من المعاني المستقرة للمقاومة أنها لون من ألوان التعبير عن الاحتجاج والرفض، وأن التمييز بين المقاومة السلمية والمقاومة المسلحة يعتمد على وسيلة التعبير (1)ويتفق المقاومون سواء من انتهجوا العمل المسلح أو التعبير السلمي على أن كلا من الطريقين "أداة" لتحقيق "أهداف" معينة وأن "فعل المقاومة" ليس مقصودا في ذاته.
 
أما نقاط الاختلاف الجوهرية بين أصحاب النهجين فتنبع من الإجابة عن سؤال الجدوى أو الأكثر نفعا، فكل طرف يعتقد أن "أسلوبه" في المقاومة هو "الأنسب" و"الأقرب" و"الأجدى" لتحقيق ما يعتقد أنه ثوابت وأهداف وطنية تعود بالنفع على المجموع.
 
ويمتلك كل صاحب رأي في هاتين المدرستين من المبررات والأدلة والشواهد الميدانية والتاريخية ما يعزز وجهة نظره، ومن هنا يبدأ جدل طويل لا ينتهي ولا يستطيع طرف أن يحسمه لصالحه، ومن هنا أيضا تبرز على السطح أسئلة كثيرة لم يتوصل إلى إجابات جامعة ويقينية عنها، الأمر الذي بات يشكل في مجموعه ما يمكن تسميته بـ"إشكاليات المقاومة" ليس فقط في الوطن العربي وإنما في كل مكان بالعالم فيه مقاومة.
 
فالاختلاف بين الطرفين قائم حول معاني الثوابت والأهداف الوطنية: ما هي؟ ومن يحددها؟ ومن يمتلك شرعية توصيفها فضلا عن الدفاع عنها؟ وهل من الأجدى ممارسة الفعل المقاوم لتحقيقها جملة واحدة؟ أم من الأنسب الرضا بتحقيق جزئي ومرحلي لها؟ ومن يكون حكما في النزاع الذي ينشب حول كل ذلك؟
 
ثم تأتي الأسئلة الأكثر حساسية: بأي الطريقتين يتم تحقيق هذا الأمر على افتراض الاتفاق عليه؟ هل بالمقاومة السلمية أم المسلحة؟ وهل يمكن الجمع بين الطريقتين؟ وكيف يتأتى التغلب على العوائق التي تحول دون تنسيق وتبادل الأدوار بين أنصار المدرستين لتحقيق "الهدف"؟ ومن يضبط ويرشد سلوك المقاومين إذا ما قُتل أبرياء أثناء مسيرة المقاومة المسلحة؟ بل كيف يمكن تحقيق الإجماع بين المقاومين سواء من انتهجوا الأسلوب السلمي أو المسلح على مفهومي "البريء والمتهم" حتى لا يسقط ضحايا وتتشوه صورة المقاومة وتتحول إلى بؤرة للنزاع الداخلي والحرب الأهلية والفتنة الطائفية بدلا من أن تظل مقاومة مشروعة ضد هدف خارجي؟
 
 
هذا الخلاف وذلك الجدل غير المحسوم موجود ومثار في كل مكان به قضية تستحق المقاومة خارج العالم العربي أو داخله، فهو موجود في أيرلندا الشمالية بين من كانوا ينادون بالحل العسكري سعيا للاستقلال عن المملكة المتحدة كما كان الحال دائما وعلى مدى ثلاثين عاما في "الجيش الجمهوري" وذلك قبل أن يعلن تخليه عن العمل المسلح عام 2005، وبين من يعتقدون أن العمل السلمي والمفاوضات السياسية كفيلان بالوصول إلى النتائج المرجوة كما هو الحال بالنسبة للاتحاديين الممثلين في "الحزب الديمقراطي الاتحادي".
 
وهو موجود أيضا في إسبانيا بين منظمة إيتا وحزب باتاسونا اللذين يؤمنان بالعمل المسلح وبين سلطات إقليم الباسك التي ترى في مفاوضة الحكومة الإسبانية طريقا للخروج من الأزمة.
 
وكان واضحا كذلك في الشيشان بين "المجاهدين" بقيادة شامل باساييف الرافضين لأي حوار مع موسكو وبين "أنصار أصلان مسخادوف" قبل مقتله الذين دعوا مرارا إلى الحوار سبيلا لإنهاء القتال في الشيشان.
 
وهو أيضا موجود في كشمير بين "حزب المجاهدين" في الشطر الكشميري الذي تسيطر عليه الهند والذي يؤمن أتباعه بالمقاومة المسلحة لنيل الاستقلال وبين حزب "حريات" الذي يعتقد جدوى المفاوضات السياسية والطرق الدبلوماسية لحل الأزمة.

وكذلك هو موجود في إقليم ناغورنو كاراباخ المتنازع عليه بين أرمينيا وأذربيجان وطرفاه "أنصار بابايان" الذين يؤمنون بالمقاومة المسلحة لحل أزمة الإقليم وبين "أتباع جوكاسيان" أصحاب النهج السلمي التفاوضي.
 
والحال نفسه في عالمنا العربي كما هو واضح وجلي في العراق وفلسطين ولبنان. لكن السؤال هنا هو: بأي معيار ووفقا لأي منطق يقرر هذا الطرف أو ذاك "شكل" المقاومة التي سينتهجها وما إذا كانت سلمية أم مسلحة؟
 
 
"
خلاف أصحاب نهج المقاومة المسلحة مع أنصار المقاومة السلمية ليس على مبدأ "حالة التفاوض" في حد ذاته ولكن في توقيته ومبررهم أنه لن يكون مجديا إلا بعد مرور فترة على عمل مقاوم مسلح يجبر العدو على تقديم تنازلات
"
المعيار والمنطق الذي يستند إليه كل طرف في اختيار أحد أسلوبي المقاومة يعود إلى "فهمه وإدراكه وتوصيفه للواقع وتصوراته عن موازين القوى وكيفية التعامل معها".
 
فأنصار نهج المقاومة السلمية يعتقدون أنهم "واقعيون وعقلانيون وليسوا حالمين أو متسرعين يفتقدون الحكمة ولا يجيدون فهم الواقع وتقدير موازين القوى وقراءة الظرف الإقليمي والدولي، ولذلك فالنهج السلمي هو الأسلم والأقل خسارة في تحقيق الأهداف المبتغاة".
 
وكذلك يعتقد الذين يعتنقون أسلوب المقاومة المسلحة أنهم هم "العقلانيون وأنه على مدار التاريخ لم تتحرر أرض ولم يخرج محتل دون عمليات مسلحة موجعة وأن تراكم العمل المقاوم المسلح حتى وإن كانت موازين القوى غير متكافئة من شأنه إحداث قلق أمني وخلق حالة من عدم الاستقرار وبيئة مربكة ترفع من تكلفة بقاء العدو سواء أكانت هذه التكلفة مادية أو معنوية، وأنه لا يمكن إجباره في نهاية المطاف على تقديم تنازلات إذا ما بدأت المفاوضات إلا بهذا الأسلوب الذي ثبتت نجاعته في كل قارات العالم".
 
فخلاف أصحاب العمل المسلح مع أنصار المقاومة السلمية ليس في مبدأ التفاوض في حد ذاته ولكن في توقيته ومتى تجيء ساعته، إذ يعتقدون أنه لن يكون مجديا إلا بعد فترة من العمل المقاوم المسلح تجبر العدو على تقديم تنازلات تحقق مكسبا سياسيا حقيقيا وليس "وهما من أوهام السلام المزعوم".
 
 
ويسوقون في ذلك أمثلة كثيرة منها تراكم الفعل المقاوم المسلح الذي قام به حزب الله في جنوب لبنان والنتيجة التي توصل إليها المتمثلة في "إجبار" الجيش الإسرائيلي على الانسحاب الأحادي في مشهد مهين للعسكرية الإسرائيلية تم تحت جنح الظلام وأدى إلى تحرر الجنوب اللبناني عام 2000، وأنه من موقع المنتصر تفاوض حول الأسرى حتى استرجع أغلبهم.
 
والحال نفسه تكرر في قطاع غزة الذي رأى الاحتلال الإسرائيلي أن التكلفة البشرية والاقتصادية والسياسية لبقائه فيه مرتفعة فقرر بعد احتلال استمر أكثر من ثلاثين عاما القيام بانسحاب أحادي الجانب أيضا، ولم يفكر جديا في الإفراج عن "بعض" الأسرى إلا بعد حادثة اختطاف الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط التي نفذها رجال يعتنقون أسلوب المقاومة المسلحة.  
 
 
وفي المقابل يعتقد أنصار النهج السلمي التفاوضي أن أسلوبهم هو الأجدى ويسوقون كذلك أمثلة "يغلب عليها أن أطرافها دول وليست جماعات أو أحزابا أو تيارات". ومن الأمثلة التي يستشهدون بها ما استردت به مصر منطقة طابا من إسرائيل بعد تحكيم دولي، واستعادة قطر لجزر حوار المتنازع عليها مع مملكة البحرين بعد تحيكم دولي مماثل، وإعادة بريطانيا هونغ كونغ التي تتمتع بحكم ذاتي إلى الصين بطرق سلمية.


 
ويذهبون إلى أن "السلطة الوطنية الفلسطينية" التي قامت على جزء من الأراضي الفلسطينية المحتلة جاءت عبر "كفاح ومقاومة دبلوماسية سلمية" على المسرح الدولي تكللت باتفاق أوسلو، ولم تجئ نتيجة لعمل مقاوم مسلح رغم أن هذا المثال تحديدا هو ما يستشهد به أيضا أنصار المقاومة المسلحة معتبرين أن قيام السلطة الفلسطينية ما كان ليتم لولا التضحيات التي قدمها الشعب في انتفاضته الأولى.
 
 
"
الجدل المثار بشأن الأكثر نفعا للقضايا الوطنية: المقاومة المسلحة أم السلمية ليس مثارا في العالم العربي وحده بل إنه موجود في كل مكان به قضية تستحق المقاومة في العالم المعاصر وهو كذلك حالة مشهورة تحفل بها كتب التاريخ

"
هذا الخلاف ألقى بظلاله في الميادين التي تشهد مقاومة بأشكالها المختلفة، وكانت له تداعيات خطيرة من مظاهرها سقوط أعداد من الضحايا الأبرياء والسير باتجاه الحرب الأهلية والفتنة الطائفية مما أدى إلى تشويه صورة المقاومة كما يظهر في الساحات العراقية والفلسطينية واللبنانية.
 
الحالة العراقية نموذجا:
ففي العراق انقسم المجتمع إزاء القوات المتعددة الجنسيات وعلى رأسها القوات التابعة للولايات المتحدة وبريطانيا، فمن العراقيين من اعتبرها "صديقة" جاءت لتخلصهم من "نير وظلم وجبروت نظام حكم صدام حسين الطاغية" وبالتالي فإن الأسلوب الأمثل للتعامل مع هذه القوات هو العملية السياسية التي من شأنها طمأنة الولايات المتحدة وبريطانيا على حاضر ومستقبل مصالحهما في العراق خاصة وفي المنطقة العربية عامة وبالتالي إقناعهما بالانسحاب في وقت لاحق.
 
وكان هذا ولا يزال هو نهج أغلب الأحزاب والجماعات والتيارات الشيعية والكردية مثل حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية اللذين يحظيان بتأييد ومباركة المرجع الشيعي الأعلى آية الله علي السيستاني، وهو كذلك نهج الحزبين الكرديين الكبيرين الديمقراطي الكردستاني والوطني الكردستاني، ثم لحق بهم بعد ذلك قليل من التيارات والأحزاب السنية مع تحفظها بدرجات مختلفة بشأن الموقف من القوات الأميركية، وعلى رأس هذه الأحزاب جبهة التوافق العراقية والكيانات المنضوية تحت لوائها مثل مؤتمر أهل العراق والحزب الإسلامي العراقي ومجلس الحوار الوطني.. إلخ.
 
وفي مقابل هؤلاء هناك من نظر للأمور بمنظار مختلف، ووصف القوات الأميركية بأنها قوات "غزو واحتلال جاءت للسيطرة على ثروات العراق، وأن قوات الجيش والشرطة العراقية وسائر السياسيين أفرادا وأحزابا وجماعات من المتعاونين مع هذه القوات هم عملاء وخونة"، وعليه فإن الأسلوب الأمثل للتعامل مع هذه القوات الغازية هو "إجبارها" عبر سلسلة من العمليات الموجعة تقوم بها "المقاومة المسلحة" على الانسحاب من الأراضي العراقية.
 
ومن أنصار هذه المقاومة المسلحة مع الأخذ في الاعتبار الدرجات المختلفة للعمل المقاوم المسلح وفق النظرة السابقة، أنصار حزب البعث وأفراد من الجيش العراقي المنحل وتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين وتيارات دينية * وعشائرية أخرى.
 
وكان من خطورة هذا الانقسام ونتيجة لعدم الاتفاق على "توصيف الواقع العراقي" وتشتت النظر إلى القوات الأميركية، ولعدم نجاح الطرفين في الاهتداء إلى آليات لتقريب وجهات النظر وتنسيق المواقف وتبادل الأدوار بين من "يضغطون بالعمل المقاوم المسلح" وبين من "يتفاوضون سلميا للحصول على مكاسب سياسية" أن اعتبر كل طرف الآخر "عدوا" ووجه إليه سلاحه، وتبادلا الاتهامات، فهذا "تكفيري إرهابي" وذاك "عميل وخائن" وبدأت الأمور تخرج عن نطاق "المقاومة السلمية أو العسكرية" إلى الحرب الأهلية وما تبعها من فتنة طائفية تتزايد في الساحة العراقية يوما بعد يوم.
 
والحال نفسه تكرر بصورة أو بأخرى وبدرجات ونسب مختلفة في الساحتين الفلسطينية واللبنانية
 
 
وإذا كان الحال كذلك فإنه من الصعوبة بمكان وضع ضوابط محددة بدقة للعمل المسلح المقاوم إذا كان لا يوجد في الأساس "إجماع وطني" بين كافة الفصائل السياسية على "تشخيص المصلحة الوطنية العليا التي يهددها العدو" واتفاق على "كيفية التصدي لهذا التهديد" بل لا يوجد أحيانا تعريف متفق عليه لـ"العدو" وما إذا كان حقا عدوا أم "صديقا" كما تبين في الساحة العراقية، فإنه من الطبيعي أن لا يكون هناك اتفاق على أسلوب المقاومة، ويصبح سؤال: أي النهجين أكثر نجاعة في تحقيق الأهداف الوطنية: المقاومة السلمية أم المسلحة، غير ذي معنى.
 
أما إذا تحقق هذا الإجماع -وهو افتراض نظري صعب التحقق في ظل واقعنا العربي والإسلامي الراهن والذي يتميز بكثير من التشابك والتعقيد- فإن معيار ضوابط العمل المسلح حتى لا يخرج عن كونه مقاومة مشروعة إلى أعمال "عنف وإرهاب" تتوقف على "دقة إصابة الفعل المقاوم للهدف المعادي المتفق عليه بين قوى العمل الوطني"، فكلما كانت الإصابة دقيقة كان العمل المسلح "منضبطا" والعكس صحيح أي أنه كلما ابتعد الهدف عن مرماه المحدد سلفا والمتفق عليه بين الفرقاء السياسيين كان العمل المقاوم المسلح بعيدا عن روح وسمو المقاومة.
 
وهي كلها أمور "تقديرية" لن يتوقف الجدل بشأنها عربيا كما لم يتوقف عالميا، وهو ما يقره استقراء مفردات هذا الجدل في معظم أماكن تفجر الأزمات في العالم المعاصر وتؤكده صفحات التاريخ.
_______________