*بقلم/ عبدالوهاب الأفندي

عبد الوهاب الأفندي
كان من المتوقع أن يكون فرع حركة الإخوان في السودان من أول الفروع التي تنشأ خارج مصر، خاصة وأن حركة الإخوان كانت تتفق مع بقية أطياف الحركة الوطنية في مصر حول شعار وحدة وادي النيل. وبالفعل نجد أن محاولات مبكرة تمت لإنشاء مثل هذا الفرع عبر إرسال وفود إلى السودان بدءا من عام 1945. وكانت هناك قنوات أخرى لكسب الأنصار السودانيين للحركة، إما من الطلاب والمهاجرين السودانيين في مصر، أو عبر نشاط بعض أعضاء الحركة المصريين المقيمين في السودان. وكانت حركة الإخوان أيضا على صلة بالأحزاب السودانية -وخاصة القوى الاتحادية- حيث كانت الحركة تحتفي بالوفود السودانية الزائرة كما كان كثير من زوار القاهرة من السودانيين يحرصون على زيارة المركز العام وحضور محاضرة الثلاثاء التي كان يلقيها مؤسس الحركة الإمام حسن البنا.

تشكيلات إخوان السودان


كثرة القنوات وتداخلها ساهم في تأخر بروز حركة الإخوان، ونشأت تشكيلات عدة تدعي الانتماء إلى الإخوان.

وقد التحق أعضاء سوادانيون بالحركة في مصر، كان أبرزهم جمال السنهوري الذي التحق بالحركة عام 1940 وأصبح مسؤول قسم أفريقيا في مكتب الاتصال بالعالم الإسلامي في قيادة الحركة، وصادق عبد الله عبد الماجد الذي التحق بالحركة في عام 1946.

ولعل كثرة القنوات وتداخلها هو الذي ساهم بصورة غير مباشرة في تأخر بروز الحركة وما اعترى نشأتها من مشاكل. فقد نشأت كنتيجة لهذه الجهود تشكيلات عدة تدعي الانتماء إلى الإخوان. وكان هذا الانتماء ذا طابع فردي على غرار الانتماء للحركات الصوفية، حيث كان هناك الكثيرون ممن أعلنوا ولاءهم للحركة وإمامها دون أن يروا في ذلك تعارضا مع عضويتهم في حركات سياسية أخرى مثل حزب الأشقاء.

وفي عام 1948 بعث البنا برسالة إلى معلم يدعى علي طالب الله -كان يقضي عقوبة سجن بتهمة حيازة سلاح غير مرخص- يخطره فيها بتعيينه مراقبا عاما لحركة الإخوان في السودان. ولكن الإدارة البريطانية التي رفضت في وقت سابق السماح للبنا بزيارة السودان رفضت منح الحركة تصريحا بالعمل، ومع ذلك ظلت الحركة تنشط بصورة علنية، وقامت في مطلع الخمسينات بإنشاء مقر رسمي لها في مدينة أم درمان.

في نفس الوقت نشأت عام 1949 في كلية غردون التذكارية (التي أصبحت جامعة الخرطوم عام 1956) حركة إسلامية موازية أطلقت على نفسها مسمى حركة التحرير الإسلامي، وكان من أبرز قادتها محمد يوسف محمد وبابكر كرار. وكانت هذه الحركة نشأت كرد فعل على هيمنة الشيوعيين على الكلية، وكان اسمها نفسه مستوحى من اسم الحركة الشيوعية المنافسة، وكانت تدعو إلى "الاشتراكية الإسلامية". وفي حين كان أعضاء هذه الحركة على صلة ببعض المنتمين لحركة الإخوان من السودانيين في مصر، إلا أنها كانت تنفي بشدة أي صلة لها بتلك الحركة، وترد على الحملات الشيوعية التي كانت تنسبها إلى "حركة الإخوان الإرهابية" بالتأكيد على أن هذه حركة سودانية مستقلة لا صلة لها بأي حركة أخرى. وقد التقى قادة الحركة بوفد زائر من حركة الإخوان في عام 1952 وتحاوروا معه مطولا حول اقتراح بالالتحاق بالحركة بحيث تصبح فرعا لها بالسودان على غرار ما تم في الأردن وسوريا والعراق وغيرها، ولكن اللقاء انتهى بدون اتفاق، حيث أصر السودانيون على ضرورة الاحتفاظ باستقلالهم، مبررين ذلك بحساسية أعضائهم ذوي الخلفية المهدوية من أي شيء له علاقة بمصر.

ولكن هذا التمنع لم يدم طويلا، خاصة وأن الطبيعة الهلامية للتنظيمات المتنافسة شجعت التداخل بينها، حيث كان بعض أعضاء حركة التحرير يرتادون منتديات حركة الإخوان التي كان يتزعمها علي طالب الله، ويقرؤون رسائل الإمام البنا وغيرها من أدبيات الإخوان، بينما كان المنتمون للإخوان يتعاونون مع الحركة. وقد نتج عن هذا انجراف غير مرئي من الحركة باتجاه الإخوان لدرجة أنه صار من الصعب التمييز بين التيارين. وقاد هذا بدوره إلى استقالة زعيم حركة التحرير الإسلامي بابكر كرار في أواخر عام 1952 احتجاجا على هذا التقارب من الإخوان. وفي أغسطس/آب 1953 قرر كرار العودة وتدبير "انقلاب" ضد الإخوانيين، حيث دعا لاجتماع حضره قرابة أربعين من أنصاره قرر إعادة التأكيد على اسم حركة التحرير الإسلامي وبرامجها التي تتمحور حول الاشتراكية الإسلامية. وأكد الاجتماع على رفض اسم الإخوان المسلمين كما قرر فصل أعضاء القيادة المتعاطفين مع الإخوان. وقد أدى هذا التحول إلى اضطراب شديد في عضوية الحركة (أو بالأحرى الحركات) المتداخلة واستقالات جماعية وفترة من عدم الوضوح. وقد جرت محاولة لحسم هذه الخلافات بعقد مؤتمر آخر في أغسطس/آب 1954، اشتهر بمسمى مؤتمر العيد، قرر تسمية الحركة رسميا باسم الإخوان المسلمين وانتخب لها قيادة جديدة على رأسها أمين عام (اختير محمد خير عبد القادر للمنصب).

ولكن هذا الإجراء أدى إلى مزيد من الاضطراب والانشقاقات، حيث أعلنت مجموعة كرار انفصالها وأطلقت على نفسها اسم الجماعة الإسلامية (تحول الاسم فيما بعد إلى الحزب الاشتراكي الإسلامي)، بينما اعترضت مجموعة علي طالب الله على المؤتمر ونتائجه وتمسك طالب الله بشرعية قيادته للحركة بسند تكليف الإمام البنا له. وقد قامت وفود مصرية بزيارتين للخرطوم في عام 1955 للوساطة بين المتنازعين، وكنتيجة لذلك تمت تسوية الخلافات جزئيا وتم انتخاب قيادة جديدة من أنصار طالب الله، حيث أصبح المحامي الرشيد الطاهر بكر المراقب العام.

وتحت قيادة الطاهر قادت الحركة حملة ناجحة لتشكيل ما عرف بـ "الجبهة الإسلامية للدستور" قادت حملة لحشد الدعم السياسي والشعبي لفكرة الدستور الإسلامي. واستمرت قيادة الرشيد الطاهر للحركة حتى عام 1959 حيث ألقي القبض عليه بتهمة تدبير محاولة انقلابية ضد حكومة الفريق إبراهيم عبود التي كانت قد جاءت إلى الحكم بدورها بانقلاب عسكري في العام السابق. وقد صدمت حكومة عبود الرأي العام السوداني بتنفيذها حكم الإعدام في خمسة من العسكريين المشاركين في المحاولة الانقلابية في سابقة هي الأولى في السودان المستقل، ولكن الرشيد الطاهر الذي ضبط وهو ينقل بيان الانقلاب في سيارته الخاصة نجا من الإعدام وحكم عليه بالسجن خمس سنوات.

وقد أدى سجن الطاهر إلى اضطراب جديد في أمور الحركة، حيث تبرأ زملاؤه في القيادة مما قام به، بحجة أنه لم يخطرهم بالتفاصيل كما أنه أشرك ضباطا شيوعيين في المحاولة. وعليه قرر هؤلاء تنحية الطاهر من منصب القيادة وإنشاء قيادة جماعية.

قيادة الترابي والتنظيم الدولي


طبع الترابي الحركة بطابعه المميز منذ تسلمه قيادتها، وطرح فكرة جبهة عريضة للحركة، فقامت بذلك جبهة الميثاق الإسلامي التي ضمت إلى جانب عضوية الإخوان شخصيات وحركات أخرى تؤيد البرنامج المشترك الداعي لتطبيق الشريعة الإسلامية،

وقد ظلت شؤون الحركة في ركود نسبي حتى مطلع عام 1964، حين عاد الدكتور حسن الترابي من فترة دراسية في باريس وتولى عمادة كلية الحقوق في جامعة الخرطوم، ثم ما لبث أن لمع نجمه بسبب دوره البارز في انتفاضة أكتوبر 1964 التي أطاحت بالحكم العسكري. وقد رشحته هذه المؤهلات لقيادة الحركة.

وقد بدأ الترابي على الفور بطبع الحركة بطابعه المميز منذ تلك الفترة، حيث سارع بطرح فكرة جبهة عريضة تتجاوز عضوية الحركة، فقامت بذلك جبهة الميثاق الإسلامي التي ضمت إلى جانب عضوية الإخوان شخصيات وحركات أخرى تؤيد البرنامج المشترك الداعي لتطبيق الشريعة الإسلامية، إضافة إلى الحفاظ على الحريات، ودعم العدالة الاجتماعية. وقد حققت الجبهة نجاحا محدودا في انتخابات عام 1965، حيث كسبت سبعت مقاعد في البرلمان وأصبحت في المعارضة. وحققت الحركة نجاحا في دعم مشروع الدستور الإسلامي وحشد الدعم السياسي له في البرلمان وخارجه. ولكنها لم تقرن ذلك بنجاح مماثل في تقوية موقفها السياسي، إذ إن سندها الشعبي تراجع مع انتخابات عام 1968. ولكن أخطر ما واجهها هو تصاعد الخلافات الداخلية التي تسببت فيها التركيبة الجديدة للجبهة. فقد برز خلاف بين تيارين، الأول عرف بتيار التربية وكان أقرب إلى نهج الإخوان التقليدي الذي يدعو إلى التركيز على تزكية الأعضاء ووضع شروط قاسية للعضوية، وبين التيار السياسي الذي يميل إلى الاستكثار من الأنصار ويركز على النتائج. وقد تصاعدت الخلافات حتى بلغت مرحلة الانشقاق بعد فشل المدرسة التقليدية في إزاحة الترابي من القيادة في مؤتمر عقد في أبريل عام 1969. ولكن الانشقاق تأجل بسبب قيام انقلاب مايو عام 1969، الذي جاء بحكومة يسارية معادية للإسلاميين زجت بهم في السجون ودخلوا معها في معارك استمرت حتى عام 1977، حين عقدت المعارضة صفقة المصالحة الوطنية مع حكومة الرئيس جعفر النميري وشارك الإسلاميون في السلطة.

وقد فجرت هذه الصفقة الخلافات داخل الحركة مجددا، وانتهت في عام 1980 بإعلان انشقاق مجموعة أطلقت على نفسها حركة الإخوان المسلمين، وتبنت النهج الإخواني في التربية وانضمت رسميا للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين. وقد كان من أبرز زعماء هذا التيار صادق عبد الله عبد الماجد، أحد أبرز زعماء الحركة وقد كان أيضا يتولى تحرير صحيفة التنظيم في الخمسينات والستينات، والحبر يوسف نور الدائم، وهو محاضر لغة عربية في جامعة الخرطوم. وقد انتقد هؤلاء نهح الترابي في القيادة وخاصة البراغماتية التي تميز بها والتي رأى فيها هؤلاء ضربا من الانتهازية، ودعوا إلى التركيز على انتقاء الأعضاء وتربيتهم وسلوك الطريق الشاق الطويل إلى الإصلاح.

وقد مثل الانضمام إلى التنظيم الدولي خطوة رمزية جسدت الانقلاب على نهح الترابي الذي لم يكن يكتفي فقط برفض الانضمام إلى ذلك التشكيل، بل كان أيضا لا يخفي طموحه لقيادة تنظيم بديل يكون إطارا أفضل للعمل الإسلامي في المجال الدولي. وقد كانت الحركة كما أسلفنا تقاوم منذ أيامها الأولى فكرة الارتباط بالحركة الأم في مصر، وهو رفض تجدد في عام 1961 حين أنشئ مكتب تنسيق في جدة وطلب من إخوان السودان الانضمام إليه. وتجدد الرفض لدى إنشاء التنظيم الدولي في عام 1973، حيث اعترضت الحركة السودانية على تركيبته وصلاحياته واقترحت بدلا منه جهاز تنسيق فضفاض يسمح لكل حركة باستقلالها الداخلي. وظل الأمر مصدر شد وجذب وأدى إلى توتر حاد في العلاقات. وقد وصل التوتر قمته بعد أن أصبح الشيخ مصطفى مشهور الزعيم الأبرز في التنظيم منذ نهاية السبعينات، وتصاعد بعد أن احتضن التنظيم الدولي الجناح المنشق تحت قيادة صادق عبد الله وتبنى مآخذه على جماعة الترابي.

وفي عام 1987 وصل التوتر مرحلة جديدة حين اقترح الترابي إقامة جهاز تنسيقي دولي للحركات الإسلامية لا يقتصر شأن التنظيم الدولي فيه على الحركات في الدول العربية، بل يضم كذلك الحركات الإسلامية في تركيا وماليزيا وباكستان وغيرها. وبالفعل استضافت الجبهة الإسلامية القومية (وهو الاسم الذي تبناه جناح الترابي بعد عام 1985) اجتماعا لهذا الغرض في الخرطوم في مطلع عام 1988. ولكن التنظيم الدولي شن حملة عنيفة على فكرة الترابي، حيث وصفتها مجلة المجتمع الكويتية الناطقة باسم الإخوان المسلمين هناك بأنها "تنظيم الضرار"، وقالت إن الترابي قصد من تلك الفكرة بذر بذور الشقاق في الحركات الإسلامية. وقد دافع الترابي حينها عن فكرته بالقول بأنها لا تنافس التنظيم الدولي بل تكمله لأنها تجمع الحركات غير العربية، وتهدف لتنسيق فضفاض بخلاف التنظيم الدولي الذي كانت له قيادة موحدة، وتركيبة هرمية. ولعل المفارقة هي أن الترابي عاد ونفذ هذه الفكرة بعد تولي أنصاره السلطة في السودان عام 1989، حيث أعلن عام 1991 عن إنشاء ما سمي بالمؤتمر الشعبي العربي الإسلامي، وهو تركيبة فضفاضة جمعت إضافة إلى الحركات الإسلامية من البوسنة إلى أفغانستان وماليزيا، وممثلي المنظمات الإسلامية في الغرب، مجموعات راديكالية عربية مثل حزب البعث العراقي والحزب الاشتراكي (الشيوعي) اليمني وبعض المنظمات الفلسطينية اليسارية. وقد شاركت حركة الإخوان المصرية وفروعها في الأردن ومناطق أخرى في المؤتمر.

نموذج الترابي ومآله


أبرز ملامح النموذج الإخواني السوداني هو المرونة الأيديولوجية والسياسية، عبر التخفيف من شروط العضوية وعقد التحالفات مع قوى سياسية غير إسلامية وأحيانا غير مسلمة

ولعل هذا مثل تحولا في موقف الإخوان من الحركة التي كان يقودها الترابي، والتي أثبتت نفسها في الميدان السياسي، حيث إنها حققت موقعا متقدما في انتخابات عام 1986 في السودان وأصبحت الحزب الثالث في البرلمان، وشاركت في الائتلاف الحكومي منذ صيف عام 1988. وحين أبعدت من الحكم في مطلع عام 1989 بضغوط من حركة التمرد والجيش السوداني والقوى الدولية والإقليمية، قامت الحركة بتدبير انقلاب في يونيو/حزيران 1989 استولت بعده على السلطة، حيث أصبحت بذلك أول حركة إسلامية حديثة تتولى السلطة في العالم. ورغم أن موقف قيادة الإخوان التقليدية ظل على ارتيابه في مناهج الترابي وتوجهاته الفكرية، إلا أن عناصر الشباب في الحركة الأم وفروعها ضغطت لتغيير هذا الموقف حيث رأت في النجاح السياسي الذي حققته الحركة السودانية دليلا على أن موقفها أسلم من الموقف التقليدي الحذر الذي جعل الحركات الأخرى تعاني من الركود وتعجز عن ترجمة سندها الشعبي إلى نتائج عملية. وكانت هناك حركات أخرى مثل حركة الاتجاه الإسلامي في تونس (التي بقيت على انتمائها للتنظيم الدولي)، وحركة الشباب المسلم في ماليزيا استلهمت التجربة السودانية منذ مطلع الثمانينات.

وتعتبر أبرز ملامح النموذج الإخواني السوداني هي المرونة الأيديولوجية والسياسية، حيث كان الترابي منذ الستينات يسعى إلى توسيع قاعدة الدعم للحركة عبر التخفيف من شروط العضوية وعقد التحالفات مع قوى سياسية غير إسلامية وأحيانا غير مسلمة. وقد كانت أبرز خطوة في هذا المجال هي الدخول في تحالف مع نظام النميري بدءا من عام 1977، حيث تولى الترابي منصبا قياديا في الحزب الحاكم آنذاك الاتحاد الاشتراكي السوداني، ثم أصبح وزيرا للعدل في الحكومة، إلى أن تم إبعاده عام 1983. وقد انتهى هذا التحالف بعد أن تم إيداعه وطائفة من كبار أنصاره السجن في عام 1985 قبل أقل من شهر من سقوط نظام النميري في أبريل/نيسان 1985. وقد كانت هذه الخطوة في المشاركة مثيرة للجدل في أوساط الحركة وخارجها، واعتبرت دعما لنظام استبدادي غير إسلامي، مما كان يتناقض حتى مع مواقف الترابي المعلنة المؤيدة للديمقراطية (والتي أثارت بدورها جدلا في الأوساط الإسلامية). وقد دافع الترابي وقتها عن موقفه بالاحتجاج بأن الحركة كانت تحتاج إلى التقاط أنفاسها وتطبيق إستراتيجيتها طويلة المدى لتدعيم وضعها في المجتمع، كما أنه نوه بتوجهات النميري الإسلامية التي بلغت مداها بإعلان تطبيق الشريعة الإسلامية في سبتمبر من عام 1983. وقد رأى الترابي وأنصاره في هذا التوجه، وفي المكاسب السياسية التي حققتها الحركة نتيجة لتحالفها مع النميري تأكيدا لصواب منهجها، خاصة في ظل الفشل الكبير للجناح المنشق الموالي للتنظيم الدولي في تحقيق أي حضور سياسي ذي بال على الساحة.

إضافة إلى المرونة السياسية فإن الحركة السودانية بقيادة الترابي انتهجت نهجا تجديديا في مجالات عدة، من بينها السعي إلى إعطاء المرأة دورا أكبر في الحركة والمجتمع، وتبني الدعوة إلى الديمقراطية (وهو تصور تراجعت عنه بعد وصولها إلى الحكم) وتطوير أفكار جديدة حول موقف الإسلام من الفنون. إضافة إلى ذلك فإن الحركة لعبت دورا رياديا في مجالات الاقتصاد الإسلامي والنشاط الخيري والاجتماعي. واعتبرت تجربة الحركة في المشاركة في الحكم، سواء في عهد النميري أو في العهد الديمقراطي وأخيرا انفرادها بالحكم من التجارب الرائدة في مجال العمل الإسلامي. وقد أثارت كثير من أفكار الترابي لغطا في الأوساط الإسلامية، واعتبر بعضها (مثل التوقف في حد الردة والقول بجواز زواج المسلمة من كتابي) مخالفة للإسلام.

ولكن المفارقة هي أن دور الحركة السياسي كان أيضا سبب الانتكاسة التي واجهتها الحركة وقيادة الترابي لها شخصيا. وتحديدا فإن تجربة الحكم العسكري في حكومة الإنقاذ التي رأسها الفريق عمر حسن أحمد البشير كانت لها محصلة سلبية على العمل الإسلامي عموما، وعلى الحركة السودانية خصوصا. فقد شابت التجربة ممارسات تعسفية من النوع الذي كان الإسلاميون ومازالوا يشكون من وقوع مثله من الحكومات العلمانية، بما في ذلك إقصاء الخصوم وانتهاكات حقوق الإنسان ورفض النهج الديمقراطي. وكان لوقوع هذه الممارسات في وقت تشكو فيه أكثر الحركات الإسلامية من المطاردة والتهميش أثر سالب من حيث إنه منح خصوم هذه الحركات حجة ضدها، حيث دأب هؤلاء على الإشارة إلى النموذج السوداني باعتباره الدليل على أن الحركات الإسلامية غير جادة في دعاواها في التعايش مع الآخرين وإفساح المجال لهم في المشاركة السياسية فيما إذا جاؤوا إلى الحكم. واعتبر الخصوم هذه حجة كافية للاستمرار في نهج الإقصاء المتبع ضد القوى الإسلامية. من جهة أخرى فإن الاستيلاء على السلطة شجع قيادة الحركة على الاستغناء عن أجهزتها ومؤسساتها والاعتماد بدلا من ذلك على مؤسسات الدولة، وخاصة أجهزتها الأمنية والاتجاه إلى تذويب الحركة في الدولة. وقد أدى هذا إلى تضعضع الحركة وضمور أجهزتها وسريان الفساد والانتهازية في صفوفها.

وقد انكشفت الحركة انكشافا تاما حين انفجر الصراع بين قياداتها وحاول كل طرف الاستعانة بالدولة لحسم الخلاف، وظهر بسرعة أن الحركة لم يعد لها كيان أو وجود يذكر خارج الدولة وأجهزتها. وقد انتهى الأمر بالدولة -بزعامة الرئيس البشير ونائب الترابي سابقا على عثمان محمد طه- إلى أن تحيد التنظيم وتشل فاعليته وتحوله إلى جهاز من أجهزة الدولة.

ولا يبدو مستقبل التنظيم مشرقا في ظل الأوضاع السائدة والضغوط الخارجية من أجل تفكيك حكومة البشير عبر صفقة سلام مع المتمردين الجنوبيين تؤدي إلى انتخابات عامة لن يكون حظ الإسلاميين فيها كبيرا. وهذا يعنى أن وصول الحركة إلى السلطة قد أصبح وبالا عليها من وجوه كثيرة، وأنها لن تترك لتنعم بما استثمرته في سعيها إلى السلطة واستئثارها بها.

ولعل المفارقة الثانية التي تستدعي التوقف عندها هي أن الجناح المنشق الموالي للتنظيم الدولي حقق مكاسب من تصدع حركة الترابي، حيث إن الجناح المناوئ للترابي قد سعى إلى الاستعانة بحركة الإخوان المسلمين السودانية، وقد أصبح أحد أبرز رموزها الدكتور عصام البشير وزيرا في الحكومة. وقد اعتبر الإخوان فيما حدث تأكيدا لسلامة نهجهم هم وإدانة لأسلوب ونهج الترابي الذي كشف حسب رأيهم عن ثغرات أخلاقية خطيرة في الحركة ونهجها ومسلك كوادرها.

خاتمة


الحركة السودانية تبقى الحركة الإسلامية الحديثة الوحيدة في كل العالم الإسلامي التي وصلت إلى السلطة وانفردت بها
تلخيصا يمكن أن يقال إن فرع حركة الإخوان في السودان قد لعب في العمل الإسلامي دورا أكبر بكثير من حجمه وحجم السودان السياسي، وهو دور يعزا إلى حد كبير للقيادة الفذة للترابي ونهجه التجديدي المغامر، وهو نفس النهج الذي تسبب في انتكاسات كبيرة للحركة. ولا يمكن النظر إلى الحركة ودورها بمعزل من واقع السودان وظروفه، حيث إن السودان يتميز بتعددية دينية وعرقية لا توجد في أي بلد عربي آخر، كما أنه عانى من حرب أهلية متطاولة اندلعت لأول مرة في عام 1955 والبلد لم ينل استقلاله بعد، وتجددت مرة أخرى في عام 1983 بعد فترة هدوء نسبي أعقبت توقيع اتفاقية أديس أبابا للسلام في عام 1972. يتميز السودان كذلك بالدور البارز الذي تلعبه الحركات الصوفية والدينية عموما في الحياة السياسية والاجتماعية، وهو دور سهل مهمة الحركة الإسلامية الحديثة وعقدها في نفس الوقت. تميز السودان كذلك بانفتاحه النسبي، حيث كانت الحركة الإسلامية قادرة على العمل والحركة حتى في فترات الحكم العسكري (1958-1964، 1969-1985)، إضافة إلى ما تمتعت به من حريات في الفترات الديمقراطية، مما أعطى تجربتها تواصلا واستمرارية لم تتحقق لحركات كثيرة أخرى أقعدتها القيود وسقف الحركة المتاح لها.

وإذا كانت الحركة واقعة اليوم في إسار أزمة خانقة وقعت في براثنها وهي في أوج نجاحها السياسي، فإن الحركة السودانية تبقى الحركة الإسلامية الحديثة الوحيدة في كل العالم الإسلامي التي وصلت إلى السلطة وانفردت بها (لا عبرة هنا بتجربة حزب الرفاه بقيادة نجم الدين أربكان في تركيا، لأن سلطته كانت منقوصة وهو على كل لم يصل إلى السلطة كحركة إسلامية، ويجب كذلك استبعاد إيران لأن الحركات الإسلامية الحديثة هناك مثل حركة مهدي بازركان لم تصل إلى السلطة، وإنما كان العلماء التقليديون بزعامة آية الله الخميني هم من انفرد بها). وقد راكمت الحركة رصيدا كبيرا من الإنجازات ونصيبا لا يستهان به من الأخطاء يصلح أن يعتبر به الإسلاميون وغيرهم.
ـــــــــــــــــ
* كاتب سوداني مقيم في لندن