ترتبط معالجة خلفيات المسألة الأمازيغية في بلدان شمال أفريقيا بحزمة من العوامل:
 
1- دور الاستعمار

يمكن اعتبار الاستعمار الغربي لشمال أفريقيا من أهم الأسباب التي أدت إلى ظهور المسألة الأمازيغية. ففي ظل موازين القوة الجديدة التي تشكلت بعد سقوط دولة الخلافة العثمانية.. اتجهت أنظار القوى الدولية إلى مناطق نفوذ الدولة العثمانية التي قسمت تركتها المترامية الأطراف. وقد اعتمد الاستعمار على الدراسات والبحوث التي تتناول الطبيعة الديمغرافية لشمال أفريقيا وتمت لأغراضٍ تتعلق مباشرة ببسط النفوذ وضرب المقاومة وخدمة المصالح الاستعمارية بشكل عام.
 
ومن القضايا التي حظيت باهتمام كبير قضية سكان الشمال الأفريقي وطبيعتهم العرقية والدينية والمذهبية. ومن اللافت للنظر أن كثيراً من هذه الدراسات جاءت في سياق تاريخي ذي علاقة مباشرة بالظروف التي كان يواجهها الاستعمار إبّان تلك الفترة.
 
وقد أدرك الاستعمار بعد المواجهات العنيفة التي خاضها مع المقاومة الشعبية في كل ربوع الشمال الأفريقي، ضرورة التمهيد الثقافي والسياسي للغزو العسكري. ومن هنا جاءت العناية بدراسة المفردات والمكونات الثقافية للنسيج الاجتماعي لسكان شمال أفريقيا، وتوظيف هذه الدراسات والبحوث في التغلغل الثقافي والعسكري للاستعمار، والعمل على تحويل الاختلاف والتنوع القومي والمذهبي والديني إلى ثغرات اختراق تسهل عملية الاحتلال وتضمن ديمومته واستمراره.
 
ورغم الاهتمام الاستعماري المبكر بالمسألة الأمازيغية في ليبيا والذي تمثل في صدور عدة كتب كان من أهمها كتاب "سكان ليبيا" الذي جمع فيه مؤلفه الإيطالي هنريكو دي أغسطيني جملة من المعلومات البشرية والاجتماعية والتاريخية والجغرافية.. لم يبق له أثر بعد رحيل الاستعمار، وبقيت كل الاهتمامات داخل بطون الكتب ولم تتحول إلى نزعات عرقية وجبهوية كما كان يأمل الاستعمار الإيطالي.
 
 
2- الدولة التسلطية البيرقراطية
بعد زوال الاستعمار ورحيله من دول شمال أفريقيا نجد أن من أهم تركاته الدولة التسلطية البيروقراطية أو الدولة المتضخمة كما يسميها بعض الباحثين، فالاستعمار كانت سياساته تعمل على تقوية الجهاز الإداري في الدولة وسلطتها القمعية ليتحكم في المجتمع والاقتصاد، وتوظيف فائض القيمة لصالحه.
 
وهذه الدولة غير التقليدية تستخدم أدوات حكم مختلفة منها النخبة المتسلطة عسكرياً أو مدنياً أو الحزب الحاكم، والتركيبة البيروقراطية للدولة والبنى الموازية لنظام الحكم كالقبائل والطوائف وغيرها والأدوات التقليدية مثل الشرطة والأمن والمباحث وغيرها.
 
فهذه الدولة الفائقة القدرة على اختراق المجتمع المدني وتعطيل كل المبادرات الحيوية فيه وضم كل الوحدات المدنية والتقليدية والعضوية تحت هيمنتها، لم تسمح بوجود كيان تنظيمي اجتماعي أو سياسي مستقل عنها في اتخاذ قراراته وإدارة شؤونه. وقد مارست هذه الدولة تنسيقها أو فعلها داخل المجتمع المدني والعضوي في شمال أفريقيا دون أي ضوابط دستورية تذكر.
 
هذا التحول العميق في مستوى العلاقة بين الدولة والمجتمع في الكيان المغاربي والسياسات التسلطية التي همشت كل الوحدات الأهلية التقليدية منها والحديثة العضوية وغير العضوية، خلق توترات وتمزقات في النسيج الاجتماعي وردود أفعال متطرفة من قبل الوحدات العرقية المذهبية والدينية المهمشة، وإحدى هذه المفردات والكيانات الاجتماعية كانت "الأمازيغية".
 
فسياسات الحذف والتهميش جعلت الكثير من الأمازيغ يشعرون بأن الأمازيغية والحضور الأمازيغي الثقافي والاجتماعي والسياسي مستهدف، خصوصاً أن كثيراً من الدول ترفع شعارات العروبة والقومية مما زاد من حالة اللبس وجعل الخطاب الأمازيغي يأخذ اتجاهات متطرفة من جهة وجعل الدولة التسلطية البيرقراطية تنظر إلى الأمازيغ بريبة وحذر من جهة أخرى..! بل جعلها في أحيان كثيرة تستخدم المعالجات الأمنية والقمعية تجاه القضية الأمازيغية، وتضعها في خانة المحظورات المرتبطة بالأجندة الخارجية التي تهدد الأمن القومي والسلم الاجتماعي!
 
في ليبيا المعاصرة نجد أن المقررات الدراسية أكثر غلواً من المقررات الدراسية المقررة في العهد الملكي، وارتفاع معدلات العروبة والقومية العربية فيها واضح وجلي! وكل المقررات الدراسية وخصوصاً الأدبية والتاريخية منها وبدون استثناء تحمل توجهات الفكر القومي العربي دون ذكر أي مفردات أمازيغية لا من قريب ولا من بعيد!
هذه الدولة التسلطية البيرقراطية تختلف في شكلها وفي ممارساتها من قطر إلى آخر وتختلف باعتبار الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية المحيطة بها، إلا أنها تتشابه إلى حد كبير في سياساتها العامة.
 
وفي العموم، لم يكن موقف الدولة التسلطية من الأمازيغية بوجه عام، يعكس وجهة نظر ولا موقف القاعدة الشعبية العربية العريضة من هذه المسألة مطلقاً.
 
وفي ظل ذلك بقيت الحالة الليبية بعيدة نسبياً عن النزعات الأمازيغية في شمال أفريقيا لاعتبارات الاندماج الواضح بين الشرائح الاجتماعية لكل من العرب والبربر في الشمال أو الجنوب على السواء.
 
3- التيار القومي العربي
كان تأثير التيار القومي العربي على نشوء المسألة الأمازيغية من جانبين رئيسيين:
-المستوى الفكري والثقافي
تعتبر أدبيات التيار القومي العربي التي تسربت إلى مناهج التربية والتعليم من أهم أسباب نشوء المسألة الأمازيغية. فالغلو الفكري والقومي وتعميمه على مناهج التربية والتعليم، وإقصاء كل المساهمات التاريخية والثقافية غير العربية واعتبار الهوية الوطنية ذات بعد واحد هو البعد العربي، جعل الكثير من الأمازيغ يشعر بأن البعد الأمازيغي بعد مهمش قد تم إقصاؤه لصالح أحادية الفكر القومي العربي.
 
ولقد كان قطاع التعليم عموما أحد أهم القطاعات التي تأثرت بهذا الوجه القومي العربي، حيث لعبت المقررات الدراسية دوراً أساسياً في هذا الإطار الذي لم تبد فيه الأمازيغية ذات ملامح محددة.
 
وتقدم ليبيا الملكية مثالاً واضحاً لدور المقرر الدراسي في بث الفكر القومي العربي دون مراعاة للأبعاد الأخرى في الشخصية الوطنية، ففي تلك الفترة اعتمدت ليبيا على مصر بصورة أساسية في توفير الكتب والمناهج الدراسية، مما كان له أثر كبير على الأدبيات والمناهج الدراسية للمملكة وبالتالي خلق الإحساس بالقومية العربية على حساب الهوية الوطنية الليبية.
 
 
وقد كان دور الإعلام موازياً لهذه التوجهات، بل وأثر في طبقات اجتماعية مختلفة، مما أدى إلى إحساس بعض شرائح المجتمعات الأمازيغية بأنها مغيبة.
 
وفي ليبيا المعاصرة نجد أن المقررات الدراسية أكثر غلواً من المقررات الدراسية المقررة في العهد الملكي، وارتفاع معدلات العروبة والقومية العربية فيها واضح وجلي! وكل المقررات الدراسية وخصوصاً الأدبية والتاريخية منها وبدون استثناء تحمل توجهات الفكر القومي العربي دون ذكر أي مفردات أمازيغية لا من قريب ولا من بعيد!
 
- المستوى السلطوي والسياسي
تعتبر تجاوزات الأنظمة القومية التي ترفع شعارات القومية العربية وتمارس السلطة وتحتكر الحكم، سبباً مهماً من أسباب نشوء المسألة الأمازيغية كرد فعل على الممارسات الاستبدادية والقمعية لهذه الأنظمة، مما خلق ردود أفعال متطرفة من قبل بعض الأمازيغ تجاه كل ما يتعلق بالعروبة، وأحياناً أخرى تجاه كل ما له صلة بالإسلام. وانطبع في ذهن كثير من هؤلاء أن العروبة رديف الاستبداد وشريك مباشر في سياسات الحذف والتهميش والإقصاء التي تصنعها الأنظمة القومية.
 
أثار العولمة 
منذ ميلادها عنيت آليات المد العولمي بكيفيات تذويب الخصوصيات الثقافية والحضارية وإهمال الاعتبارات التاريخية التقليدية في سياق استشراف حياة جديدة في كنف الهيمنة الرأسمالية وليبراليتها الحرة الساحرة.
 
ولعل علاقة المسألة الأمازيغية بالنظام العالمي الجديد تتأسس على المنطق النفعي الغربي الذي لا يرى في الأمازيغ مجرَّد هراوة كهربائية لصعق الخصوصية الحضارية الإسلامية التي تمثل الأمازيغية أحد روافدها الهامة والحاضرة عبر التاريخ.
 
في ظل النظام العالمي الجديد نما وترعرع جيل من المستشرقين الجدد الذين أثروا المؤسسة السياسية الغربية -ولا سيما الأميركية- بقاعدة معلوماتية ضخمة متضمنة السبل والوسائل الفعالة في تخليق المسألة الإثنية والدينية في العالمين العربي والإسلامي.
ومن ثم فإن تخليق معطيات الأزمة الأمازيغية في مجملها ليس توجهاً محلياً بقدر ما هو توجيه وإدارة وزخم خارجي لا يستند إلى قناعات القاعدة الشعبية العريضة في المناطق الأمازيغية، بل إنه خيار نقطة لا تتقاطع مصالحها مع التفاعل في إطار المنظومة الإسلامية والعربية والأمازيغية، حيث وجدت نفسها تعمل هي وآليات العولمة باتجاه هدف واحد هو تأزيم الأطر النظرية لقضية الأمازيغ في ليبيا والجزائر والمغرب بصورة تبعث على دفعها عالمياً على خريطة الأزمات الإقليمية. يضاف إلى ذلك تفخيخها لتضحى بؤرة حقيقية للتوتر المضعف للموقف العربي والإسلامي في مواجهة العولمة.
 
إذًاً، فالعولمة من جهة لها بعد تفكيكي للبنى ذات التراكم الحضاري، حيث مثلاً نجد هالة من الواقع الأمازيغي التي تضمها الشبكة الدولية للمعلومات تقف وراءها شبكة من المؤسسات التي تضعف الخصوصية الحضارية الإسلامية وتقوي المسألة الأمازيغية من حيث تسليط الضوء على قضايا ومشكلات المجتمع الأمازيغي في كل أقطار الكيان المغاربي، والتي هي نفسها قضايا ومشكلات الشعوبية المغاربية عموماً، وسيتم وضعها في غير إطارها فتبدو على غير طبيعتها.
 
كذلك نجد أن النظام العالمي الجديد بما يوليه من أهمية ورعاية خاصة لمسألة الأقليات قد أسهم في استصدار قانون من الكونغرس الأميركي بشأن تقنين حماية الأقليات، مما يعد من أقوى مؤشرات التدخل التفكيكي للعولمة، حيث بات النظر إلى بعض التجمعات القبلية باعتبارها أقليات لها حقوق وهو ما يعد تفخيخاً لمفهوم المواطنة في الفكرين القومي والإسلامي، بل خرقاً لمنظومة الأمن القومي في أي بلد به تعددية إثنية أو عقدية.
 
وفي ظل النظام العالمي الجديد نما وترعرع جيل من المستشرقين الجدد الذين أثروا المؤسسة السياسية الغربية -ولا سيما الأميركية- بقاعدة معلوماتية ضخمة متضمنة السبل والوسائل الفعالة في تخليق المسألة الإثنية والدينية في العالمين العربي والإسلامي.
 
وتحت ستار برامج التنمية المتعددة الجنسيات التي يتسنى بموجبها الضغط واللعب على الإحساس الأمازيغي بالحرمان الاجتماعي والصحي والتعليمي والثقافي والسياسي، وهو الأمر الذي يتبلور ابتداءً في مجرد أحاسيس ثم ينتقل إلى بؤرة الشعور فتتكون حالة من البحث عن الذات في جو من الغضب والانفعال ومن ثم التعصب.
 
وتحت ستار تفعيل معطيات المجتمع المدني العالمي، يتم تصنيع وافتعال بؤر للتوترات القبلية والسياسية بحيث تضحى قابلة للانفجار في اللحظة المناسبة والمطلوبة.
 
وفي ظل وجود نخبة أمازيغية -لا تعبر عن القاعدة الشعبية- تحكمها جملة من الدوافع النفسية والمصالح الشخصية وتفتقر إلى الرؤيا والقراءة الواعية للنظام العالمي الجديد، ولِما يسفر عنه التعاطي غير المسؤول مع القضية الأمازيغية، وفي ظل وجود دولة تسلطية بيروقراطية لا تجيد إلا المعالجات الأمنية والسياسات القمعية التي تهدف فقط إلى المحافظة على أمن النظام ولا تكترث كثيراً بالأمن القومي والسلم الاجتماعي.. في وسط هذا الخضم كانت كل الاحتمالات مفتوحة ومخيفة ما لم يتم التعاطي الإيجابي من كل الأطراف لدرء الأخطار التي تهدد وتستهدف الكيان الحضاري.
 
ومع سقوط نظام العقيد معمر القذافي، عاد ملف الأمازيغية إلى الواجهة في ظل حالة الانقسام السياسي وفي خضم النزعات المناطقية والقبلية التي تشهدها البلاد.