أميركا وإسرائيل.


يدور النشاط السياسي في عالم مختلف عن أعمال المقاومة ويبتعد كثيرا عن تطلعات الشعب الفلسطيني
خامسا: النشاط السياسي
هناك من يردد دائما بأن الجهود العسكرية أو المقاومة تؤتي ثمارا سياسية يجب قطفها، هذه مقولة يتم تردادها على الساحة الفلسطينية منذ ثلاثة عقود، ولا يزال البعض يستخدمها بقوة لتبرير التحركات السياسية الرسمية. بصورة عامة هذه مقولة صحيحة من حيث أن الإنسان لا يحارب من أجل الحرب وإنما من أجل تحقيق نتائج مرغوب فيها. لكن ما يجري على الساحة الفلسطينية وما جرى في الماضي من نشاطات سياسية لا ينسجم تماما مع المقولة لأن النشاط السياسي جرى بمنأى عن العمل المقاوم وبدا في كثير من الأحيان متناقضا معه. تتحدث المقولة عن انسجام بين النشاط العسكري والنشاط السياسي وليس عن نشاط مقاوم واتفاق أوسلو أو عن انتفاضة شعبية ومبادرة تينيت. ويدور النشاط السياسي في عالم مختلف عن أعمال المقاومة ويبتعد كثيرا عن تطلعات الشعب الفلسطيني وعن الأهداف المعلنة سواء على المستوى الشعبي أو مستوى المجالس الفلسطينية أو المواثيق الفلسطينية المكتوبة. أناس يعملون باتجاه المقاومة واستنزاف العدو ويخرج أصحاب النشاط السياسي بين الحين والآخر على الشعب بتمسكهم بالمبادرات الأميركية والعودة إلى مرحلة ما قبل الانتفاضة والعودة إلى طاولة المفاوضات التي تمت تجربتها عشر سنوات. من شأن هذا أن يذكي التناقض على الساحة الفلسطينية ويصنع نوعا من البلبلة تؤثر سلبيا في المعنويات ووحدة الصفوف. قطف الثمار السياسية مهم جدا لكن التحرك السياسي الحالي لا يرنو إلى ما هو أكثر من ثمار رديئة.

هنا تدخل السلطة بخطابها السياسي الموجه داخليا وخارجيا وتقول إنه لا يجوز أن تكون هناك أكثر من سلطة واحدة في المناطق التي تظن أن لها فيها سلطة وأنها هي الوحيدة التي تتخذ القرار وعلى الآخرين أن يطيعوا. أما من لا يريد أن يأتمر وينتهي فعليه أن يتحمل النتائج. حماس وكذلك الجهاد ومختلف الفئات الفلسطينية المعارضة للاتفاقات مع إسرائيل -حسب رأي السلطة- ليست صاحبة قرار ولا يحق لها القيام بأعمال إلا بإذن السلطة وموافقتها. وتعزز السلطة رأيها هذا بأنها سلطة منتخبة ومعترف بها عالميا وهي بالتالي مسؤولة أمام المجتمع الدولي عما تقوم به وعما تقوم به مختلف الفئات والحركات الإسلامية. هذا فضلا عن أن الكثير من العمليات العسكرية التي نفذتها فئات فلسطينية قد وضعت السلطة الفلسطينية في موقف حرج ألحق بها وبالقضية الفلسطينية والشعب -حسب رأيها- أضرارا كثيرة.


طاولة المفاوضات لن تأتي بدولة فلسطينية حقيقية لما في ذلك من مجازفة إسرائيلية كبيرة، إلا إذا كان المفاوض الفلسطيني يفترض غباء المفاوض الإسرائيلي

وجهة نظر السلطة معروفة وتتناقلها وسائل الإعلام على مختلف مشاربها، أما وجهة النظر الأخرى الغائبة إلى حد كبير عن وسائل الإعلام فيمكن تلخيصها بما يلي:

-أولا: السلطة الفلسطينية ليست هي السلطة الوحيدة في الأرض المحتلة عام 1967 حتى لو غابت الفصائل الفلسطينية المعارضة عن الساحة. السلطة الأولى هي إسرائيل وهي صاحبة السيادة بموجب الاتفاقيات الموقعة وحسب الواقع العملي. تتمتع السلطة الفلسطينية بصلاحيات ممنوحة ولا تملك صلاحيات أصيلة، ومن المحتمل أن تفقدها في أية لحظة أو أن تحصل على توسيع. السلطة مقيدة باتفاق أوسلو وبما انبثق عنه من اتفاقيات ولا تستطيع التجاوز دون موافقة إسرائيل، وإن حصل أن تجاوزت فإنها قد تقع تحت العقاب.

يقول بعض رموز السلطة إن السلطة تملك سيادة، ويستمع المرء إلى وسائل إعلام تصف مناطق مصنفة "أ" على أنها مناطق خاضعة للسيادة الفلسطينية، هذا حديث لا يحتمل الصحة. الفلسطينيون لا يملكون سيادة على أي جزء من أرض فلسطين مهما صغُر وهم يأتمرون بأمر صاحب السيادة. لا تستطيع السلطة الفلسطينية أن تشرّع قوانين كيفما تشاء، ولا تستطيع أن تصمم مناهج دراسية كيفما تريد. بإمكان المجلس الفلسطيني الذي أطلق على نفسه اسم المجلس التشريعي أن يقر مشاريع قوانين لكنها لا يمكن أن تصبح قوانين إلا بتوقيع رئيس السلطة، ورئيس السلطة يعي تماما أي القوانين تناسب المرحلة، هذا ناهيك عن عدم القدرة على اتخاذ قرارات مستقلة في المجالات الاقتصادية والصحية والثقافية.. إلخ. أما إذا بدا أن السلطة تستطيع أن تمارس الفساد الإداري كما تريد وأن أموال الشعب الفلسطيني تحت رحمة المختلسين فذلك لأن مثل هذه الأعمال تخدم إسرائيل والولايات المتحدة في النهاية. لقد غضت الولايات المتحدة وإسرائيل الطرف عن كثير من الأعمال المسيئة للشعب الفلسطيني، وتستّرتا في كثير من الأحيان على صفقات فساد ضخمة ولا تزالان تخفيان عن المجتمع الدولي والشعب الفلسطيني معلومات هامة جدا. تعلم أميركا وإسرائيل أن اتفاق أوسلو بحاجة إلى من يدعمه في الشارع الفلسطيني وهذا الدعم يمكن شراؤه بأموال الفساد.

أما جوهر الاتفاقيات مع إسرائيل فهو أمني. من الممكن أن تتغاضى إسرائيل عن بعض الأمور الثانوية لكنها تصر هي والولايات المتحدة على تطبيق البنود الأمنية، ولا مفر أمام أي سلطة عربية توقع اتفاقيات مع إسرائيل من أن تقوم بمهامها الأمنية لصالح إسرائيل. وعليه فإنه إن رغبت السلطة في أن تكون هي السلطة الوحيدة على المناطق التي تقول إنها تسود عليها فإن عليها أن تتخلص أولا من سلطة الاحتلال وليس من نشاط الحركة الإسلامية.

-ثانيا: السلطة التي تريد أن تُحترم يجب أن تكون قادرة على حماية الناس، وتاريخيا لا طاعة بدون أمن. الشعب الفلسطيني في الوسط الشرقي والقطاع غير آمن على أراضيه ولا بيوته ولا نفسه. لم تمنع السلطة مصادرة الأراضي ولا هدم البيوت ولا أوقفت القتل، ومطالبها الأمنية الآن لا تتناسب مع ما وعدت الناس به عند توقيع الاتفاقيات مع إسرائيل، فلا هي قادرة على حماية الناس ولا هي تريد أن تترك الناس يدافعون عن أنفسهم.

تقول السلطة إنها تسعى إلى إقامة دولة فلسطينية توفر الأمن والحماية للناس وعلى الناس أن يتحلوا بالصبر. هذا طرح لا يستند إلا على وَهم أو خداع للذات. طاولة المفاوضات لن تأتي بدولة فلسطينية حقيقية لما في ذلك من مجازفة إسرائيلية كبيرة، إلا إذا كان المفاوض الفلسطيني يفترض غباء المفاوض الإسرائيلي. لن يحصل الفلسطينيون تحت الظروف الحالية على أكثر من حكم ذاتي مزخرف حتى لو صدقت نوايا إسرائيل التفاوضية. لا تقيم إسرائيل معاييرها التفاوضية بناء على شخص من يفاوضها وإنما على الأجيال التي لا يستطيع أحد التكهن بقدراتها ونواياها. ولهذا فإن من يبحث عن دولة فلسطينية لا يذهب إلى طاولة المفاوضات. أما إذا قرر أن الدولة عبارة عن شعار وأنه بالإمكان قبول حكم ذاتي بشعار دولة فإن طاولة المفاوضات هي المكان المناسب.

-ثالثا: أما من زاوية الانتخابات فهناك مآخذ كبيرة أصلا على الانتخابات التي تمت وعلى رأسها أن إسرائيل وأميركا كانتا معنيتين بإجراء انتخابات مباشرة بعد اتفاق طابا وقبل أن يصحو الناس على الحقيقة. كثيرون هم الذين وقعوا تحت وَهم دخول مسلحين فلسطينيين إلى المدن فظنوا أن الدولة قد قامت فعلا فصفقوا لما تم، في حين كان شعبنا بحاجة إلى فترة من الزمن ليستوعب حقيقة الاتفاقيات. جرت الانتخابات بسرعة قبل أن يختمر الاتفاق مع إسرائيل ولو قليلا، وجرت أثناء الانتخابات تجاوزات كثيرة يصعب معها تقبل فكرة النزاهة. وعلى فرض أن الانتخابات نزيهة فإن مدة سريان نتائجها قد انتهت.

مفعول الانتخابات لا يسري إلى الأبد، والسلطة القائمة حاليا لا تملك تفويضا شعبيا، حتى إن السلطة لم تسع إلى إجراء انتخابات محلية ولجأت إلى تعيين لجان لتشرف على شؤون القرى والمدن. من يهرب من الانتخابات يهرب من الحقيقة. وبالطبع لم يصر المجتمع الدولي على الانتخابات لأن قيادته المتمثلة في الولايات المتحدة لا ترى في الانتخابات استثمارا جيدا لسياستها. هنا تسقط الديمقراطية كما هو الأمر في الدول العربية، وتسقط معها حجة الشرعية.


إذا كان للشعب والفصائل أن ينطلقوا فإنه من المهم تجديد القيادة
الخلاصة
لن تحقق إسرائيل أمنا من جراء ما تقوم به من عمليات عسكرية الآن، وعلى العكس هي تسهم في صناعة جيل يطور من وعيه بالصراع ومن مستلزمات المواجهة العسكرية. وحتى يتمكن الفلسطينيون من اجتياز الصعوبات وتحدي الهموم اليومية التي يفرضها الاحتلال الصهيوني فلا مفر أمامهم من تطوير أحوالهم الداخلية بطريقة ترفع من درجة المشاركة والعمل الجماعي، وهذا يتطلب الانطلاق نحو مجتمع حر يعرف كيف يحترم فيه الفرد آراء الآخرين ويتفاعل معها، ويتطلب أيضا رقابة مالية مشددة حتى لا تضيع أموال الشعب هباء وحرصا أمنيا محكما.

لا مفر من أن تتحرر فكرة الوحدة الوطنية من الشعارات الرنانة والخطابات لتأخذ بعدا عمليا بمشاركة الجميع، لكن هذا لن يتم في ظل القيادة الحالية التي تقدس الفكر القبلي وشخصنة الإدارة والاستبداد. وإذا كان للشعب والفصائل أن ينطلقوا فإنه من المهم تجديد القيادة ولكن ليس على الطريقة الأميركية التي تبحث عن جواسيس، وإنما على الطريقة الوطنية التي تبحث عن تعزيز الصمود والقدرة على المواجهة.
ـــــــــــــــ
* أستاذ العلوم السياسية بجامعة النجاح الوطنية بنابلس، وكان أعلن عن ترشحه لأي انتخابات مقبلة للرئاسة الفلسطينية، ونشرت وكالة قدس برس برنامجه الانتخابي بتاريخ 29/7/2002.