د. يونس برادة

ملخص
تنشد هذه الدراسة مقاربة منطلقات الممارسة لدى النخبة السياسية المغربية مجسدة في الأحزاب السياسية، استنادا إلى طبيعة النظام السياسي وقواعده المعلنة والمضمرة المؤثرة على الفعل الحزبي في معناه ومبناه.

فالارتباط بين الديمقراطية كمنظومة متكاملة الحلقات وجوهر الأداء الحزبي يعتبر جدليا وحتميا بقطع النظر عن اختلاف الأرضيات وتباين الأطر المرجعية المحددة لطبيعة الفعل الحزبي، خاصة أن الحزب السياسي كمنطلق يعبر عن هاجس الرغبة في بلورة تصور للمجتمع ولطبيعة التحرك في إطاره ضمن قناعات معينة تمثل في جوهرها أساس الوجود الحزبي ذاته.

مقدمة للتأصيل


التساؤل عن الحزب السياسي في المغرب يظل بالأساس تساؤلا عن طبيعة النظام السياسي، إذ لا يمكن منهجيا تحليل مواطن الخلل في الفعل الحزبي أو في الممارسة الديمقراطية داخل البناء الحزبي دون استقراء الأساس الإستراتيجي المهيكل لهذا السلوك متمثلا في جوهر السلطة السياسية
بقطع النظر عن تباين أشكال الأنظمة السياسية في الوطن العربي يبدو أن نقطة الالتقاء الأساسية تتمثل -ولو أن ذلك يتجلى بنسب متفاوتة وحسب سياقات سياسية وأيدولوجية وتاريخية متضاربة- في سؤال الديمقراطية التي تعد ليس فقط نموذجا نظريا/براديغماتيا لضبط نطاق الفعل السياسي، وإنما أيضا إطارا جامعا لفلسفة الحكم ومنطلقات التدبير.

وإذا كانت التنمية في البلدان العربية لاتزال مطلبا وغاية، فإن ركنها الأساسي يتمثل في سندها السياسي والعقائدي المتمثل في أعمال الديمقراطية كأساس تنموي إستراتيجي، وهو واقع ما انفك يراوح مكانه في الوطن العربي الذي لم يحسم بعدُ أيا من مكوناته في الديمقراطية نهجا وتمثلا.

وغني عن البيان أن وجود الأحزاب السياسية يرتبط تاريخيا وواقعيا بالديمقراطية كفلسفة للحكم، وهو ما يطرح إشكالية الوجود الشكلي والوجود الفعلي الوازن في الدينامية السياسية.

من هذا المنطلق يعد الحديث عن الفعل الحزبي والديمقراطية أساسيا، خاصة على مستوى التأصيل النظري لفهم بعض ملامح الأزمة التي تسم السلوك الحزبي العربي ومن خلاله جوهر النظام السياسي، فالعلاقة بين الاثنين مطبوعة بالجدلية والتفاعل الحتمي.

وفي هذا السياق يعن موضوع الفعل الحزبي في المغرب كمثال شاخص عن مسألة الديمقراطية ليس فقط كإشكالية متصلة بتضارب التصورات وتباين التمثلات واختلاف أشكال التفعيل، وإنما أيضا كصيرورة ممتدة تاريخيا ومؤسساتيا.

غير أن التساؤل عن الحزب السياسي في المغرب يظل بالأساس تساؤلا عن طبيعة النظام السياسي، إذ لا يمكن منهجيا تحليل مواطن الخلل في الفعل الحزبي أو مظاهر التعثر في الممارسة الديمقراطية داخل البناء الحزبي دون استقراء الأساس الإستراتيجي المهيكل لهذا السلوك متمثلا في جوهر السلطة السياسية.

لقد كانت المرحلة الاستعمارية في المغرب (1912-1956) إطارا لبروز الأحزاب السياسية منذ عام 1934 تاريخ ظهور أول تنظيم حزبي تمثل في كتلة العمل الوطني التي كانت جسرا موطئا لترادف عدد من المكونات الحزبية في المنطقتين السلطانية الواقعة تحت النفوذ الفرنسي (1) والخليفية الخاضعة للاستعمار الإسباني (2)، في صيرورة اكتست طابع رد الفعل على الحماية (3) الفرنسية والإسبانية ارتكازا على إستراتيجية المواجهة وفق أساليب تمايزت حسب هوية الواقفين وراءها ومرجعياتهم ومنطلقاتهم السياسية مرحليا وإستراتيجيا.(4)

وإذا كانت وضعية الاستعمار قد طرحت نفسها كمحدد موضوعي في تفاعل المكونات الحزبية مع الواقع المفروض، فإن مرحلة الاستقلال فرضت رهانات جديدة على مستوى البناء السياسي للبلاد خاصة على الصعيد المؤسساتي، محاولة إعطاء أبعاد إستراتيجية للعهد الجديد عبر طرح إشكالية القطيعة على مستوى طبيعة النظام السياسي المغربي.

وكانت سنوات الاستقلال في هذا المنحى تجسيدا لتجاذبات مضمون المرتكزات السياسية المراهن عليها، إذ ظهر الاختلاف جليا على منطلقات تأسيس مغرب ما بعد الحماية سواء داخل مكونات أحزاب الحركة الوطنية وفي طليعتها حزب الاستقلال، أو بين هذه الأحزاب والمؤسسة الملكية التي راهنت على استثمار شرعيتها لما قبل الحماية وشرعيتها السياسية في عهد الحماية للتموقع كفاعل مركزي ومتحكم في السلطة السياسية ما بعد الحماية.

فالاختلاف على مضمون السلطة السياسية وصيغ الوصول إلى ممارسة تكتسي بعدا ديمقراطيا والتباين إزاء الاختيارات الإستراتيجية في مغرب الاستقلال، ظلت عقبات متواترة في تحقيق التوافق السياسي بشأن المنطلقات والأهداف ومن خلالها الوسائل والآليات، مما تولد عنه توتر مستمر بين مكونات الطبقة السياسية تبعا لمراحل تطورها وترتيبا على طبيعة تفاعلاتها.


قراءة الفعل الحزبي كمكون جزئي في النظام السياسي المغربي تبرز منهجيا كإطار لتحليل النظام السياسي القائم انطلاقا من الأحزاب ورصد وضعية هذه الأحزاب انطلاقا من النظام

وشكلت طبيعة السلطة السياسية في هذا الخضم محددا محوريا في تطور الحياة السياسية في المغرب، إذ لا يقابل تصورات المعارضة الحزبية -كما تشكلت تاريخيا وتفاعلت مؤسساتيا- لآليات تحقيق الديمقراطية أو على الأقل تسريع وتيرة "الدمقرطة" ألا تمثل الملكية لدورها المركزي في تحديد قواعد اللعبة السياسية وضبط المجال السياسي بشكل يجعل السلطة السياسية مغلقة في حقيقتها لاتصالها بآليات إضفاء الشرعية.

وترتكز هذه الآليات على البنيات التقليدية للحكم في محدداتها التاريخية التراثية والسياسية الدينية والتي ترتهن بها أشكال "التحديث السياسي"، في إطار مفهوم الملكية الدستورية الذي لا يمكن استحضاره إلا داخل النسق السياسي المغربي، ووفق الضوابط التي حددت معالمها المؤسسة الملكية في سياق تعاملها مع المسألة الديمقراطية منذ الحصول على الاستقلال، وتمثلها لمدى قلب معادلة التغيير والاستمرارية ومن خلالها العلاقة بين الماضي المؤسسي والحاضر السياسي.(5)

وتطرح في هذا الصدد مسألة الخصوصية السياسية كاستحضار لمرتكزات النظام وهويته العقائدية ومنطلقاته التأسيسية، ومن ثم كمحاولة لإبراز الهوية السياسية (6) في بعديها الأفقي المتصل بالسلطة السياسية والعمودي المقترن بالمجتمع المغربي.

وبالوقوف على بعض القراءات التي انبرت لاستنطاق المحيط السياسي المغربي يلاحظ أن إشكالية الخصوصية ظلت وازنة سواء من حيث طبيعة المقاربات أو على مستوى التعامل مع الوقائع، انطلاقا من هاجس فهم استمرار النظام السياسي المغربي بمنطق الاستحضار المؤسساتي للموروث السياسي مع توظيف أشكال التحديث في إطار مجال الملكية الدستورية كمعادلة تلازمية لا تخلو من أزمة بنيوية بين التغيير والاستمرار، إذ إن طرح الخصوصية لا يجد سنده فقط في مقومات مجتمعية محضة وإنما كذلك على مستوى خطاب الملكية عن نفسها أو تفاعلها مع باقي مكونات الحقل السياسي في المغرب.(7)

في هذا الاتجاه حاولت بعض الأطروحات التعامل مع الواقع السياسي المغربي باستكناه محدداته المرجعية في مستوياتها التاريخية والأنثروبولوجية كأطروحة الباحث الأميركي جون واتربوري في نهاية الستينيات "أمير المؤمنين.. الملكية المغربية ونخبتها" (8) التي تعتبر اختزالا للتعامل مع الواقع السياسي للمغرب في السنوات العشرين الأولى من الاستقلال، استنادا إلى الطرح الانقسامي الذي ينطلق من المحدد القبلي القائم على جدلية الانشطار والانصهار في خضم التنافس الدائم على أهداف ومصالح متضاربة، ليكون مؤدى المواجهة أو التكتل استمرار التوازن من جهة (9) والبحث عن زعيم رمز يجسد الاستمرارية من جهة ثانية.

وهذا الطرح تستحيل معه الأحزاب السياسية إلى امتداد للنسق القبلي بآلياته الانقسامية -القائمة على النسب والسلالة- وتجلياته السلوكية، إذ يصبح الملك في ضوء ذلك حكما للفرقاء الذين يعتمدون "إستراتيجية دفاعية" تختزل في التموقع إزاء الآخر والاتجاه إلى تكريس الأمر الواقع بعيدا عن المواجهة الاستئصالية، ليصبح "نظام العنف المستمر" إفرازا بنيويا للمقومات المجتمعية في مستوياتها الدنيا والعليا على حد سواء.(10)

ولا تختلف أطروحة الباحث الفرنسي ريمي لوفو "الفلاح المغربي حامي العرش"(11) التي اهتمت على الخصوص بمرحلة الستينيات من حيث نتيجة الجمود السياسي أو سكونية الحقل السياسي الوطني، عن هذا المنحى.

وفضلا عن أطروحة الجمود التي راهنت انطلاقا من مقاربة سوسيولوجية على البعد الشمولي لفهم واقع التوازنات السياسية، برزت دراسات حاولت في مجملها قراءة محددات العمل السياسي في المغرب ارتكازا على مقاربات متباينة كالمقاربة الدستورية في بعديها الشكلي والسوسيولوجي والقراءة السياسية التاريخية التي انبرت لفهم الحاضر من خلال الماضي، في سياق ترابط جدلي يختزل الاستمرارية البنيوية لنظام الحكم في المغرب والقراءة السوسيولوجية التي تموقعت في نقط التقاء الفعل السياسي بالمغرب في مستوياته المتداخلة دينيا وسياسيا، بدءا بالمرتكزات المرجعية وانتهاء بتجليات العلاقة بين الفاعلين.

ويمكن الدفع في هذا المنحى بأن مقاربة الحزب داخل النظام السياسي المغربي قد تسهم في ملامسة طبيعة النظام ووضعية الفاعلين انطلاقا من رؤية تجزيئية تتجاوز المستوى الجزئي المحدود، لتصبح تشريحية في غاياتها باعتماد التصور الشمولي القائم على الربط بين المكون ومحيطه العام من جهة ووضعيته داخل النظام من جهة ثانية. فقراءة الفعل الحزبي كمكون جزئي في النظام السياسي المغربي تبرز منهجيا كإطار لتحليل النظام السياسي القائم انطلاقا من الأحزاب ورصد وضعية الأحزاب انطلاقا من النظام، ضمن تصور تفاعلي أساسه الوقوف على السياق وفهم المحددات ورصد التجليات.

ولعل لطرح هذا الموضوع بهذه الصيغة ما يسوغه منهجيا، إذ إن تنامي الخطاب التشكيكي في الأحزاب السياسية بمختلف مشاربها خاصة في تسعينيات القرن العشرين ومطلع هذا القرن بموازاة بداية الحديث عن التحول السياسي وبروز الظاهرة الجمعوية التي أضحت رديفة في بعض الكتابات لخلل العمل الحزبي وتعثرات البناء التنظيمي للأحزاب السياسية(12) بل وانخراط الملكية ذاتها في مساءلة شكل ومضمون الفعل الحزبي(13)، لا يقابله موضوعيا إلا إغفال المحددات المركزية للفعل الحزبي في ظل النظام السياسي المغربي وطرح الخلل في العمل الحزبي دون إثارة مسبباته ولا الوقوف على سياقه تاريخيا ومؤسساتيا وأيدولوجيا.

وتأسيسا على هذه المعطيات المنهجية تعكف هذه الدراسة على مقاربة الفعل الحزبي في المغرب في فصلين يرصد أولهما محددات الفعل، في حين ينكب الثاني على ضبط أهم مظاهره انطلاقا من طبيعة النظام السياسي المغربي.
______________
أستاذ العلوم السياسية، جامعة المولى اسماعيل، مكناس، المملكة المغربية