نعتقد أنه يجب ألا يُثير هذا الشعار خوف المسيحيين وقلقهم تجاه العمل السياسي لحزب العمل صاحب التوجه الإسلامي من المنظور الحضاري العربي وليس المنظور الديني الطائفي

بقي أن نرصد بعض الملاحظات الأساسية حول قضية حزب العمل وعنها، وهي تنقسم إلى:


أ- ملاحظات خاصة عن حزب العمل:
- "الإسلام هو الحل" شعار سياسي يُعاد تفسيره وتأويله بأكثر من شكل، لأن الإسلام الصحيح المعتدل هو الذي يسمح بالشورى والتعددية التي تقر بوجود غير المسلم في المجتمع الإسلامي، أما إذا كان علي النقيض من ذلك، فإن الضرر والخطر سيقع علي عاتق الجميع، سيبدأ بالمسيحي وينتهي بالمسلم نفسه. كما أنه شعار لا يعني (الفرز) بقدر ما يشير إلى المظلة الإسلامية للحضارة العربية، والتي تتضمن المصرية والفرعونية والمسيحية.


إن التوجه الإسلامي المعتدل هو الذي يضمن المساواة في الحقوق والواجبات بين كافة المواطنين علي السواء. فالإسلام المعتدل هو الذي يضمن للأقباط بل للمصريين جميعاً أمنهم وسلامتهم. خاصة أن شعار "الإسلام هو الحل" قد ظهر كرد فعل للحداثة في مواجهة ما يسمى الغزو الفكري الأوروبي الأجنبي من جانب (24)، وبمعنى أن الإسلام هو الحل أي السبيل الوحيد للإصلاح من جانب آخر (25). وذلك مع تأكيدنا على أنه إذا كان الإسلام دينا ودولة فيجب أن نعي أن الإسلام (دولة) بمستوى يختلف عن مستوي العقيدة والشريعة وهو ما يتطلب فهم البعد السياسي فيه (26) ذلك أن شمولية الإسلام لا تعني، ويجب ألا تعني خلط المسلمين بين المتمايز والمتغاير من مستوياته لأنه دين شمل الأشياء ليميز بينها لا ليخلط بينها. وبالتالي لا يمكن أن نخلط بين ثوابت الدين ومتغيرات السياسة (27).


وهو ما يجعلنا نميل إلي الرأي الذي يؤكد على أن الإسلام دين وأمة، فالتأصيل النظري والموضوعي يؤكد أن كلا من أبي الأعلى المودودي وسيد قطب قد دعا إلى فكرة الدولة الإسلامية بحيث تكون أداة للحاكمية الإلهية، ويُعتبر كل ما عاداها جاهلية وهو أضيق المعاني.

إن قضية الإيمان والكفر قضية فردية تعود إلي صاحبها وليست من قضايا النظام
العام. فقد أراد الله تعددية الأديان ولو شاء لجعل الناس أمة واحدة، كما أنه ليس من الإسلام في شيء أن تتجادل الأديان أو أن يدعي بعضها الأفضلية أو الامتياز أو أنه يحتكر الهداية. ويتسق مع هذا كله أن القرآن
الكريم لم يضع حداً دنيوياً علي الردة (28). بالإضافة إلي أن دولة المدينة أيام الرسول صلى الله عليه وسلم هي تجربة فريدة لا تتكرر ولكن تستلهم، والذي حدث بعد ذلك باسم دولة الإسلام لا يختلف في شيء عن الرأسمالية والشيوعية (29). وبالتالي نجد أن الأمة هنا ليست مثل الدولة أي السلطة، بل هي الشعوب والجماهير التي تؤمن بالإسلام وهذه الأمة ليست من صنع التاريخ/ الجغرافيا وليست قرار ملك/ فرعون وإنما من صنع الإسلام (30).


إذن نعتقد إنه يجب ألا يُثير هذا الشعار خوف المسيحيين وقلقهم تجاه العمل السياسي لحزب العمل صاحب التوجه الإسلامي من المنظور الحضاري العربي وليس المنظور الديني الطائفي. فحزب العمل يدعو إلي فهم المجتمع بمرجعية إسلامية في إطار حضاري وسياسي عربي معاصر.


- "وحدة عربية تكتلية أمام التجمعات الغربية" دعوة وجدها أحد المرتكزات الإستراتيجية في الخطاب السياسي لحزب العمل من خلال موقفه تجاه كل من ليبيا والسودان والعراق بالإضافة إلى موقفه تجاه المطالبة بالمزيد من التقارب المصري الإيراني، ورفع درجة التمثيل الدبلوماسي بينهما. فهذا التقارب في ظل وجود الرئيس الإيراني محمد خاتمي إنما يمثل في حقيقة الأمر نوعاً من التكتل القوي أمام دول العالم الأول بصورة متوازنة.


- ونتساءل: لماذا تتعامل أنظمتنا العربية مع التظاهرات على اعتبار أنها من المحرمات السياسية؟ وفي الوقت نفسه متى ترقى شعوبنا في تظاهراتها بعيداً عن عمليات الشغب والتدمير للممتلكات العامة ؟!!


وهل في الصالح العام لتطوير الآلية الديمقراطية في بلادنا تجميد الأحزاب؟ خاصة إذا كان هناك حزب يجمع تحت طياته بشكل أو بآخر تيارات عديدة من التيارات السياسية الإسلامية ؟ من المؤكد أننا لا يمكن أن ننكر وجود التيار الإسلامي، وبالتالي لا يمكن تجاهله أيضا.


- لا أحد يستطيع أن ينكر الدور الذي قامت به صحيفة الشعب في الدفاع عن مصالح الوطن العليا خاصة في معاركها ضد الوزراء والفساد غير أن هذا لا ينفي السقطة الكبرى في قضية وليمة لأعشاب البحر.

ب- ملاحظات عامة عن المناخ السياسي في مصر
- بعيداً عن نظرية المؤامرة التي تستهدف مصر والأمة العربية فإننا في ظل "العولمة" و"النظام العالمي الجديد" نحتاج إلي الحفاظ علي خصوصيتنا والتمسك بها في ظل هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها المدللة الكيان الصهيوني العنصري على مقدرات غالبية دول الوطن العربي.


غير أن هذه الخصوصية لن تتحقق إلا بالمشاركة الفعالة للمصريين (بوجه عام) و الشباب (بوجه خاص) علي كافة المستويات السياسية والثقافية والاجتماعية، وبالتالي العمل السياسي/ الحزبي. وأيضاً للحد من التفسير الطائفي (الديني) للأحداث الإقليمية والأحداث العالمية حتى لا ننمي التطرف والتعصب في حياتنا السياسية.


إن العمل الحزبي يسمح بمساحة كبيرة من الديناميكية والتفاعل البناء لأعضائه وذلك بشرط وضوح منظومة الولاء والأهداف.


- إن الجمود الفكري الذي نعيش فيه في مصر الآن أدى إلى حصر السواد الأعظم من التيار الإسلامي في نفق الأزمة التي تؤدي إلى حالة من التشويش سواء حينما يطالبون بإنشاء حزب سياسي من أجل الوصول إلى السلطة/ الحكم أو حينما يؤكدون على أنهم سيكونون جنودا لأي حكومة تطبق الشريعة الإسلامية دون التأكيد أو الإشارة إلى مدى كفاءة هذه الحكومة أو فسادها أو دورها في التنمية (31).


- إن تجربة حزب العدالة والتنمية التركي ذي الخلفية الدينية الإسلامية، وتبنيه "العدالة" و "التنمية" كشعار هما في ظني من أهداف الإسلام العليا وبالتالي فهي تجربة تستحق التوقف أمامها لأنها لا تتاجر بشعارات الدين بل إنها تؤكد على قيمه وأهدافه. وما يترتب على ذلك من تقديم نموذج إنساني لخلق مجتمعات عربية تسودها الحرية والتكافل الاجتماعي ويطبق فيها القانون مادمنا عاجزين عن منافسة الغرب ماديا واقتصاديا (32).

للتعقيب والتعليق اضغط هنا