* بقلم الدكتور: عدنان الهياجنة

تكمن أهمية موضوع الصراع في أن السلم القومي بشقيه الداخلي والخارجي ضروري لتحقيق أهداف التنمية الشاملة، إذ يعد الأساس في بناء نهضة الأمم وتقدمها، وعلى حد تعبير الأنصاري فإنه "من المحال تصور (وطن) في تنازع مع ذاته يستطيع التعايش بسلام مع غيره" (أنظر هامش رقم 5)، في حين يشير ابن خلدون إلى "أن الأوطان الكثيرة العصائب قلّ أن تستحكم فيها دولة". من هنا تأتي أهمية الدراسة في واقع ومستقبل الصراعات الداخلية في العالم العربي الذي يشهد واقعا تنمويا لا يرضي طموحات الأمة ولا ينسجم مع ماضي هذه الأمة وتراثها العريق.

ويمكن تقسيم هذه الدراسة إلى عدة أجزاء تتضمن دراسة واقع الصراعات العربية الداخلية وأهم حالات الصراع، كما تتناول بالنظر أهم الأطر النظرية المتعلقة بمستقبل الصراع، وتعرض لأهم العوامل التي ستؤثر على مستقبل الصراع العربي الداخلي، خاصة ما يتعلق بالمستقبل من ظهور عوامل جديدة قد تسهم في زيادة حدة الصراع الداخلي في العالم العربي.

واقع الصراعات الداخلية في العالم العربي
مستقبل الصراعات العربية الداخلية: رؤى نظرية
هل تستمر أم تنتهي الصراعات؟ أم هل ستتسع؟

واقع الصراعات الداخلية في العالم العربي

لابد من التعرف على الصراعات التي حدثت في الوطن العربي الموضحة لاحقا لمعرفة أسباب حدوثها، إذ إن اختفاء بعض الصراعات العربية أو توقفها لا يعني بالضرورة نهايتها وحلها. ووصول هذه المجتمعات إلى حالة من الاندماج المجتمعي في إطار قد يطلق عليه البعض المجتمع المدني قد يؤجل انفجار هذه الصراعات، إذ إن أسباب الصراعات العربية تعود لأسباب تاريخية وحضارية يعاني منها المجتمع العربي.

وتكشف المراجعة العلمية للواقع الراهن وتاريخ الصراعات العربية الداخلية أهم العوامل التي أدت دوراً أساسياً في حدوث هذه الصراعات، فهل تمت معالجة هذه العوامل أم أنها انتهت باستخدام القوة العسكرية للدولة؟ وهو العامل الأبرز في إنهاء الصراعات العربية الداخلية. فإذا ما تم إثبات هذا الأمر فإن العوامل المسببة هي عوامل متنحية يمكن إذا ما توفر لها عامل محفز أن تعود من جديد.

وسيتناول هذا الجزء من التحليل الحالات العربية الواردة في أهم قواعد البيانات والتي اتفق عليها معظم الباحثين في مجال دراسة الصراعات العربية الداخلية (Esty and others, 1998)، وهي تشمل جميع مناطق العالم العربي منذ أن بدأت الدول العربية تحصل على استقلالها، إذ إن كثيرا من الصراعات العربية الداخلية التي حدثت قبل استقلال الدول العربية المعنية قد ينظر إليها من قبيل الحصول على الاستقلال الوطني، لذا يصعب تمييزه في ظل الظروف التي كانت سائدة آنذاك.

أولا: الحالة الجزائرية
بدأ الصراع الداخلي المستمر في الجزائر منذ شهر مايو/ أيار 1991 على خلفية المظاهرات والاحتجاجات التي تطورت نتيجة لإلغاء الانتخابات، وتدخل الجيش لمنع تأثير الإسلاميين حين فازت الجبهة الإسلامية للإنقاذ (Islamic Salvation Front) بالجولة الأولى للانتخابات، وانفجر الصراع بين الإسلاميين والحكومة نتيجة إلغاء نتائج الانتخابات.


المراجعة العلمية للواقع الراهن وتاريخ الصراعات العربية الداخلية تكشف أهم العوامل التي أدت دوراً أساسياً في حدوث هذه الصراعات

ومن نتائج هذا الصراع انبثاق صراع عرقي يتجسّم في مشكلة الأمازيغ الذين يبحثون عن دور فاعل لهم في عملية البناء الحضاري في الجزائر لتعاني البلاد من مشكلة الهوية ومشكلة التعددية السياسية. وبناء على ذلك فإن عدم احتواء هاتين المشكلتين سيؤدي حتما إلى زيادة حدة الصراع الداخلي الذي سيكون له آثاره السلبية على مختلف نواحي الحياة في الجزائر. وحاولت الحكومة الجزائرية احتواء هذا الصراع العرقي بجعل اللغة الأمازيغية لغة رسمية من أجل تخفيف وطأة الصراع الدائر في البلاد خاصة فيما يتعلق بدور الأمازيغ. لكن تبقى مشكلة الصراع السياسي قائمة بين الجبهة الإسلامية للإنقاذ والحكومة التي يسيطر عليها العسكريون من جهة، وكذلك مشكلة الصراع المسلح بين الجماعات الإسلامية المسلحة -حسب التسمية الرسمية- والحكومة.

ثانيا: حالة البحرين
هناك جذور مذهبية للصراع الداخلي، تقوم على الدور الذي يطالب به الشيعة على المستوى السياسي. وساهمت عملية تقييد أو الحد من الحريات في حدوث عدة اضطرابات ومواجهات مع الحكومة بدأت منذ عام 1975، عندما قام الأمير عيسى بحل المجلس القومي وحصر القوة وجميع السلطات السياسية بيده. وهذا الصراع يمكن أن يتطور إلى صراع حاد مرتبط بمستقبل التعددية السياسية والديمقراطية في البحرين. وقد أتخذ الأمير حمد في البحرين عدة خطوات عملية سيكون لها الأثر الإيجابي على مستقبل الصراع الداخلي بين الشعب والحكومة تمثلت بالإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين، وفتح مجال لانتخابات ديمقراطية في المستقبل. لكن الملاحظ أن مسألة مستقبل الديمقراطية يرتبط ارتباطا كبيرا بمدى رضا السلطة العليا عن ممثلي الشعب، إذ تشير التجارب الديمقراطية في معظم الدول العربية التي شهدت تجارب ديمقراطية بأن الحكومة تميل إلى التراجع عن الديمقراطية عندما يفوز المعارضون، خاصة إذا ما كانت القوى السياسية الفائزة في الانتخابات من الإسلاميين.

ثالثا


يرتبط الصراع الداخلي بين بعض الجماعات الإسلامية والحكومة المصرية على خلفية طبيعة الحكم والعلاقة مع إسرائيل. وقد قامت عدة عمليات مسلحة استهدفت شخصيات مصرية سياسية وسياحا أجانب، تمكنت الحكومة المصرية من السيطرة عليها بالقوّة ”
: الحالة المصرية
يرتبط الصراع الداخلي بين بعض الجماعات الإسلامية والحكومة على خلفية طبيعة الحكم والعلاقة مع إسرائيل. وقد قامت عدة عمليات مسلحة استهدفت شخصيات مصرية سياسية وسياحا أجانب، تمكنت الحكومة المصرية من السيطرة عليها بالقوّة. كما يلاحظ أن بعض الجماعات الإسلامية مثل الجهاد والجماعة الاسلامية مستهدفة من قبل الولايات المتحدة الأميركية في حربها الأخيرة "ضد الإرهاب". ويبدو أن مستقبل هذه المسألة مرتبط بمواقف أيديولوجية عقائدية غير قابلة للتغيير من جهة، وكذلك بمشكلة التعّددية السياسية من جهة أخرى. فإن لم تقم الحكومة المصرية باستيعابها، فإن الصراع يمكن أن ينفجر إذا ما حدثت هجمات مسلحة من قبل الحكومة والجيش على هذه القواعد الشعبية بدعم وبتحريض أميركي.

أما المسألة الأخرى التي تؤدي دورا هاما في الصراع الداخلي في مصر فهي المسألة القبطية. ويبدو أن وجود صراع بينها وبين الحكومة غير وارد في ظل وجود حكومة مصرية تتماشى سياساتها وسياسية الولايات المتحدة الأميركية والغرب بشكل عام. ومن المحتمل أن تظهر القضية القبطية كمحور أساسي في الصراع مع جهات إسلامية متشددة، إذا انحاز توجه السياسات الحكومية المصرية إلى الغرب ويبدو أن السيناريو الأخير غير وارد الاحتمال على الأقل في الوقت الراهن.

رابعاً: الحالة العراقية
إن المشكلة الكردية لها جذور تاريخية تعود إلى بدايات القرن التاسع عشر.
وقد بدأ نوع من الثورة والصراع المسلح بين الحزب الديمقراطي الكردي والحكومة العراقية منذ عام 1961 وانتهى عام 1975. عندما قام البرزاني رئيس الحزب الديمقراطي الكردي بالثورة على نظام عبد الكريم قاسم وما بعده في محاولة للتوصل لحكم ذاتي ما بين عامي 1961 و1970. وظهر الصراع مرة أخرى عام 1974، واستمر لغاية بداية عام 1975، نتيجة لرفض الأكراد خطة الحكومة للاستقلال الذاتي، وحسب كثير من المصادر فإن الحكومة سيطرت على الأكراد من خلال العمل العسكري الدامي والذي انتهى مؤقتا عام 1975.

ثم استغل الأكراد الأحوال السياسية في العراق للمطالبة بحكم ذاتي أثناء الحرب العراقية الإيرانية 1980-1988. وفي عام 1988 قام الجيش العراقي بحملة الانفال للقضاء على كل قدرات الجماعات الكردية وتمت السيطرة على القوات الكردية.
واستغل الأكراد خسارة العراق في حرب الخليج الثانية عام 1991، لإعلان دولة مستقلة بحماية أميركية وبريطانية وقوات التحالف مستغلين ثورة الشيعة في جنوبي العراق التي تم السيطرة عليها من القوات العراقية، لكن هذه العملية لم تفلح بالرغم من التدخلات الأجنبية ويلاحظ أن مشكلة الأكراد مرتبطة بوضع الأكراد في تركيا. وكذلك فإن استغلال الأوضاع الداخلية للعراق أفقد الأكراد المصداقية وذلك بسبب الارتباط بالأجنبي. ولا يحتمل إيجاد حل لهذه المشكلة، بل يتوقع أن يقوم الأكراد باستغلال أي ظروف مستقبلية لإحراج الحكومة العراقية.

خامساً: الحالة اللبنانية
تتمثل حالة الصراع الداخلي في الحالة اللبنانية بما يلي:

  • الإرث الاستعماري.
  • وجود الفلسطينيين في لبنان 1965-1994.
  • سقوط الحكومة المسيحية المسيطرة في حرب أهلية الدروز والشيعة والمارونية والسنة. واستمرت هذه الحرب لفترة طويلة 65-91.
  • ساهم في سوء الأحوال اللبنانية الغزو الإسرائيلي عام 1985.

وبدأت الأوضاع بالهدوء بعد اتفاق "الطائف"، وتحديث الدستور الذي يدعو للمشاركة السياسية والانتخابات التي عقدت عام 1992 بإشراف سوري. لكنه يلاحظ أن بقاء الدور السوري في لبنان قد يصعّد من الصراعات الداخلية، خاصة على خلفية اعتقال شخصيات مسيحية عام (2001).

سادساً: الحالة المغربية
بدأ الصراع الداخلي في المغرب على خلفية فشل التجربة الديمقراطية في المغرب ( 1963-1965)، حيث أحكم الملك الحسن الثاني السيطرة على جميع السلطات. وتبرز مشكلة الصحراء الغربية كأهم مشكلة مؤثرة في الصراع الداخلي: حيث طالب سكانها بالاستقلال في الأجزاء الغربية الجنوبية التي سيطرت عليها المغرب بعد انتهاء الاستعمار الأسباني. ويبدو أنه لا مجال لحل هذه القضية بعيدا عن حكم ذاتي لسكان منطقة الصحراء الغربية بالرغم من وعود الديمقراطية، خاصة ما يتعلق بالانتخابات المزمع عقدها عام 2002.

سابعاً: الحالة العمانية (عمان)
يظهر أن عمان من الدول النفطية القليلة جدا التي شهدت نوعا من الصراع الداخلي، خاصة بين قبائل ظفار والنظام الحاكم الذي انتهى بقمع القبائل عام 1976. ولا يتوقع حدوث أي من الصراعات الداخلية، في ظل شرعية الدولة التي تقوم على استخدام القوة العسكرية.

ثامنا: الحالة السودانية
تعد حالة الصراع الداخلي في السودان من الصراعات المعقدة التي شهدت عدة تطورات كبيرة خلال العقود الماضية، فمشكلة جنوبي السودان (السكان غير المسلمين) ووقوفهم ضد الحكومة قد مرت عبر عدد من المراحل منذ الخمسينيات، وانتهى الصراع عام 1972 بعد اتفاقية الحكم الذاتي، لكن ذلك لم يدم طويلا حين تراجعت الحكومة السودانية عن اتفاقية الحكم المحلي (autonomy agreement). وأدى ذلك إلى استنزاف موارد السودان بسبب ظاهرة الحرب المستمرة وعدم الاستقرار السياسي، نتيجة لتداخل عدة عوامل داخلية وخارجية في الصراع الداخلي الدائر في السودان.

تاسعاً: الحالة السورية
قامت الحكومة السورية التي يسيطر عليها العلويون عام 1981-1982 من خلال الجيش والقوات العسكرية بالقضاء على جماعة الأخوان المسلمين في حلب وحماة ومدن أخرى، وانتهى الصراع عند هذا الحد، لكن يمكن أن يظهر هذا الصراع في المستقبل إذا لم تحدث تعدّدية سياسية تستوعب هذه الحالة السياسية. وفي الوقت الراهن لا توجد بوادر لهذا الصراع.

عاشراً: الحالة الأردنية
ارتبط الأردن بالقضية الفلسطينة ارتباطا جوهريا، تجسّدت ذروته في الوحدة المعلنة بين الضفتين سنة 1951-1952، والنزوح القسري للفلسطينيين سنة 1948 بعد قيام الدولة العبرية، وكذلك سنة 1967 إثر الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية نتيجة لحرب حزيران. وظهر العمل الفدائي في الأردن سنة 1965-1966. وتبنّى النظام السياسي في الأردن العمل الفدائي في البداية، ولكن ظهور بعض التيارات في هذا العمل أصبح يشكل تهديدا لبنية النظام السياسي الأردني، مما أدّى إلى انفجار الصراع عام 1970، وانتهت بانتهاء العمل الفدائي تماما. واستطاع النظام السياسي في الأردن استيعاب الحالة الفلسطينية في داخله وذلك بدمجها في بنية النظام الأردني من النواحي السياسية والاجتماعية والقانونية والثقافية، لذا فليس من المرجّح ظهور صراع في المدى المنظور.

حادي عشر: الحالة اليمنية
هناك جذور للصراع الداخلي اليمني، تتجّسد في بنية النظام الاجتماعي القائمة على البعد القبلي، وانعكاس هذه البنية في الحالة السياسية والأمنية في اليمن، بالإضافة إلى مشكلة الوحدة التي تمّت على أساس قسري باستخدام القوّة العسكرية. لذا فمن المرجح استمرار الصراع القبلي، وبقاء جذور الصراع السياسي والاقتصادي والاجتماعي بين الشمال والجنوب.

مستقبل الصراعات العربية الداخلية: رؤى نظرية

يرى الأنصاري (انظر هامش رقم 5) أن الطريق الأمثل لفهم الصراعات الداخلية العربية يتمثل في العودة إلى الجذور التاريخية لهذه الصراعات العربية وفهمها فهماً جيداً. يقول:
"فمثل هذه العودة إلى جذور النزاعات الأهلية العربية وتاريخها لا تمثل في تقديرنا اهتماماً بحثياً أكاديمياً منفصلاً عن الواقع العربي المعاصر، لأن هذه النزاعات، كما أثبتت تجارب الصراعات العربية في العقود الأخيرة، مازالت (تعيد إنتاج) ذاتها بأشكال مختلفة، وأحياناً بأشكال مماثلة متكررة، سواء في الصراع القطري وما دون القطري وما دون الوطني الذي أصبح اليوم سمة المرحلة الراهنة بين القبائل والطوائف والمذاهب، سواء عند انحسار السلطة المركزية أو تحللها، (العراق, الصومال) أو حتى عندما تسنح لها فرصة التعددية الديمقراطية في ظل الدولة القائمة (اليمن, موريتانيا, الكويت, لبنان) الأنصاري (انظر هامش رقم 6).


إن تطور مفاهيم المجتمع المدني الذي يسهم في بناء مؤسسات تستوعب (البُنى) الأهلية والتي تسهم في دمج أفراد المجتمع سيكون له دورٌ كبيرٌ في التخفيف من الصراعات العربية الداخلية مستقبلاً
ويضيف الأنصاري بأن الديمقراطية قد حجبت لوجود التعددية الأهلية كما هو بالنسبة لسلطوية الأنظمة السياسية العربية، حيث يضيف الأنصاري "أن تلك العصائب تعطي المبرر والحجة لهذه السلطات" من أجل قطع الطريق على النمو الديمقراطي العربي.

ولأن الصراعات العربية الداخلية ترتبط بعدة عوامل داخلية، فإن مستقبلها قد يتحدد بعوامل تشمل ما يلي:
1- إن تطور مفاهيم المجتمع المدني الذي يسهم في بناء مؤسسات تستوعب (البُنى) الأهلية والتي تسهم في دمج أفراد المجتمع سيكون له دورٌ كبيرٌ في التخفيف من الصراعات العربية الداخلية مستقبلاً (انظر الأنصاري هامش رقم 5). وهذا يتفق مع الأفكار التي يعرضها بلقزيز "إننا لا نعلق كبير الأمل على الدولة الراهنة في البلدان العربية في ما يمكن أن تنهض به من دور على صعيد الصراعات الأهلية، بل يمتنع، تماماً، تصّور أي دور إيجابي لها في هذا الباب، إلا إذا امتلكت إدارة تصحح دورها، وتغيّر بنى السلطة فيها، مما ينجم عنه القول إن قدرة الدولة على النهوض بدور وطني توحيدي مرتبطة بقدرتها على تجديد نفسها من الداخل، وتأمين شرعيتها من المداخل السياسية والمدنية الفعلية لتحقيق الشرعية. (انظر بلقزيز هامش رقم 3).

2- يقع على عاتق الأنظمة السياسية دور كبير في مجال الحد من الصراعات العربية، ويتمثل هذا في أن تقوم الدولة بدورها الطبيعي وتخدم جميع فئات المجتمع من خلال تحقيق العدالة الاجتماعية، وخلاف ذلك سيحول الدولة إلى فئة أو عصبة وتدخل كطرف في الصراع، وهذا ما تميزت به الصراعات العربية، بأن الدولة تكون طرفاً أساسياً أو داعياً للأطراف الأخرى في الصراعات الداخلية (انظر الأنصاري 1997: 39). وبناء على ذلك فإن الأنصاري يرى أن الحل الوطني هو أساس حل الصراعات الأهلية العربية.

ويرى عبد الإله بلقزيز "أن المجتمع العصبوي يعاني من عسر شديد في تحقيق الاندماج الاجتماعي بين مكوناته"، ويقترح بلقزيز (انظر هامش رقم 3) عدداً من الأمور في ما يتعلق بدور الدولة تجاه الصراعات الأهلية :

  • دور توحيدي للدولة.
  • تشكيل نظام المواطنية.
  • التنمية الديمقراطية.
  • استقلال الدول عن العصبيات.
  • وقف الاستثمار السياسي للعصبيات.
  • نمو المجتمع المدني والديمقراطية الثقافية.

وتناول عدنان السيد حسين دور البيئة الدولية والإقليمية في تفاعل الصراعات الأهلية العربية، ويشير إلى (انظر هامش رقم 4) أن مسألة الصراعات الداخلية العربية لها جذور تاريخية تصب في دور القوى الخارجية على إثارة الفتن الداخلية حيث يقول "نستنتج أن المسألة الشرقية انطوت على طرح امتيازات الطوائف في المنطقة العربية، في إطار السعي الأوروبي لاقتسام الولايات الخاضعة للعثمانيين، وهذا يعني زيادة التدخلات الأوروبية بدافع المصالح التجارية والإستراتيجية في الدرجة الأولى، وإن اقتضت هذه التدخلات تحريك الطائفية والمذهبية والإثنية. ومما ساعد على طرح المسألة الشرقية، وظهور تداعياتها المختلفة تراجع السلطة العثمانية وضعف إدارتها، خاصة بعد حروب محمد علي التي هدّدت العثمانيين والأوروبيين معاً. وفي كثير من الأحيان ارتبط التّنوع الطائفي بالتداخلات الدولية خصوصاً في جبل لبنان -حيث يصعب فصل الفتن الطائفية عن المشاريع الأوروبية والعثمانية- مع الإشارة إلى وجود استعداد ذاتي عند بعض الجماعات الطائفية للاستعانة بالأجنبي وطلب الحماية منه".

ولا بد من الإشارة إلى أن التركيز على العوامل الخارجية أمر فيه ناحية عاطفية بالنسبة للدول العربية ومشجب تعلق عليه الأخطاء. واستخدمت الأنظمة السياسية هذه الحجج لتأجيل عملية التنمية السياسية المتمثلة في الديمقراطية، والتي تعتبر الأساس في حل الصراعات الداخلية العربية. لذا فإن هذا السلاح ذو حدين يستخدم من قبل الدول العربية للإبقاء على الوضع الكائن وكبت أي محاولات داخلية للحوار حول كثير من القضايا بما في ذلك حقوق الأفراد ومنها الأقليات في المشاركة في الحكم وإدارة البلاد. والسلاح الآخر يتمثل في الدور الخارجي الذي ينظر إليه دائماً بالانطلاق من نظرية المؤامرة لإضفاء الشرعية السياسية على الأوضاع العربية، حتى وإن كانت تتضمن أخطاء كثيرة، لذا فمن العدل القول إن العوامل الخارجية تؤدّي دوراً في الصراعات العربية لكننا لا يمكن أن نقول إنه هو الدور الأساسي، لذا فمن الصعب موافقة الباحث حسين في آرائه من جهة، ولا موافقة الأنصاري وبلقزيز بالتركيز على العوامل الداخلية المتشعبة والتي تتضمن كل شيء على القائمة الموجودة في أجندة الحلول القومية. ومن المفيد جدا النظر إلى مستقبل الصراعات العربية في أن معظم التصورات والأطر الفكرية التي وضعت لفهمها قد فشلت، حين حاولت التركيز على كل العوامل فلم تخصص وتعمم، وبذلك رسمت صورة غير واقعية وغضت الطرف عن كثير من الأمور، فظهرت في كونها لا تعدو كونها مؤامرة خارجية. وبناء عليه فإن الأفكار التي ستطرح لاحقا في هذه الدراسة، ستحاول وضع أسس فكرية علمية للتعامل مع هذه القضية، لوضع آلية علمية يمكن أن تمثل خارطة فكرية في فهم مستقبل الصراعات العربية الداخلية.

هل تستمر أم تنتهي الصراعات العربية الداخلية؟ أم هل ستتسع؟

إن محاولة الإجابة عن هذا التساؤل، مرتبط بمدى قدرة الأنظمة العربية على حل المشكلات الحضارية بشكل جذري، والتنازل عن بعض القوة للأطراف الأخرى في الصراع، ويبدو أن ذلك غير محتمل في ظل الأوضاع الحالية والتجارب الواقعية، خاصة فيما يتعلق بمستقبل الديمقراطية في الوطن العربي وسلطوية الأنظمة السياسية التي تقوم شرعيتها على أساس القوة العسكرية. كما أنّ الإجابة عن التساؤل الذي يتمثل بوجود دول أخرى مرشحة لاستقبال صراعات داخلية جديدة، فيبدو أن التجربة التاريخية للصراعات الداخلية في الوطن العربي، تشير إلى شبه غياب لهذه الصراعات في دول الخليج العربي، مع استمرار كثير من الصراعات العربية الداخلية في بلدان المغرب العربي وبلاد الشام.


عدم الحل الجذري للمشكلات الداخلية في بلدان المغرب العربي وبلاد الشام، يمكن أن يؤدّي إلى انفجار صراعات متعدّدة. أما ما يتعلق بدول الخليج العربي فإن ذلك يرتبط بفعالية الأنظمة السياسية، ويمكن القول إن هذه البلدان فيها نزاعات وصراعات داخلية تبقى غير ظاهرة نظراً لفعالية الأنظمة السياسية، وضعف أطراف الصراع، خاصة في المملكة العربية السعودية والبلدان النفطية الأخرى
وعدم الحل الجذري للمشكلات الداخلية في البلدان آنفة الذكر، يمكن أن يؤدّي إلى انفجار صراعات متعدّدة. أما ما يتعلق بدول الخليج العربي فإن ذلك يرتبط بفعالية الأنظمة السياسية، ويمكن القول إن هذه البلدان فيها نزاعات وصراعات داخلية تبقى غير ظاهرة نظراً لفعالية الأنظمة السياسية، وضعف أطراف الصراع، خاصة في المملكة العربية السعودية والبلدان النفطية الأخرى، ولكن هذا السيناريو والواقع الحالي بالإمكان أن يتغير في حالة تراجع فعالية الأنظمة السياسية الخليجية، مما سيزيد من نسبة المشاركة السياسية. وإذا ما تزايدت نسبة المشاركة السياسة في غياب المؤسسات السياسية القادرة على استيعاب هذه التغيرات المستقبلية، وعدم رغبة الأنظمة السياسية في اشتراك القوى السياسية المختلفة في الحكم، فهناك احتمال متوسط بأن يؤدي ذلك إلى وجود صراعات داخلية. وهذا يقودنا إلى تناول قضية أسعار النفط، وعلاقة ذلك باقتصاديات الدول النفطية، ودور الدول الغربية فيه.

ويمكن القول إن أسعار النفط لها علاقة باقتصاديات الدول النفطية خاصة ارتباط هذه الأسعار بمسألة الفعالية السياسية للأنظمة العربية النفطية، إذ إن انخفاض أسعار النفط لمدة طويلة سيكون له الأثر الكبير على تراجع فعالية الأنظمة السياسية العربية، والتي ستبرز مشكلات اقتصادية ستسعى إلى حلها عن طريق المشاركة السياسية والتي ستكون سببا في صراع داخلي مستقبلي، لذا يمكن رؤية الدول الغربية ومحاولتها في ضبط أسعار النفط ما هو إلا أساس لمساعدة الدول الخليجية في المحافظة على الاستقرار الداخلي، من أجل ضمان تدفق النفط بالأسعار الملائمة وبالكلفة السياسية المعقولة للدول المنتجة للنفط.

أما مسألة كيفية انتهاء الصراعات العربية عبر مصالحات وطنية أم انتصار بعض أطراف الصراع، فهناك بعض التجارب العربية فيما يتعلق بحل الصراعات العربية الداخلية، انتهت بمصالحة وطنية كما حصل في لبنان في بداية التسعينات من القرن الماضي، لكن البعض ينظر إلى هذه التجربة بشيء من الريبة حول مستقبل العلاقات بين أطراف الصراع خاصة بعد حملة الاعتقالات التي شملت المسيحيين في لبنان. أما عن قضية انتصار بعض الأطراف، فإن ذلك غير محتمل في ظل سيطرة وقوة الأنظمة السياسية العربية الحالية.

استنتاجات عامة للمستقبل

  • يمكن القول إن البلدان النفطية ستشهد بعض الصراعات المحدودة جدا.
  • إن استخدام الديمقراطية في الدول العربية كآلية لمعالجة مسألة تراجع شرعية الأنظمة السياسية في حالة حدوث صراع داخلي، ومن ثم التخلي أو التراجع التدريجي عن الديمقراطية في حالة فوز المعارضة الذي يضفي شرعية سياسية على الأنظمة السائدة سيبقي الدول في دوامة مستمرة لحدوث الصراع الداخلي؛ لذا فإن مستقبل الصراع الداخلي في العالم العربي يبشر بمزيد من الصراع، إذا ما بقي التعامل مع قضية الديمقراطية والمشاركة السياسية في العالم العربي يأتي من فوق، لأهداف سياسية آنية بعيدة كل البعد عن تجذير المجتمع المدني في تلك الدول.
  • إن مسألة استغلال القوى الخارجية لقضية الأقليات الدينية والعرقية في الدول العربية لا بد من مواجهتها. ويبدو أن هذه المسألة مرتبطة إلى حد كبير بطبيعة علاقات الدول العربية التي تشكل الأقليات الدينية -خاصة المسيحية - نسبة جيدة فيها مع الدول الغربية.
  • إن معظم الصراعات العربية الداخلية عادة ما تكون الحكومة طرفا أساسيا فيها، لذا فهناك غياب لصراعات بينية بين جماعات مختلفة داخل الدول العربية. وبناء عليه فإن الحكومات العربية تتحمل مسؤولية كبرى في حل هذه الصراعات.
  • تشمل بعض الصراعات العربية الحادة مطالبة أطراف الصراع الداخلي بحكم ذاتي محلي بعيدا عن سيطرة الحكومة المركزية خاصة في العراق والمغرب، ويمثل مثل هذا المطلب تفكيكا للوحدة السائدة في هذه الدول مما يشكل خيارا باهظا للأنظمة العربية. ولا يمكن تنفيذه في ظل الأوضاع الراهنة. ولهذا العامل أسباب داخلية تعود إلى طبيعة معاملة الأنظمة العربية لهذه الفئات، والدعم الخارجي لها. ويمكن القول إن العامل الداخلي هو الأهم في هذه الحالات، فتجربة السودان في هذا الأمر واضحة، إذ قامت الحكومة السودانية بإعطاء حكم ذاتي لجنوب السودان وتراجعت عنه لاحقا وأدى إلى ظهور الصراع الداخلي ثانية وبشكل مستمر.


تشمل بعض الصراعات العربية الحادة مطالبة أطراف الصراع الداخلي بحكم ذاتي محلي بعيدا عن سيطرة الحكومة المركزية خاصة في العراق والمغرب، ويمثل مثل هذا المطلب تفكيكا للوحدة السائدة في هذه الدول مما يشكل خيارا باهظاً للأنظمة العربية.
خلاصة عامة
تناولت هذه الدراسة واحدة من المشكلات الحقيقية المعقدة التي تواجه الدول العربية، وهي الصراعات الداخلية العربية في محاولة لفهم واقع هذه الصراعات، ورسم خارطة مستقبلية تتعلق بمستقبلها وآلية التعامل معها. وقد كشفت الدراسة منذ البداية أن هذه الصراعات الداخلية لها كلفة واقعية وكبيرة على واقع التنمية في هذه الدول بشكل خاص، وعلى مستقبل الدول العربية كوحدة كبرى تواجه العالم على الأقل أو يضعها العالم في موقع المواجهة، خاصة بعد الحملة الأميركية على الإرهاب العالمي الذي يضخ من هذه الدول بشكل عام على حد قولها. وقد حرصت الدراسة على مراجعة شاملة لمعظم حالات الصراع الداخلي في العالم العربي حيث بيّنت أن وجود عدد كبير من الصراعات الداخلية يشمل ما يزيد عن نصف الدول العربية عددا وعن ثلثي هذه الدول مساحة وسكاناً، تضمنت الدول الفقيرة اقتصاديا وذات المواقع الإستراتيجية، والدول التي تشكل خط المواجهة مع الكيان الصهيوني. وأظهرت أن هناك تباينا في أسباب الصراعات الداخلية من دول إلى أخرى، وحاولت ربط هذه الأسباب بما وضع من أفكار وآراء نظرية وعملية حولها. فوجدت تركيزاً على عدد كبير من العوامل الداخلية لا يمكن للباحث أن يفرق بينها، لأنها لم تستطع أن تدرس الأسباب بشكل علمي، وإنما وضعت علاجات جيدة وعامة في نفس الوقت لقضايا غاية في التعقيد دون تشخيص دقيق. كما وجدت الدراسة موقعاً هاماً لنظرية المؤامرة في الفكر العربي الحديث التي هي من أساسيات تخلفنا، وتشتمل في ما تشتمل على عدم قدرتنا على تحمل المسؤولية التاريخية لأخطائنا، ومحاولة تحميل أعبائنا ومشكلاتنا لعوامل وظروف خارجة عن قدرتنا، فبدت لنا الأمور وكأنه محكوم علينا بهذا الأمر حتى أصبحنا نطرب مفكرين وشعوباً وقيادات في حزننا الذي يلهينا ونطرب لأنغامه مؤمنين إن التواكل التاريخي سيعالج كل قضايانا.
_______________
* أستاذ بالجامعة الهاشمية

المراجع
1- Esty and others. 1998. State Failure Task Force Report Phase II Findings. Science Application International Corporation ( McLean, VA, U.S.A. ) Internet. Ed..
2- Gurr, Ted Robert. 1993. Minorities At Risk: A Global View of Ethnopolitical Conflicts. Washington, D.C. : United States Institute of Peace Press.
3- عبد الإله بلقزيز، دور الدولة في مواجهة النزاعات الأهلية في عدنان السيد حسين (محرر)، النزاعات الأهلية العربية: العوامل الداخلية والخارجية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1997.
4- عدنان السيد حسين، البيئة الإقليمية والدولية الضاغطة، في عدنان السيد حسين (محرر)، النزاعات الأهلية العربية: العوامل الداخلية والخارجية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1997.
5- محمد جابر الأنصاري، "إشكالية التكوين المجتمعي العربي: أقليات.. أم أكثرية متعددة"، في عدنان السيد حسين (محرر)، النزاعات الأهلية العربية: العوامل الداخلية والخارجية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1997.