بقلم/ السر سيد أحمد

جذور الاهتمام الأميركي بالسودان
البحث عن مواقع للنفوذ
اسخبارات ونفط
ترويض نظام أصولي
الوساطة في عهد بوش الابن

في أبريل/ نيسان 2001 وبعد ثلاثة أشهر فقط من تسلمه منصب وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية، اجتمع كولن باول بلجنة الموارد والمخصصات التابعة لمجلس النواب لمناقشة ميزانية وزارة الخارجية، ولكن رئيس اللجنة النائب "فرانك وولف" آثر التحدث عن جنوب السودان وقام بتشغيل شريط فيديو لعدة دقائق يتضمن مشاهد من رحلة قام بها إلى جنوب السودان قبل بضعة أشهر، وطالب الإدارة بالتحرك فيما يخص السودان وأن تكون البداية بتعيين مبعوث خاص.

رد باول بدبلوماسية وأن الإدارة تحركت لتطلب من الحكومة السودانية وقف القصف الجوي وتسهيل مرور الإغاثة إلى المحتاجين وقطع صلتها نهائيا بالحركات الإرهابية، مضيفا أن تعيين مبعوث خاص يتطلب بداية وجود سياسة ليعمل ذلك المبعوث على هديها، وهو ما لم يحدث بعد.

ولم يمض وقت طويل على ذلك اللقاء حتى كان البيت الأبيض قد حسم أمره وقرر تعيين مبعوث رئاسي ووقع الاختيار على شيستر كروكر الذي عمل مساعدا لوزير الخارجية للشؤون الأفريقية طوال فترتي رئاسة رونالد ريغان، لكن كروكر اعتذر عن المهمة لأن البيت الأبيض لم يوفر له حماية من جماعات الضغط الناشطة في الملف السوداني حتى يستطيع القيام بعمله بمهنية.


قضية السودان ذات جاذبية لدى القاعدة المسيحية التي وفرت لبوش 40% من الأصوات في الانتخابات الماضية، وكسبها يعتبر من الدروس التي تعلمها بوش الابن من خسارة أبيه أمام كلينتون

فذهب المنصب إلى القس والسيناتور السابق جون دانفورث بعد ثمانية أشهر فقط من تسلم جورج بوش الرئاسة. دانفورث كان واضحا أنه لن يطلق مبادرة جديدة وإنما سينسق جهوده مع دول الإيغاد، مستبعدا الوساطة الليبية المصرية المشتركة التي يعيبها أنها أغفلت حق تقرير المصير للجنوب، كما أن وجود ليبيا بها -وهي طرف تعاديه الولايات المتحدة- جعل من الصعب تعاون البلدين بشأن السودان.

بعد فترة قصيرة من دخول بوش البيت الأبيض استقبل مستشاره السياسي -والرجل المكلف إعادة انتخابه في دورة رئاسية ثانية- كارل روف وفدا من شخصين يمثلان تحالفا من اليمين المسيحي، حيث تحدثا عن ضرورة قيام الإدارة بالتدخل لوقف الحرب الأهلية في السودان.والرجلان هما "تشارلز كولسون" الذي أمضى سبعة شهور سجينا لدوره في فضيحة ووترغيت الشهيرة وخرج ليصبح مسيحيا أصوليا، و"ديفد سابيرستاين" وهو ناشط في مجال الحريات والقضايا الليبرالية.

برغم أن السياسة الخارجية ليست مجال عمل روف الأساسي، وقضية السودان ليست على لائحة الأولويات بالنسبة للإدارة الجديدة، فإن روف وعد ضيفيه أن الإدارة ستهتم بموضوع السودان، وهو ما كان، حيث وصل الأمر بباول أن سافر إلى كينيا في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي والتقى في ضاحية نيفاشا بطرفي النزاع في السودان وحثهما على التوصل إلى اتفاق بنهاية العام، واعدا إياهما أن بوش سيستقبلهما في البيت الأبيض ليضيف توقيعه إلى الاتفاق.

الاهتمام الذي أبداه روف بقضية السودان وانعكس على الإدارة فيما بعد يعود إلى الثقل الذي تتمتع به القاعدة المسيحية التي وفرت لبوش 40% من الأصوات التي حصل عليها في الانتخابات الماضية، وأنه لإعادة انتخابه في نهاية العام المقبل لابد له من ضمان أصوات هذه القاعدة مرة أخرى. وقضية السودان من القضايا ذات الجاذبية لهذه الشريحة من الناخبين، وكسبها يعتبر واحدا من الدروس التي تعلمها بوش الابن من خسارة بوش الأب أمام بيل كلينتون.

جذور الاهتمام الأميركي بالسودان


انطلقت نظرة الولايات المتحدة للسودان من واقع إستراتيجيتها الكونية في إطار الحرب الباردة وبحثها عن مواقع للنفوذ، وجاء عرض المعونة الأميركية منتصف الخمسينيات عقب استقلال السودان في هذا الإطار

الاهتمام العام بالسودان ليس جديدا، وتعود جذوره إلى عمليات الإغاثة الكبيرة التي قامت بها الولايات المتحدة لمكافحة ضحايا الجفاف في مطلع الثمانينيات، وما أعقبها مباشرة من عمليات لنقل يهود الفلاشا القادمين من إثيوبيا إلى إسرائيل عبر السودان في عهد الرئيس جعفر النميري.

وعبر سنوات طويلة امتدت أكثر من عقدين من الزمان أسهمت التغطيات الإعلامية ونشاط جمعيات حقوق الإنسان والعاملين في ميدان الإغاثة في إيجاد أرضية سياسية محلية، أصبحت منشغلة بالحرب الأهلية وتبعاتها الإنسانية، وتضم تحالفا متباينا ما بين مجموعات اليمين المسيحي والأميركان السود والناشطين الليبراليين.

وأصبحت أسماء أعضاء في مجلسي النواب والكونغرس أمثال "فرانك وولف" و"توم تانكريدو" و"هاري جونستون" و"سام براونسباك" و"توني هال" من المهتمين بالوضع في السودان خاصة الجنوب، وتوجت جهودهم بإجازة الكونغرس لقانون "سلام السودان" ووقعه الرئيس الحالي جورج بوش الإبن في نوفمبر/تشرين الثاني 2002.

واستجابة للاهتمام المحلي كانت الإدارات الأميركية المتعاقبة تستجيب لما يجري في السودان بصورة من الصور.

فإدارة الرئيس بوش الأب قصرت اهتمامها على ميدان عمل الإغاثة وعبرها أصبحت الولايات المتحدة من أكبر المساهمين في برنامج "شريان الحياة" الذي بدأ عام 1989، في حين كانت إدارة كلينتون أول من قام بتعيين مبعوث رئاسي هو السفيرة ميليسا ويلز عام 1994 والتي لم تستمر طويلا في منصبها لأسباب صحية. وكانت وزارة الخارجية تعارض تعيينها على أساس أن المواقف بين طرفي النزاع في السودان لا تزال متباعدة، ولن تكون هناك فرصة للنجاح ومن ثم فليس من داع لإقحام البيت الأبيض في الأمر.

وخلال فترة كلينتون كانت لمجلس الأمن القومي اليد الطولى فيما يتعلق بالسودان أكثر من الخارجية. فمجلس الأمن القومي عادة أكثر ولاء للرئيس لأن تعيينه يقوم على ارتباط شخصي بالرئيس ولا يحتاج إلى موافقة من الأجهزة التشريعية مثل الكونغرس، كما أنه يزاوج في تحركاته بين عوامل السياسة الداخلية والخارجية للنظر فيما يمكن أن يفيد الرئيس أو لا، عكس وزارة الخارجية التي تتحرك عبر تقاليد مهنية ولا بد لها من أخذ رأي مجلسي الشيوخ والنواب في الاعتبار إذ يشكلان جزءا من رسم السياسة الخارجية، وبتحركها على الساحة الدولية فهي أكثر ميلا لبناء السياسة الخارجية على أسس أكثر ثباتا وإبعادها عن متغيرات السياسية المحلية التي تتأثر بمصالح انتخابية ضيقة.

وتتضح هيمنة مجلس الأمن القومي في أنه فرض على وزارة الخارجية عام 1997 وفي ظرف 24 ساعة إعادة النظر في قرارها إعادة السفير إلى الخرطوم بعد نقل طاقم السفارة إلى نيروبي العام السابق تحت ذرائع أمنية، وذلك لأن مجلس الأمن رأى في تلك الخطوة أنها يمكن أن تؤثر سلبيا على صورة الإدارة داخليا إذ يمكن تفسيرها بأنها تعطي حافزا لنظام متهم بالإرهاب دون الحصول منه على ثمن مقابل.

ولهذا كان البيت الأبيض يتصرف من واقع حساباته الخاصة بالسياسة المحلية ورغبته في أن ينظر إليه على أساس أنه يقوم بتحرك ما فيما يخص السودان بغض النظر عن محتوى هذا التحرك.

البحث عن مواقع للنفوذ

انطلقت نظرة الولايات المتحدة إلى السودان بداية من واقع إستراتيجيتها الكونية في إطار الحرب الباردة وبحثها عن مواقع للنفوذ، لذا جاء عرض المعونة الأميركية في منتصف خمسينيات القرن الماضي عقب استقلال السودان في هذا الإطار، لكن الواقع المحلي والإقليمي كان يصيب هذه العلاقة بنكسات من حين لآخر.

جاءت الانتكاسة الأولى عقب حرب يونيو/ حزيران 1967 عندما قام السودان بقطع علاقاته الدبلوماسية مع واشنطن تجاوبا مع الموقف العربي، الأمر الذي أدى إلى تراجع في مستوى العلاقة الثنائية بين البلدين.

لكن بعد انقلاب 1971 الذي دعمه الشيوعيون وتوجيه النميري ضربة قاصمة إلى الحزب وتحوله إلى الغرب وإعادة العلاقات الدبلوماسية مع واشنطن، بدأت الأخيرة الاهتمام بالسودان مرة أخرى وفي إطار مناخات الحرب الباردة.

لهذا ورغم قيام السودان بتسليم الفلسطينيين المتهمين بقتل الدبلوماسيين الأميركيين في الخرطوم إلى منظمة التحرير وهو الإجراء الذي انتقدته واشنطن، فإن وزير الخارجية وقتها هنري كيسنجر أمر بإعادة السفير الأميركي إلى الخرطوم ليفتح الباب لتطور في علاقات البلدين خاصة مع تحول النميري تدريجيا إلى حليف قوي للولايات المتحدة في المنطقة.

وبرز هذا الموقف بجلاء إثر مساندته لمصر بعد توقيعها اتفاقيات كامب ديفد للسلام مع إسرائيل وتبنيه موقفا مناوئا لكل من ليبيا وإثيوبيا، وهما الأقرب إلى التحالف مع الاتحاد السوفياتي أو إمبراطورية الشر التي وضع ريغان نصب عينه العمل على تفكيكها بأي وسيلة. وكان السودان واحدا من هذه الوسائل خاصة أنه أتاح للسفارة الأميركية أن تحتفظ بأكبر وجود دبلوماسي في المنطقة على أراضيه (أكثر 300 موظف)، وهو حجم لا تبرره العلاقات الثنائية بين البلدين وإنما ليصبح نقطة انطلاق وتحرك إقليمي. والدليل على ذلك أنه تم تخفيض هذا العدد بعد سقوط النميري إلى حوالي 50 موظفا فقط.

ولهذا كان من الطبيعي أن يصل تعاون واشنطن مع الخرطوم قمته في عهد ريغان، إذ أصبح السودان أكبر بلد أفريقي جنوب الصحراء يتلقى عونا أميركيا. وتشير الأرقام إلى أنه في المتوسط كان السودان يتلقى منذ استقلاله وحتى العام 1981 عونا أميركيا سنويا في حدود 63 مليون دولار، وانه في العام التالي ارتفعت المعونة العسكرية وحدها من 30 مليونا إلى 100 مليون دولار، كما وصل العون للأغراض المدنية إلى 150 مليونا. وعند سقوط النميري في العام 1985 كان حجم العون الأميركي قد بلغ 350 مليون دولار.


انقلاب عمر البشير عام 1989 أسهم في تعميق حالة العداء مع واشنطن، بسبب التوجه الإسلامي للخرطوم ووقوفها في الصف المناوئ للتحالف الدولي الذي قادته أميركا ضد الغزو العراقي للكويت عام 1990

ساهمت عملية ترحيل الفلاشا في ضعضعة صورة السودان العربية، وأدت العلاقات القوية لنظام النميري بالولايات المتحدة إلى بروز تيار مناوئ تمثل في محور عدن الذي تشارك فيه إثيوبيا وليبيا واليمن الجنوبية بدعم من الاتحاد السوفياتي. ووجد هذا المحور في نشوء "الحركة الشعبية لتحرير السودان" أداة محلية للنيل من النظام. وحصلت الحركة على أول دعم عسكري رئيسي لها من ليبيا، في الوقت الذي وفرت لها إثيوبيا دعما لوجستيا بسبب التداخل السكاني والجغرافي.

وبعد سقوط النميري في انتفاضة شعبية شارك فيها الجيش وجد خلفاؤه أنه من الأفضل لهم العودة إلى نوع من الحيادية في علاقاتهم الخارجية، الأمر الذي لم يرض واشنطن وبلغ الاستياء قمته إبان الحكم الديمقراطي المنتخب بزعامة الصادق المهدي، حيث تراجع حجم العون العسكري الأميركي إلى خمسة ملايين دولار فقط، وأصبح التشدد في المطالب الأميركية يعكس عدم الرضى عن علاقات المهدي المتنامية مع ليبيا وإيران وعدم التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي وعدم بذل جهد كاف لإيقاف الحرب الأهلية في البلاد.

وفي العام 1988 واجه السودان صعوبات جمة في دفع فوائد الديون الأميركية عليه، وجاء هذا في الوقت الذي دخل فيه قانون بروك-ألكسندر حيز التنفيذ، وهو القانون الذي يطالب بقطع العون عن أي دولة تتخلف عن سداد الديون الأميركية. وفي يناير/ كانون الثاني 1989 تم عمليا وقف أي مظهر من مظاهر العون العسكري والمدني ليصل حجمها إلى الصفر، ما عدا الإنفاق على عمليات الإغاثة. وشمل التغيير كذلك العون الذي يقدم لشراء القمح الأميركي عبر برنامج يستهدف أساسا معاونة المزارعين الأميركيين. ومقابل 384 مليون دولار حجم معونة القمح كانت مخصصة للفترة بين عامي 1980 و1988، فإن المستلم فعلا هبط في سنوات حكم المهدي الثلاث إلى 60 مليونا ثم إلى 40 مليونا ثم إلى 30 مليونا فقط في العام 1989.

وأسهم انقلاب الفريق عمر البشير في يونيو/ حزيران 1989 في تعميق حالة العداء بين الطرفين بسبب توجهات النظام الإسلامية، ووقوفه في الصف المناوئ للتحالف الدولي الذي قادته الولايات المتحدة ضد الغزو العراقي للكويت عام 1990، ومعاداته للسياسات الأميركية وحلفائها في المنطقتين العربية والأفريقية، وكذلك للشكوك الأميركية حول وجود صلة للنظام بالمنظمات الإرهابية وضلوعه في عملية تفجير مركز التجارة العالمي.

رد الفعل الأميركي بدأ بوضع السودان على لائحة الدول التي ترعى الإرهاب في أغسطس/ آب 1993، وهو ما أتبع بعد ذلك بثلاث سنوات بتقديم مبلغ 20 مليون دولار إلى جيران السودان الثلاثة إثيوبيا وإريتريا وأوغندا لدعم تجهيزاتهم العسكرية في مواجهة السودان بسبب توتر علاقاتهم مع الخرطوم. وجاءت محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في أديس أبابا عام 1995 والتي اتهم السودان بدعمها دليلا يثبت الشكوك الأميركية حول توجهات النظام الإرهابية.

وساندت واشنطن قرار مجلس الأمن فرض عقوبات على السودان، وعندما تراجعت مصر عن فكرة تغليظ العقوبات على السودان -والتي تتضمن حظرا للسلاح- لخوفها من أن ينعكس ذلك على قدرات الجيش السوداني ويخل بتوازنات الحرب مع متمردي الجيش الشعبي، واصلت واشنطن سياستها في الضغط على النظام وقررت فرض عقوبات اقتصادية انفرادية عليه في نوفمبر/ تشرين الثاني 1997 يتم تجديدها كل عام، وكان آخرها في نهاية أكتوبر/ تشرين الأول الماضي عندما جددت لفترة عام إضافي، وهو ما اعتبر وسيلة ضغط على الحكومة كي تسرع بالتوقيع على اتفاق سلام مع الحركة الشعبية، حيث أصبح هو المفتاح الوحيد لرفع السودان من على قائمة الدول الراعية للإرهاب وإلغاء الحظر الاقتصادي الانفرادي.

أما بالنسبة للحركة الشعبية فقد كان لواشنطن دور واضح في دفع الحركة إلى التفكير في النفط كعامل إيجابي للاستفادة من عائداته بدلا من وقف إنتاجه كما كانت تقوم عليه إستراتيجيتها، وهي الرسالة التي نقلها مساعد باول للشؤون الأفريقية ولتر كنشتاينر في أول لقاء له مع جون قرنق بعد شهر من تسلمه منصبه عام 2001. كما عملت على دفع قرنق لقيادة جولة المباحثات التي انتهت باتفاق الترتيبات الأمنية في سبتمبر/ أيلول الماضي، بعدما كان في السابق يحتمي بالبروتوكولات ويرفض إجراء مفاوضات إلا مع المسؤول الأول.

ووصل عداء واشنطن للنظام في السودان قمته حين قصفت صواريخ كروز الأميركية مصنع الشفاء في الخرطوم بحري في أغسطس/ آب 1998 على أساس أنه مملوك لأسامة ابن لادن، وهو ما اتضح خطؤه لاحقا. لكن المغزى في التدهور الذي وصل بعلاقات البلدين إلى مرحلة العداء السافر لدرجة القصف بالصواريخ، وهو ما يعتبر تتويجا لحالة التراجع المستمرة في علاقات البلدين منذ الإطاحة بحكم النميري، إذ لم تعد واشنطن تنظر إلى السودان كحليف موثوق في إطار حربها ضد المعسكر الشرقي، وإنما يكتسب أهميته صداقة وعداوة من جواره الجغرافي لبلدين مهمين للولايات المتحدة هما مصر والمملكة العربية السعودية.

ورغم ذلك استمر الاهتمام السياسي المحلي والإعلامي الأميركي بما يجري في السودان خاصة مع تصاعد الحرب الأهلية وتفاقم المعاناة الإنسانية، مما دفع الإدارة الأميركية، خاصة إدارة بوش الإبن، إلى إعادة النظر في السياسة المتبعة حيال السودان.

فقد اتضح فشل سياسة احتواء النظام والضغط عليه خاصة بعد تفكك حلف الجوار إثر اندلاع الحرب الحدودية بين إثيوبيا وإريتريا عام 1998، وكذلك عدم نجاح واشنطن في الاستفادة من العون الإنساني الضخم الذي تقدمه وتجاوز حجمه المليار دولار في غضون عشر سنوات. وأكبر دليل على هذا الفشل أن انسحاب شركة شيفرون والضغوط على الشركات الغربية الأخرى بعدم المشاركة في مشروع استخراج النفط في السودان، لم يؤد إلى وقف المشروع وإنما فتح الباب أمام شركات أخرى صينية وماليزية أصبح لها القدح المعلى.

إضافة إلى هذا برز عاملان داخليان أولهما حدوث الانشقاق في صف نظام الإنقاذ وهو ما أدى إلى تهميش عراب النظام الدكتور حسن الترابي سياسيا بل ووضعه في الحبس الانفرادي في مطلع العام 2001. وثانيهما وهو الأهم نجاح النظام في البدء بتصدير النفط منذ أغسطس/ آب 1999، الأمر الذي يوفر للخرطوم قدرات اقتصادية يمكن أن تنعكس على ميدان القتال، وهو ما اتضح بالقدرة على تزويد الجيش بالمروحيات العسكرية، كما أن النفط الذي يتصاعد إنتاجه وصادراته بطريقة تتخطى الأهداف الموضوعة كل عام مثل نقلة نوعية لابد من وضعها في الاعتبار، وهذا ما انعكس على دول الاتحاد الأوروبي التي بدأت سياسة جديدة هي التعاطي الإيجابي مع النظام والعمل من خلالها على تغيير بعض السياسات والأوضاع.

استخبارات ونفط


إذا نجح بوش في رعاية اتفاق سلام بين حكومة "أصولية" ومناوئيها غير المسلمين ، قد يشكل رسالة بالغة التأثير، سواء لحملته الانتخابية أو للتوضيح للرأي العام الإسلامي أن إدارته تمد يد العون حتى لنظام أصولي.
وجاءت الانعطافة الرئيسية عند سماح السودان لكل من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ومكتب التحقيقات الاتحادي بإرسال مبعوثين بل وفتح مكتب للتحقيق في الوجود الإرهابي الأجنبي على أراضي البلاد، وأهمية هذه الخطوة تنبع من أنها أسست لتعاون استخباري بين البلدين قبل خمسة أشهر كاملة على أحداث 11 سبتمبر/ أيلول التي دفعت الولايات المتحدة للبحث عن أي عون استخباري فيما يتعلق بتنظيم القاعدة وزعيمه أسامة ابن لادن. والسودان الذي استضاف ابن لادن عدة سنوات يملك الكثير مما يمكن أن يقدمه في هذا المجال، وهو ما فتح الباب أمام أسلوب جديد في التعامل مع النظام في الخرطوم يهدف إلى وقف الحرب الأهلية وتغيير وجهة النظام وتمتين جبهة الحرب ضد الإرهاب ودعم سياسة الإدارة فيما يتعلق بميدان الطاقة النفطية، والتركيز على زيادة الإمدادات وتنويعها لتقليل الاعتماد على منطقة الشرق الأوسط.

الاهتمام الأميركي بنفط السودان لا يعود فقط إلى أن اكتشافه تم على يد شركة شيفرون الأميركية التي أنفقت ما يفوق مليار دولار على نشاطها هناك قبل خروجها في العام 1992، وأن كل النفط السوداني الذي تستمتع به الشركات الصينية والماليزية والهندية يأتي من حقول اكتشفتها شيفرون، وإنما يعود كذلك إلى إستراتيجية الإدارة تجاه الطاقة والتي تعطي فيها الأولوية لزيادة الإمدادات بدلا من خطة ترشيد الاستهلاك كما كان سائدا منذ الحظر النفطي.

وتحتل أفريقيا مكانة مرموقة في هذه الإستراتيجية التي تعتزم زيادة الإمدادات النفطية الأفريقية إلى السوق الأميركية من 15% حاليا إلى 25% بحلول العام 2015، وأنه لهذا السبب تضع الشركات الأميركية خططا متباينة بهدف إنفاق عشرة مليارات دولار سنويا في صناعة النفط الأفريقية، خاصة مع وضع سابقة في تشاد حيث يشرف البنك الدولي على عائدات النفط لضمان عدم تبديدها في حروب أهلية أو بسبب الفساد.

وهناك سببان آخران للفت الأنظار إلى ما يجري في تشاد، حيث كانت شيفرون تعمل هناك وانسحبت عام 1993 بسبب تجدد الحرب الأهلية وباعت حصتها لتوتال الفرنسية، لكنها عادت عام 2000 لتشارك في الكونسورتيوم الذي يستخرج النفط الحالي في تشاد وبحصة 25%، الأمر الذي يشير إلى احتمال عودتها كذلك إلى السودان. ثم إن لتشاد خط أنابيب بطول 1050 كلم ينقل نفطها إلى المحيط الأطلسي في مواجهة الساحل الأميركي، وهو ما يمكن أن يمثل منفذا ثانيا للنفط السوداني الذي ينتقل حاليا عبر خط طوله 1610 كلم إلى ميناء بشائر على ساحل البحر الأحمر.

ترويض نظام أصولي

إن نجاح واشنطن في رعاية اتفاق سلام بين حكومة متهمة بالأصولية الإسلامية ورعاية الإرهاب ومناوئيها من غير المسلمين الذي يلقون تعاطفا من الفئات المسيحية، يمكن أن يمثل رسالة بالغة التأثير على المستويين الداخلي والخارجي. وتوقيع اتفاق مثل هذا في حديقة البيت الأبيض التي شهدت توقيع اتفاقات كامب ديفد بين مصر وإسرائيل وأوسلو بين الفلسطينيين والإسرائيليين، سيعطي دفعة قوية لحملة بوش الانتخابية وإظهاره بمظهر القادر على تحقيق نجاحات في ميدان السياسة الخارجية مثلما نجح في تمرير الكثير من سياساته الداخلية، كما يوضح للرأي العام الإسلامي المتشكك في أن إدارته تمد يد العون حتى لنظام إسلامي أصولي.

ثم إن النجاح في وقف الحرب الأهلية بوجود ترتيبات تسمح للجنوبيين بالمشاركة في السلطة يعزز من فرص اتجاه النظام في الخرطوم إلى الاعتدال إذ لابد له أن يضع في حساباته وتصرفاته حلفاءه الجدد من الجنوبيين وكلهم من غير العرب وبعضهم غير مسلم، الأمر الذي ينهي احتمال عودة النظام إلى ممارساته "المتطرفة" التي تأذى منها جيرانه في السابق. كما أن تحقيق سلام مصحوب بتحول ديمقراطي يمكن أن يساعد هدف الإدارة المعلن بنشر الديمقراطية في المنطقة.

الوساطة في عهد بوش الابن

جاءت الوساطة الأميركية عام 2001 على عهد الرئيس بوش الابن لتعيد الحيوية إلى وساطة دول الإيغاد لحل النزاع، وتفتح الباب لأول مرة في تاريخ السودان إلى تحقيق السلام، مع التحول الديمقراطي والتوجه نحو التنمية بمعاونة العائدات النفطية.

وسجل الولايات المتحدة مع الديمقراطية في السودان ليس جيدا ويكفي المواقف السلبية التي اتخذتها من النظام الديمقراطي التعددي 1986-1989، كما أنها لم تضع التحول الديمقراطي في صلب مفاوضات السلام الحالية أو في برنامجها لنشر الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط رغم وقوعه في جنوبها وله بعض التقاليد في العمل السياسي التعددي، ولم تفتح الباب أمام اتفاق موسع مع القوى السياسية الرئيسية في المفاوضات وقصرها على الطرفين اللذين يحملان السلاح، على أن كل ذلك لا يقدح في حقيقة أنه لولا الجهد والوساطة الأميركية لما أمكن لوساطة الإيغاد أن تحقق ما حققته.
_______________
* صحفي سوداني مقيم في كندا