شفيق شقير

انتشر الإسلام في نيجيريا فعليا في أواسط القرن العاشر الميلادي على أيدي الفقهاء الأندلسيين. وساهم الطريق التجاري مع السودان في تعزيز الدين الوافد، وكان لقبيلة الهوسا اليد الطولى في اعتناق أعداد ضخمة من النيجيريين للإسلام.

ومن العلامات الفارقة في تاريخ نيجيريا والتي تدل على تجذر الإسلام فيها، قيام حركة إصلاحية قادها عثمان دانفودي (عثمان بن فودي) عام 1804 انتهت بتوحيد الشمال النيجيري تحت حكم الإسلام المتمثل في "خلافة سوكوتو". كما قامت سلطنة أخرى سابقة على حركة دانفودي الذي لم يستطع أن يخضعها لسيطرته، وسيطر عليها لاحقا عام 1893 الرابح بن زبير، وهي "سلطنة بورنو".

وأخذت بريطانيا إبان حقبة استعمارها لنيجيريا (1900-1960) تحل القوانين البريطانية مكان القوانين الإسلامية، إلى أن أصبحت الأخيرة مجرد ذكرى. وبقيت الأمور على حالها بعد الاستقلال (1960)، بل وأصبح للمسيحيين نفوذ كبير.

ويقول المسلمون إنهم حاليا يشكلون أكثر من 70% من عدد السكان البالغ أكثر من 130 مليون نسمة، وإنهم يمثلون الأغلبية المطلقة في 19 ولاية في الشمال النيجيري من أصل 36 ولاية تتألف منها الاتحادية النيجيرية، فيما يعيشون بنسب متفاوتة في الولايات السبع عشرة الأخرى.

ويحكم هذا البلد ذي الأغلبية الإسلامية المطلقة رئيس مسيحي هو الجنرال أولوسيغون أوباسانجو الذي أعيد انتخابه مرة أخرى في انتخابات شككت المعارضة والاتحاد الأوروبي والكثير من المراقبين في نتيجتها، في بلد يعد من أبرز الدول المشهورة بالفساد الإداري في العالم.

غير أن بعض المحللين ينظرون إلى المشهد النيجيري من زاوية أخرى ويرون أن وجود رئيس مسيحي على رأس دولة مسلمة هو أحد مظاهر تحكم الأقلية بالأكثرية، وما مشكلة تطبيق الشريعة المثارة في البلاد إلا فرع من ذلك الأصل.

تطبيق الشريعة
بصدور القانون الفدرالي عام 1999 والذي يجيز للولايات النيجيرية إصدار قوانينها الخاصة، بدأت بعض الولايات الشمالية المسلمة تسير نحو أسلمة القوانين. وكانت ولاية زمفرة أول ولاية تعلن تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في كافة مرافقها، وذلك أواخر يناير/ كانون الثاني 2000.

وتعاقب بعدها على إعلان الالتزام بالشريعة 12 ولاية شمالية، الأمر الذي أثار حفيظة جمعيات مسيحية وتنصيرية ونشبت نزاعات دموية بين الطرفين في عدد من المدن والأرياف سقط فيها مئات القتلى. ولا يزال الموقف قابلا للتصعيد في أي لحظة.

واعترض الرئيس أوباسانجو على تطبيق الشريعة وحذر مرارا أنها أمر مخالف للدستور، وقال "إن الرجم وقطع اليد يخالفان دستور نيجيريا، ولا يمكن التعامل مع الأمر بطريقتين". وأوضح أن الدستور يتضمن المسائل المدنية التي تنص عليها الشريعة الإسلامية مثل الزواج والإرث، "لذا ينبغي لتطبيق قانون ما أن يكون مدونا في مواد.. والشريعة ليست كذلك".

ولا ينظر المسلمون بارتياح إلى تصريحات الرئيس النيجيري لأن لقبيلته "اليوربا" دورا كبيرا في المجازر المتتالية التي تعرض لها المسلمون، ويتهمه البعض بأنه هو شخصيا أعلن هذه الحرب المكثفة على الرغم من أن غالبية المسلمين انتخبوه رئيسا، ويرون أنه تغير منذ أن أصبح في سدة الحكم.

واتخذت بعض المرجعيات المسيحية مواقف منتقدة لما يحدث في نيجيريا، ومن أبرزها دعوة البابا يوحنا بولص الثاني النيجيريين إلى العيش كإخوة وأن يحترموا الحريات الدينية، وذلك أثناء زيارته إلى القاهرة في فبراير/ شباط 2002، مع العلم أنه زار نيجيريا عام 1982 وتحديدا ولاية كادونا إحدى الولايات التي تبنت تطبيق الشريعة الإسلامية.

كما زعم كبير أساقفة كانتربري في المملكة المتحدة جورج كاري في تصريحات له أثناء زيارته لنيجيريا عام 2001 أن تطبيق الشريعة الإسلامية في الولايات الشمالية يهدد بتقسيم البلاد بين الشمال والجنوب، وهو ما ينفيه المسلمون ويعتبرونه أحد حقوقهم، وأن التدخلات الخارجية هي التي تؤجج الخلافات.

أسباب تطبيق الشريعة
وفي مراجعة شاملة لما يجري في نيجيريا على الصعيد الديني يمكن القول إن الدعوة إلى تطبيق الشريعة قد لا تحتاج إلى سبب، وتصريحات زعماء المسلمين تتحدث عن عودة حكم الإسلام إلى نيجيريا باعتباره الأصل الاجتماعي والسياسي الذي كان قائما من وجهة النظر التاريخية والسياسية، وأن المستعمر البريطاني هو الذي خلق حدودا جديدة لنيجيريا وأعاد تكوين البلاد وفق معايير مختلفة.

ولكن هذا لا ينفي وجود أسباب أخرى جعلت من هذه الدعوة أمرا ملحا رغم كل المخاطر التي تواجهها مثل هذه الدعوة في بلد متعدد الأعراق والديانات وتتجه إليه مطامع الدول الغربية كلها بسبب أهميتها النفطية.

الآفات الاجتماعية
ليس الفساد الإداري هو المثلبة الوحيدة التي يراها النيجيريون في حياتهم وعلى وجه التحديد المسلمون منهم، فهناك الفقر وتفشي الأمية وتدني الأجور بشكل مرعب، وشيوع الدعارة حتى أصبحت تشكل ظاهرة مع ما تستتبعه من أمراض مثل الإيدز، كما تنتشر آفات أخرى كالاغتصاب والسرقة والسطو والقتل خاصة في المدن الكبرى.

والحال هذه وجد المسلمون النيجيريون في تطبيق الشريعة الإسلامية حلا مناسبا للتغلب على مثل هذه المصاعب والآفات الاجتماعية. وامتازت بعض الولايات التي طبقت الشريعة بغلبة الأمن وانحسار الفساد وأصبحت موضع جذب حتى لأصحاب الأديان الأخرى.

حملات التنصير
ومن جهة أخرى فإن الواقع التنصيري الذي يهيمن على نيجيريا جعل من شعار تطبيق الشريعة موقفا دفاعيا تتخذه الأكثرية من حكم الأقلية، وتقول بعض الجماعات الإسلامية إن وسائل الإعلام الغربية انشغلت بالحديث عن مساوئ الشريعة كما تراها، وشغلت أجهزتها السياسية لتعزيز النظام القائم من خلال تقاطر المسؤولين الغربيين لزيارة نيجيريا، وتغاضوا تماما عن حملات التنصير التي أصبحت تتحرك بصلافة في أرجاء البلاد.

وكان أحد زعماء المسلمين في العاصمة النيجيرية لاغوس قد حذر من تنامي النشاط التنصيري في البلاد، حيث قال الزعيم ظاهر عبد الله إن المنصرين لا يتخفون بأنشطتهم كما كان الحال في السابق، وقد بلغوا الآن من القوة والإمكانات المادية مبلغا ملحوظا، ويعلنون عن مؤسساتهم بشكل واضح. وأضاف "أنك تستطيع أن تسير في مدينة جوس مثلا فتقع عيناك على لافتة تحث على اتباع الدين النصراني في بلد يشكل المسلمون فيه 76%".

وفي برنامج نقطة ساخنة عن نيجيريا والذي بثته قناة الجزيرة يوم 30/5/2002 وصف الزميل أسعد طه مدينة جوس بأنها "المركز الرئيسي للنشاط التنصيري في وسط وغرب أفريقيا كلها"، وقال إن التقديرات أشارت إلى تضاعف عدد المسيحيين في المنطقة خمس مرات منذ الخمسينيات.

وأضاف طه "عندما تتجول في شوارع جوس وحيثما تذهب تقابلك وجوه البيض، قليلها من أصحاب الاستثمارات الأجنبية وأغلبها من نشطاء المؤسسات التنصيرية، وأينما تدير ظهرك وأينما يقع بصرك ستجد لافتة أو علامة تدلك على كنيسة أو هيئة تنصيرية ليبدو الأمر مبالغا فيه، فلا الكثافة السكانية للمدينة ولا النسبة العددية لمسيحييها تحتمل هذا الوجود الكنسي، ليبدو الأمر استفزازيا في نظر مسلميها، خصوصا أن النشاط التنصيري امتد ليشمل كل المجالات".

تطبيق الشريعة ومستقبل البلاد
تحذر بعض الجهات الدولية الفاعلة من نشوب حرب أهلية وشيكة بسبب الاختلاف حول تطبيق الشريعة الإسلامية. وهذه التحذيرات قد يكون مبالغا فيها بالنظر إلى المصلحة التي تمثلها نيجيريا للاقتصاد العالمي، حيث إنها من الدول الأفريقية الغنية بالنفط وهي موضع اهتمام الدول الكبرى الحريصة على حفظ أمن النظام مهما اختل أمن المواطنين.

كما أن تطبيق الشريعة لا يشكل المشكلة السياسية الأساسية التي تعاني منها نيجيريا، فهناك تشوهات كبيرة في الحياة السياسية تحول دون تمكن الأكثرية المسلمة من التعبير عن نفسها أو الاستفادة من تقسيم عادل للثروة. ويستخدم التنصير والصراع القبلي ورفض تطبيق الشريعة كأداة لاجتراح تغييرات عميقة في بنية المجتمع وقيمه الدينية والسياسية، لتبقى نيجيريا على ما هي عليه.
________________
الجزيرة نت