إعداد: أمين شحاتة

تمتد جذور تاريخ إندونيسيا إلى عهود سحيقة، ويمكن تقسيم التاريخ الإندونيسي إلى عدة حقب:

حقبة ما قبل التاريخ   حقبة الهندوس   مجيء البوذيين   

دخول الإسلام   الاستعمار البرتغالي   الاستعمار الإنجليزي  

الاستعمار الهولندي   الاحتلال الياباني   حكم سوكارنو  

حكم سوهارتو   إندونيسيا ما بعد النظام الجديد   مناطق النزاع


حقبة ما قبل التاريخ

تعتبر جاوا من أقدم الأماكن التي عاش فيها الإنسان، كما تشير إلى ذلك الجمجمة المتحجرة لإنسان جاوا المنتصب (Homo erectus) التي اكتشفت في وسط جاوا عام 1891. فقد عاش هذا الإنسان الأول في العصر الجليدي عندما كانت معظم إندونيسيا جزءًا من قارة آسيا.

سار الجنس البشري في تطوره من أفريقيا متجها شمالا إلى الحدود الجليدية لأوروبا ثم شرقاً إلى الصين، حيث عاش هناك منذ 500 ألف سنة إلى بداية العصر الحجري. وتشير بقايا العظام المتفحمة إلى استخدام الإنسان للنار في تلك الحقبة.

أما عن إنسان جاوا فهو لا يمت بصلة إلى الإنسان الإندونيسي الحالي، بل كان من جنس مندثر. وتشير الحفريات المكتشفة في منطقة سانجيران في وسط جاوا إلى وجود جنس بشري أكثر بدائية من سابقه. ثم اكتشفت 11 جمجمة أخرى عام 1931 في منطقة نجاندونج تعود إلى جنس آخر أكثر تطوراً من إنسان جاوا، ويسمى (Solo man)، وكانت كل الجماجم الإحدى عشرة مشجوجة عمدا، الأمر الذي يوحي بأن الـ Solo man كان من آكلي أدمغة البشر. كما وجد مع الجماجم المهشمة مجموعة هائلة من عظام الثدييات (حوالي 23 ألف قطعة) معظمها تعود إلى ثيران وأفيال وأفراس نهر منقرضة، والأدوات المستخدمة آنذاك.

ومنذ حوالي 40 ألف سنة دخل الأستراليون الأوائل Australoids غينيا الجديدة وجزر سوندا الصغرى، وتوغلت المجموعات الأخرى في الأرخبيل قادمة من جنوب الصين قبل حوالي 30 سنة. ويعتبر أقزام الزنوج الأفارقة Negritos الذين بدؤوا ينتشرون في الجزر في هذا الوقت من بعض أوائل البشر المهاجرين إلى إندونيسيا. ولا يزال هناك آثار وراثية لهؤلاء البشر القصيري القامة الصوفيي الشعر المستديري الرؤوس، في شرق إندونيسيا وسوندا الصغرى وداخل أعماق جزيرة إيريان جايا.

حقبة الهندوس

كتب مؤرخو الأحداث الهنود عن إندونيسيا منذ عام 600 قبل الميلاد، كما تشير الملحمة الهندوسية القديمة Ramayana إلى إندونيسيا.

الهندوسية في إندونيسيا

مع نهاية القرن الثاني الميلادي وصل التجار الهنود إلى جزر سولايسي وسومطرة وجاوا. وفي العصر البرونزي كان لدى الإندونيسيين الكثير من السمات الحضارية المشابهة التي جعلت الحضارة الهندية تستوعبها. فقد كان الحكام الإندونيسيون الإقطاعيون على الأرجح هم الذين ابتكروا نظام التميز الطبقي ونقلوه إلى الهنود، وعلموا البراهمة الهجرة والعمل الحكومي.

لقد أثرت الهندوسية في الطبقات الحاكمة فقط، ولم يكن لها تأثير في عامة الشعب من الفلاحين الذين كانوا يميلون أكثر إلى عقيدة الأرواحية وهي الاعتقاد بأن لكل ما في الكون وحتى الكون ذاته نفسه روحا أو نفسا. وفي القرن الخامس كان الإندونيسيون يستخدمون الكتابة الهندية الجنوبية لنحت النقوش الهندوسية. وتشير الكلمات السنسكريتية الموجودة في اللغة الإندونيسية الحالية إلى تأثير الهنود في الفترة التي مكثوها في تلك الجزر، والتي استمرت 1400 سنة من العام 200 إلى العام 1600 ميلادية.

مجيء البوذيين

نقلت البعثات التبشيرية الهندية مذهب البوذية إلى إندونيسيا في وقت كان فيه الدين في الهند في انحسار وكان الإندونيسيون في حالة تسمح بتقبلهم تلك العقيدة خروجا على نظمهم العقائدية البدائية. فرغم العداوة التي كانت قائمة بين معتنقي الهندوسية والبوذية في الهند كان معظم أتباع هاتين الديانتين في إندونيسيا يعيشون جنبا إلى جنب في وئام وسلام.

في أرض جنوب شرق آسيا الخصبة تطورت البوذية المهايانية (شعبة من البوذية تقول بوجود الله) إلى نوع جديد من تعدد الآلهة، وبقيت سومطرة على بوذيتها، أما الهندوسية فقد اعتنقها سكان جاوا.

بلغت إمبراطورية ماجاباهيت (الحقبة الإندونيسية الهندية) ذروتها في شرق جاوا، وكانت تعتبر العصر الذهبي لإندونيسيا حيث استمرت لأكثر من 100 عام (1294-1398). وأثناء تلك المملكة الجاوية الهندوسية طورت النقوش والعمارة الإندونيسية نموذجا جديدا مغايرا للنموذج الهندي وبرز فن شعبي محلي جديد. وعندما وصل التجار المسلمون إلى إندونيسيا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر وجدوا توليفة من الممالك الراسخة في جاوا وسومطرة. أما جزيرة بورنيو فكانت على هامش النمط الهندي، في حين لم تختلط به جزر سولاويسي على الإطلاق.

دخول الإسلام

بدأ العرب يتوافدون على إندونيسيا منذ القرن الثالث عشر الميلادي، حيث انخرطوا في التجارة مع الحضارات العظيمة في منطقة البحر المتوسط والهند وجنوب شرق آسيا والصين. فقد كان هؤلاء التجار الأوائل يجلبون معهم زيت النخيل وشجر القبُك من أفريقيا. وفي القرن الرابع عشر بسط المسلمون نفوذهم على كوجرات في الهند وبدؤوا يتوسعون في تجارتهم بشكل ملحوظ في إندونيسيا. وكانت تلك هي بداية العصر الإسلامي للأرخبيل.

انتشر الإسلام أولا في أقصى شمال سومطرة، ثم امتد إلى جاوا. وأدى استيلاء البرتغاليين على جزيرة ميلاكا عام 1511 ميلادية إلى تفرق التجار المسلمين في جميع جزر جنوب شرق آسيا. وتغلغل الإسلام بقوة في المناطق الإندونيسية التي لم تتأثر بالحضارات الهندوسية السابقة مثل ساحل شمال وسط جاوا وبانتن في غرب جاوا، ومنطقتي آتشه وميننكاباو في شمال سومطرة. وكانت ديماك هي أول مدينة جاوية هامة تتحول إلى الإسلام عام 1477، وتبعتها سيربون عام 1480 ميلادية. وفي عام 1487 غزا تحالف من الأمراء المسلمين ما تبقى من إمبراطورية ماجاباهيت الهندوسية، ورسخ الإسلام وجوده في المنطقة.

إغراء الإسلام
تعتبر إندونيسيا من الدول القليلة التي لم ينتشر فيها الإسلام ويخلف الديانة الموجودة آنذاك بالفتح العسكري، فقد كان إغراؤه نفسيا في المقام الأول. ونظرا لما ينادي به من المساواة بين البشر وبما له من حجة علمية، وصل الإسلام إلى هذه الجزر كفكرة ثورية قوية حررت العامة من نير الإقطاع. فحتى مجيء الإسلام كانت إندونيسيا أرضا يحكمها الملك حكما استبداديا، ويمكنه الاستيلاء على أرض أي إنسان، بل وحتى زوجته أيضا، لمجرد هوى في نفسه. لقد جذبت تعاليم الإسلام وبساطته المتمثلة في التجار المسلمين، انتباه شعوب هذه الجزر، بحكم اشتغالهم بالتجارة أيضا، لما وجدوه من فضائل في الإسلام تحض على الكسب الحلال والعمل الجاد والنظافة والسير في الأرض لما فيه من فوائد وعبر. خلاصة القول ترك الإسلام أثرا كبيرا في نفوس شعوب هذا الأرخبيل حضاريا واقتصاديا وسياسيا، حيث أسهم كقوة ضد هيمنة الاستعمار البرتغالي في القرن السادس عشر، وبعد مائة عام ضد الاستعمار الهولندي.


ترك الإسلام أثرا كبيرا في نفوس شعوب هذا الأرخبيل حضاريا واقتصاديا وسياسيا حيث أسهم كقوة ضد هيمنة الاستعمار البرتغالي في القرن السادس عشر وبعد مائة عام ضد الاستعمار الهولندي

تشير بعض الشواهد إلى أن أمراء جاوا الهندوس كانوا أول من اعتنق الإسلام بدافع حب التجارة والثراء وإقامة التحالفات القوية والتسلط، ثم تبعهم في ذلك شعوبهم ودخلوا في دين الله أفواجا. فأصبحت المنارات التي كانت قبل الإسلام مآذن إسلامية وتحولت ساحات الالتقاء والتسامر إلى مساجد ومنابر للدعوة إلى الإسلام.

الإسلام والفن
تأثر الفن وخاصة الأدب بالإسلام تأثرا كبيرا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر. فقد زينت الأساليب والموضوعات العربية أطر شتى قام على أساسها أدب محلي. كما ازدهر فن زخرفة المنسوجات والأسلحة. وبلغت بعض الممالك أوج ازدهارها إسلاميا في القرن الثامن عشر.

الاستعمار البرتغالي

كان البرتغاليون هم أوائل الأوروبيين الذين دخلوا إندونيسيا، وقد استمر وجودهم فيها حوالي 150 سنة منذ عام 1512. كانت اللغة البرتغالية هي اللغة المشتركة بين أقوام الأرخبيل في القرن السادس عشر، حتى إنه تعين على الهولنديين تعلمها. وكان التدخل البرتغالي في إندونيسيا تجاريا إلى حد كبير ولم يهدف إلى التوسع الإقليمي، فقد كانت تلك الفترة قليلة الأهمية من الناحية الاقتصادية ولم تؤثر بدرجة كبيرة في تمدد شريان التجارة بين القارة الآسيوية من الخليج إلى ناغازاكي.

وفي عام 1570 اغتال البرتغاليون سلطان "ترنيت" على أمل أن يكونوا مقربين من خليفته. لكن السكان ثاروا عليهم وطردوهم من الجزيرة، وكانت تلك هي بداية النهاية للوجود البرتغالي في إندونيسيا. ولكن البرتغال بقيت في تيمور الشرقية حتى عام 1974.

وبرغم قلة عددهم وقصر إقامتهم في إندونيسيا، إلا أنهم تركوا أثرا عميقا. ففي مجال الموسيقى كان التأثير واضحا، إذ ما زالت موسيقى الكرونكوغ، المأخوذة من صوت مداعبة أوتار الغيتار شائعة في الفن الشعبي في جاكرتا. كذلك هناك مئات الكلمات الإندونيسية لها أصل برتغالي، بالإضافة إلى كثير من الأماكن الجغرافية. ودخل التبغ إلى إندونيسيا عن طريقهم. كما أن أساليب وتصاميم بناء السفن على الطريقة البرتغالية ما زالت متبعة في جزر سولاويسي ونوساتينجارا. وكثير من الخوذات والرماح البرتغالية القديمة محفوظة لدى السكان كإرث عائلي تتوارثه الأجيال، وهناك عشرات الحصون البرتغالية المتناثرة حول جزر الملوك والجزر الشرقية الأخرى.

الاستعمار الإنجليزي

في بداية القرن السابع عشر تنافس الإنجليز والهولنديون في استغلال جزر الهند الشرقية. حتى إن كلا القوتين البحريتين كان لهما قواعد أمامية جنبا إلى جنب في جزر بانتن ومكاسار وجاكرتا وآمبون. ورغم الاتفاقات المبرمة بين الطرفين للتعاون السلمي فيما بينهما فإنهما لم يكونا مسالمين. فقد ظهرت العداوة الكامنة بينهما في آمبون عام 1623 عندما عذب بعض الأفراد العاملين في أحد المصانع الإنجليزية وأعدموا بتهمة التآمر للاستيلاء على الحصن الهولندي الموجود في المنطقة، الأمر الذي أثار عامة الشعب الإنجليزي.

وبعد مرور مائتي عام أثناء حروب نابليون احتلت القوات الإنجليزية جاوا وداهمت بلاط السلطان في يوجياكارتا وقهرته. وعين اللورد الشاب رافلز مؤسس سنغافورة حاكما للمنطقة. وكان لاهتمامه بدراسة التاريخ والثقافة والعادات الإندونيسية أثر كبير في اكتشاف معبد بوروبودور الشهير، كما اهتم بتسجيل عادات آكلي لحوم البشر من الباتاك في شمال سومطرة.

وأرادت بريطانيا وضع هولندا في مواجهة فرنسا وروسيا فأعادت معظم جزر الهند الشرقية إلى هولندا عام 1816. وحاول رافلز تخليد المصالح البريطانية في الجزر، وخاصة في بنكولو جنوب غرب سومطرة، لكن الإنجليز حولوا انتباههم تجاه سنغافورة عام 1824، وفي النهاية تركوا إندونيسيا برمتها. وكان الأثر الوحيد الباقي من الحكم الإنجليزي هو قيادة السيارات على الطريقة البريطانية من الجهة اليسرى.

الاستعمار الهولندي

في الوقت الذي وصل فيه الأوروبيون إلى جزر الهند الشرقية في بداية القرن السادس عشر كانت هناك حضارة مزدهرة في تلك الجزر، وكانت أوروبا هي المتخلفة مقارنة بآسيا. وبدأ الهولنديون ينخرطون في التجارة، وكانت بانتن هي أول محطة لهم في إندونيسيا عام 1596 بأربع سفن فقط. وعندما عادت هذه السفن سالمة إلى هولندا حاملة معها شحنة ثمينة من التوابل كانت النتيجة غير متوقعة، إذ سرعان ما اتفقت الشركات الخاصة فيما بينها وأرسلت 12 بعثة مكونة من 65 سفينة إلى جزر الهند الشرقية في الفترة بين 1598 و1602. وقامت أول شركة استثمار هولندية خاصة في تلك الجزر عام 1602 مخولة بالمشاريع التجارية وإبرام الاتفاقات وبناء الحصون وإدارة المحاكم العدلية على امتداد جزر الهند الشرقية.

بذل الهولنديون كل ما في وسعهم لعزل الجزر الإندونيسية عن الاتصال بالعالم الخارجي. وأقاموا أول قاعدة عسكرية لهم في باتافيا في بداية القرن السابع عشر، وخلال عشر سنوات كانوا يغرقون كل السفن الأجنبية الموجودة في المياه الإندونيسية. وأقاموا مصانع محصنة ومراكز تجارية على طول الأرخبيل.

ومع منتصف القرن السابع عشر استطاع الهولنديون أن يسيطروا على هذه المساحات الشاسعة من الأراضي. وعندما كان السلاطين يطلبون من الهولنديين تزويدهم بالسلاح والدعم لسحق منافسيهم أو الغاصبين كان الهولنديون يساعدونهم دائما، الأمر الذي كان يعود عليهم بالمزيد من الأراضي المكتسبة من أي طرف. وساعدهم ذلك على التدخل في الشؤون الداخلية للولايات الإندونيسية.

وتوسعت الأعمال والمشاريع الهولندية لتشمل الزراعة، وعندما أفلست أكبر وأول شركة لهم عام 1799 بسبب الفساد وسوء الإدارة بدأت تحل محلها مؤسسات استعمارية في شكل بيروقراطية ضخمة من العمالة المدنية الاستعمارية. وتحولت المؤسسة التجارية إلى إمبراطورية استعمارية.

وكان من آثار هذا الاستعمار إنشاء نظام زراعي قسري عام 1830 تزرع بموجبه محاصيل كثيرة مثل البن والسكر والفلفل وشجر النيلة والشاي والقطن لتلبية الاحتياجات الأوروبية. وتحولت جزيرة جاوا كلها إلى معسكر عمل كبير تملكه الدولة، وكان يدار كمزارع العبيد التي كانت قبل الحرب الأهلية في الولايات المتحدة. وبحلول عام 1938 سيطر الهولنديون على أكثر من 2400 ملكية من الأراضي مقسمة بالتساوي بين جاوا والجزر الخارجية.

اعتمد تاريخ الحكم الاستعماري الهولندي على تركيبة طبقية عنصرية مكونة من طبقة من الهولنديين المهاجرين، ولم يسمح بالتعليم العالي حتى العشرينيات من القرن العشرين. وبلغت نسبة الأمية بين الإندونيسيين عام 1940 حوالي 90%، وبلغ عدد الخريجين الإندونيسيين من معاهد الدرجة الثالثة الهولندية 360 فقط. وبلغت سيطرة الهولنديين أنهم كانوا يديرون تلك الإمبراطورية من الجزر بـ30 ألف موظف حكومي فقط كانوا يعيشون حياة رغيدة ومحاطين بعدد كبير من الخدم.

بدأت قبضة الإدارة الاستعمارية الهولندية تضعف بداية القرن العشرين عندما قامت بتنفيذ السياسة الأخلاقية، وهي سياسة تقوم على المشاركة الحقيقية مع الشعب الإندونيسي. وساعدت هذه السياسة على تكوين فئتين اجتماعيتين جديدتين هما فئة قليلة من الإندونيسيين المتعلمين في الغرب ومجموعة أصغر من المقاولين الإندونيسيين الذين بدؤوا ينافسون الطبقة المسيطرة من التجار الصينيين. وازداد سخط الفئة المتعلمة وبعض الأثرياء الإندونيسيين على هذه السياسة الاستعمارية التي حرمتهم من القيام بدور متكافئ مع تعليمهم وقدراتهم. ومع ذلك لم يفكر الاستعماريون مطلقا بتسليم هذه الأراضي إلى السكان الأصليين.

ونشأت أول حركة قومية مناوئة للاستعمار الهولندي عام 1912 وسميت الاتحاد الإسلامي، وتزايد عدد أنصارها عام 1918 حتى بلغ مليونين على امتداد الأرخبيل، وبدأت تؤرق الحكومة الهولندية التي تبنت سياسة أكثر قمعية للحركة. وفي العشرينيات ترأس الحركة سوكارنو الذي أسس الحزب الوطني الإندونيسي عام 1927، ورغم اعتقاله ونفيه عدة مرات مع بعض الزعماء الآخرين وحظر حزبه والأحزاب غير المتعاونة فإن الحركة حافظت على زخمها. وبعد أن اجتاحت ألمانيا هولندا أثناء الحرب العالمية الثانية (1939-1945) حينها فقط ألمحت هولندا إلى نقل السلطة السياسية بعد الحرب.

الاحتلال الياباني

غزا اليابانيون إندونيسيا واحتلوها عام 1942، ومن أجل حشد الدعم الإندونيسي للنظام الياباني منحت اليابان سوكارنو وأعوانه حرية سياسية رمزية. وقام نظام الحكم الياباني في إندونيسيا على القمع طمعا في مصادر الثروة وفي مقدمتها البترول خوفا من الهجمات المضادة لقوات الحلفاء، لذلك أرغموا عشرات الآلاف من الشعب على العمل بالسخرة ومات منهم نفر كثير.

في سبتمبر/ أيلول 1943 أسس اليابانيون مليشيات في جاوا وبالي وسومطرة، وقاموا بتدريب آلاف الشباب لتكوين نواة جيش الاستقلال فيما بعد الحرب. ومن أجل حشد التأييد ضد هجمات الحلفاء المتوقعة ووعدت اليابان إندونيسيا في أكتوبر/ تشرين الأول 1944 باستقلال حقيقي ومن ثم منحتها حكما ذاتيا محددا. لكن طيلة سنوات الاحتلال كان لسلوك اليابان القاسي والمصاعب الاقتصادية المتزايدة أثرها في نفور الإندونيسيين.

في يوليو/ تموز 1947 شنت هولندا هجوما على إندونيسيا تحت زعم انتهاك الأخيرة للاتفاق، وتوسع الهجوم إلى أن سيطرت هولندا على حوالي ثلثي جاوا وعدة ولايات كبيرة وحقول النفط في سومطرة، مما أثار احتجاج عدد من أعضاء الأمم المتحدة، وأنشئت على أثرها لجنة للمساعي الحميدة شهدت توقيع اتفاقية رينفيل بين الجانبين عام 1948. وأقر الاتفاق بسيطرة هولندا على المناطق التي استولت عليها عام 1947، لكنه وعد تلك المناطق بإجراء استفتاء لتقرير مصيرها. وفي مؤتمر عقد بهيغ عام 1949 وافقت هولندا على نقل السيادة على كل إندونيسيا -باستثناء غرب إيريان (إيريان جايا الآن)- إلى الجمهورية الفدرالية للولايات المتحدة الإندونيسية مع نهاية ذلك العام.

حكم سوكارنو

في أغسطس/ آب 1950 حلت دولة إندونيسيا الموحدة محل الجمهورية الفدرالية.

أحمد سوكارنو
وكانت أول مهمة للحكومة هي إنشاء دولة قابلة للنمو تجمع تلك الثقافات والأعراق المختلفة للشعب الإندونيسي، لكن تعين عليها أيضا تهدئة الثورات المتفرقة للجماعات الإسلامية في غرب جاوا وآتشه بالإضافة إلى الحركات المناوئة للجمهورية التي تدعمها هولندا في جزر سولاويسي والملوك.

دعا الرئيس سوكارنوعام 1956  إلى إجراء إصلاح للنظام الحزبي واستبدال الديمقراطية الليبرالية لتحل محلها ما يسمى بـ"الديمقراطية الموجهة" التي تمنح الرئيس سلطة حكومية أوسع. واستغرق سوكارنو ثلاث سنوات لتحقيق الديمقراطية الموجهة. وفي الوقت نفسه تزايد استياء سكان الجزر البعيدة عن الحكومة المركزية، خاصة بسبب قلة ما يحصلون عليه من عائدات التنمية الاقتصادية الكبيرة، إلى جانب عوامل أخرى أدت جميعها إلى تفجير شرارة الانقلابات العسكرية في سومطرة وسولاويسي منذ ديسمبر/ كانون الأول 1956 إلى مارس/ آذار 1957، ولكنها أخمدت جميعا.

وفي 15 فبراير/ شباط 1958 أعلن منشقون عن الجيش في سومطرة يساندهم نظراؤهم في سولاويسي وبعض قادة حزب ماسجومي، ما يسمى بالحكومة الثورية لجمهورية إندونيسيا، وتلقى المتمردون مساعدة خفية من الولايات المتحدة وتايوان، لكن قوات الحكومة المركزية سرعان ما دحرتهم. ومع ذلك استمرت عمليات العصابات حتى عام 1961.

وفي عام 1959 بعد استقرار سياسته الموجهة في مكانها الصحيح تابع سوكارنو سياسة خارجية نشطة. فقد طالب هولندا بتسليم غرب إيريان، وتم له ذلك عام 1963، كما عارض تكوين الاتحاد الماليزي. أما داخليا فقد استمر الانهيار الاقتصادي وعمل الجيش والحزب الشيوعي الإندونيسي على زيادة قوتهما، الأمر الذي أدى إلى زيادة حدة التوتر بينهما.

حكم سوهارتو

تزايدت حدة الموقف بعد محاولة الانقلاب التي قادها المقدم أونتونغ، من حرس القصر، في 30 سبتمبر/ أيلول 1965 وقتل فيها ستة جنرالات، إلى أن أخمدها الجنرال سوهارتو قائد الجيش حينذاك. بعد ذلك تولى سوهارتو قيادة الجيش ثم رئاسة الدولة بتكليف من سوكارنو في مارس/ آذار 1966. ورغم التعارض بشأن هوية ودوافع منفذي الانقلاب فإن الجيش ألقى باللوم على الحزب الشيوعي. ونتيجة لذلك قامت وحدات من الجيش وكثير من الجماعات الإسلامية -خاصة في القرى- بعمليات إبادة للشيوعيين وأعوانهم نهاية عام 1965، حتى قيل إن ما بين 300 ألف ومليون شخص قتلوا في هذه العمليات. وأوقف نشاط الحزب في 13 مارس/ آذار 1966، كما اعتقلت الحكومة مئات الآلاف من المتهمين بالتورط في محاولة الانقلاب.

البرلمان الإندونيسي

أسس سوهارتو ما سماه حكومة النظام الجديد، وهي سياسة مؤيدة إلى حد كبير للسياسة الغربية. ثم أنهت إندونيسيا حالة المواجهة مع ماليزيا وأصبحت عضوا مؤسسا في اتحاد جنوب شرق آسيا الذي تأسس عام 1967.

تولى سوهارتو الحكم رسمياً عام 1968، ثم أجريت انتخابات عام 1971 في ظل مراقبة مشددة من قبل الحكومة التي أيدت حزب غولكار وأمنت معظم مقاعد مجلس النواب طيلة السنوات الخمس التالية. كذلك كان مجلس الشورى يؤمن رئاسة سوهارتو من دون منازع طوال فترة الخمس سنوات.

في عام 1975 بلغت مديونية مؤسسة النفط الحكومية "برتامينا" 10.5 مليارات دولار، وهددت الأزمة الكيان المالي لإندونيسيا. وللخروج من هذه الأزمة اضطرت الحكومة إلى إلغاء بعض المشاريع وجدولة الديون وتلقي المساعدة من الولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية الأخرى. وساعد ارتفاع أسعار النفط العالمية على تنشيط الاقتصاد الإندونيسي مرة أخرى. وعندما انخفضت أسعار النفط في بداية الثمانينيات غير سوهارتو السياسة الاقتصادية بأن قلل اعتماده على صادرات النفط. وكجزء من التغييرات التي أجراها عمل على توسيع رقعة الانفتاح حيث شجع الاستثمار الأجنبي في البلاد وأيد المزيد من الدمج في الاقتصاد العالمي. كذلك قام بإصلاحات في كثير من القطاعات لتقليل تكاليف الإنتاج وتحسين منافسة صادرات البضائع الإندونيسية. ورغم أن هذه السياسة أنعشت الاقتصاد فإن تلك الإصلاحات لم تبطل التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة، خاصة بين سكان جاوا الريفيين. فقد كانت شريحة كبيرة من ثروة إندونيسيا تتركز في أيدي عائلة الرئيس وأعوانهم. وزادت هذه الهوة الاقتصادية مع نمو السكان، رغم النجاح النسبي لبرنامج تنظيم الأسرة في جاوا.

إندونيسيا ما بعد النظام الجديد

تزايدت المعارضة لحكم سوهارتو على نحو مضطرد مع نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، رغم خوف كثير من الإندونيسيين من التعبير عن آرائهم علنا. وكان أبرز معارضي سوهارتو الإسلاميين وطلبة الجامعات المستائين من فساد الحكومة وانتهاكات حقوق الإنسان. واضطرت المظاهرات الطلابية العامة التي اندلعت عام 1978 الحكومة إلى تقييد النشاط الطلابي في حرم الجامعات وحرية الصحافة. وفي بداية التسعينيات أيد كثير من المنشقين ميغاواتي سوكارنو ابنة الرئيس السابق سوكارنو عندما عزلها خصومها من رئاسة الحزب الديمقراطي الإندونيسي منتصف عام 1996، مما أدى إلى حدوث شغب في جاكرتا. ومع أن ميغاواتي لم يكن لها كثير من المؤيدين فإنها كانت أول شخصية تشكل تحديا لمنصب رئيس الدولة.

وأخيرا كان الاقتصاد المتدهور هو التهديد الأكبر لحكم سوهارتو. ففي منتصف عام 1997 حدثت أزمة اقتصادية عندما انهارت قيمة العملة الإندونيسية. وكان أكثر الناس تأثرا بها هم الطبقة المتوسطة والفقراء، حيث إن أسعار السلع والخدمات بلغت عنان السماء. وبداية عام 1998 اندلعت حوادث الشغب في كثير من المدن الإندونيسية، وفي مارس/ آذار من السنة نفسها بعد إعادة انتخاب سوهارتو لفترة سابعة من دون معارض، قام الطلبة باحتجاجات في حرم الجامعات في جميع أنحاء الدولة. وفي مايو/ أيار تصاعدت الاحتجاجات السلمية وكذلك حوادث الشغب الدموية وتسببت القوات الحكومية في قتل المئات وهي تحاول احتواء الموقف، مما اضطر سوهارتو إلى الاستقالة في 21 مايو/ أيار وسلم مقاليد الحكم إلى ذراعه الأيمن يوسف حبيبي.

رئاسة حبيبي (1998-1999)
أثناء الفترة القصيرة التي قضاها في منصبه قدم الرئيس حبيبي مجموعة من الإصلاحات وشرع في إزاحة معظم التدابير القمعية التي وضعها سوهارتو. فقد منح المقاطعات سيطرة أكبر على مواردها المالية، وألغيت بعض الامتيازات الاقتصادية الممنوحة لعائلة الرئيس السابق، لكنه تجنب أي مواجهة مباشرة مع سوهارتو صديقه المخلص منذ الصبا. إلا أنه سرعان ما تقوض التأييد الشعبي -الذي لم يكن من القوة ليصمد- للرئيس حبيبي أثناء فترة رئاسته نتيجة لفشله في التعامل بصرامة مع تراث سوهارتو، وتورطه في فضيحة سوء استغلال أموال البنوك، وكذلك إنهاؤه العمليات العسكرية في مقاطعتي آتشه وتيمور الشرقية التي عرض خيار استقلالها عن إندونيسيا.

رئاسة عبد الرحمن واحد (1999)

الرئيس واحد

أثناء انتخابات مجلس النواب الإندونيسي التي جرت في يونيو/ حزيران 1999 شكك عدد كبير من الأحزاب الصغيرة في عملية فرز الأصوات وتأخر إعلان النتائج. ولكن كما كان متوقعا حصل الحزب الديمقراطي الإندونيسي بزعامة ميغاواتي على أكبر عدد من الأصوات (33.7%)، غير أنه لم يحصل على أغلبية المقاعد. أما حزب غولكار الذي كان مكتسحا في الانتخابات السابقة إبان حكم سوهارتو، فقد جاء في المرتبة الثانية (22.4%)، تلاه حزب الصحوة القومية الذي يتزعمه عبد الرحمن واحد ( 12.6%)، ثم حزب التنمية المتحد (10.7%)، وحزب التفويض القومي (7.1%). وعندما اجتمع مجلس الشورى في نوفمبر/ تشرين الثاني لاختيار الرئيس التالي، فاجأ العالم بترشيح عبد الرحمن واحد كأول رئيس ينتخب ديمقراطيا منذ 45 عاما، وميغاواتي نائبة للرئيس.

وواحد شخصية مشهورة في إندونيسيا ورئيس جمعية نهضة العلماء أكبر منظمة إسلامية إندونيسية، إذ يبلغ عدد أنصارها 30 مليون عضو. ورغم أن أيا من الزعيمين لم تكن له خبرة سابقة في الحكومة، فقد لاقت هذه المزاوجة ترحيبا عاما في الشارع الإندونيسي من أجل التغيير السياسي. لقد واجهت إدارة واحد مشاكل جمة، بما في ذلك الحاجة لإجراء إصلاحات حكومية وإدارية، وإزالة تراث سوهارتو من عدم الكفاءة والفساد وتجنيد كل الإمكانات المتاحة لحل المشاكل الاقتصادية التي تواجهها البلاد.

مناطق النزاع

كان أول تحد كبير واجهه الرئيس واحد هو الحركة الانفصالية الشعبية في تيمور الشرقية الواقعة في الجزء الجنوبي الشرقي للأرخبيل الإندونيسي. إذ عندما انسحبت البرتغال من مستعمراتها في تيمور الشرقية عام 1975، أعلنت جبهة "فرتيلين" اليسارية رغبتها في الاستقلال، وردت إندونيسيا بغزو المنطقة. واحتجت البرتغال والأمم المتحدة على الغزو الإندونيسي، لكن إندونيسيا ردت بضم المنطقة واعتبرتها إحدى مقاطعاتها. ومنذ ذلك الحين والنزاع لم يهدأ إلى أن تدخلت قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة وحصلت تيمور الشرقية على استقلالها في 20 سبتمبر/ أيلول 1999.

مناطق النزاع

لقد خاضت الجمهورية الإندونيسية منذ عام 1945 نضالا مستمرا للمحافظة على وحدتها. وكان لرحيل إدارة سوهارتو المستبدة عن الحكم واستقلال تيمور الشرقية أثر كبير في تشجيع الحركات الانفصالية في مناطق أخرى على السعي للاستقلال عن إندونيسيا كما حدث في آتشه ذات الأغلبية المسلمة في الطرف الشمالي لجزيرة سومطرة. ثم انتقلت العدوى إلى أجزاء أخرى من الأرخبيل مثل إيريان جايا في النصف الغربي لجزيرة بابوا غينيا الجديدة، وفي كالمنتان الوسطى الواقعة في جزيرة بورنيو شرق جزيرة سومطرة، وانضمت إليها آمبون إحدى جزر التوابل.

ومع ازدياد العنف وكثرة التغييرات الوزارية التي قام بها الرئيس واحد ومخالفته للعديد من قرارات مجلس الشورى وكثرة زياراته للخارج والتي اتهم فيها بهروبه من مواجهة الأزمات والمشاكل الداخلية، وأخيرا بعد تهم الفساد التي وجهها إليه البرلمان ووقع عليها 394 عضوا من بين 500 من أعضاء البرلمان، بات من الممكن أن تشهد إندونيسيا تغييرات أكبر قد يكون من ضمنها سقوط الرئيس واحد.
_________
المصادر:
الشبكة الإندونيسية: تاريخ إندونيسيا

الموسوعة: تاريخ إندونيسيا