العاهل السعودي عبد الله بن عبد العزيز (يمين) يلتقي الأمين العام لمجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني بالرياض (الفرنسية-أرشيف)

حسام حمدان

تأرجحت العلاقات السعودية الإيرانية منذ انتصار الثورة عام 1979 وقيام الجمهورية الإسلامية في إيران بين العديد من حالات التصادم والتفاهم أو الصعود والهبوط أو الوئام والخصام, عاكسة مجموعة من التطورات والتفاعلات التي شكلت محددا لطبيعة العلاقات وبشكل لم يكن بعيدا عن المذهبية الدينية أو المصلحية السياسية أو التأثيرات الخارجية.

توتر مع ولادة الثورة
فقد مثل نجاح الثورة الإسلامية عام 1979 انقلابا في مفهوم العلاقات السعودية الإيرانية التي تحولت من التحالف مع شاه إيران محمد رضا بهلوي إلى الصدام مع مرشد الثورة روح الله الموسوي الخميني. ووقفت الرياض إلى جانب العراق في حربه إيران, وكان لهذا الموقف ثمنه السياسي في إثارة بعض عمليات القلاقل والاضطرابات التي كانت السعودية تتهم إيران دائما بالوقوف وراءها.
 
وشكلت مواسم الحج قنابل موقوتة داخل جسم تلك العلاقة المتوترة, وتعتبر أحداث مكة في موسم الحج في أغسطس/آب 1987 -التي خرج الحجاج الإيرانيون فيها بمظاهرات مؤيدة للثورة الإسلامية- منعطفا مهما في العلاقة بين البلدين ترتب عليه قطع العلاقات بينهما واستمر ذلك الانقطاع حتى عام 1991. كما اتخذت العلاقات بين البلدين شكلا من أشكال الصراع الحاد في ظل اتهام إيران بالعمل على تصدير الثورة الإسلامية للخارج.

"
الخطاب الرسمي في السعودية وإيران  يركز هذه الأيام على عموميات العلاقة والتعاون لما فيه مصلحة الأمة الإسلامية دون أن يخفي التطورات الميدانية والتحركات الدبلوماسية المتعلقة بالعديد من نقاط الاختلاف على أرض الواقع

"

انفراج في التسعينيات
وظل مؤشر العداء والتوتر مسيطرا على المسافة الزمنية الممتدة منذ قيام الثورة وحتى وفاة الخميني وخصوصا بعد انتهاء حرب الخليج الثانية (1990-1991) إلى أن حدثت بعض التطورات التي خرجت من رحم الثمانينيات في القرن الماضي لتشكل مع بداية التسعينيات من نفس القرن مرحلة جديدة من العلاقات بعد أن هدأ إلى حد كبير الاتهام الموجه إلى إيران بتصدير الثورة.
 
في تلك المرحلة برز نجم الرئيس الإيراني هاشمي رفسنجاني ومن بعده الرئيس محمد خاتمي اللذين كرسا نهجيهما في تأسيس علاقات حسن جوار وبالذات في عهد خاتمي الذي طرح فكرة حوار الحضارات والانفتاح على العالم والتطبيع مع الدول العربية.
 
وكان نتيجة ذلك أن شهدت العلاقات السعودية الإيرانية درجة عالية من التطور والتنسيق والتعاون ترجم في تعدد وتبادل زيارات المسؤولين من البلدين وعلى مستوى عال, وتوجت تلك العلاقة بتوقيع اتفاقية أمنية عام 2001 شكلت محطة مهمة ليس فقط في علاقة البلدين بل في الخليج العربي بأكمله لأنها انتقلت من مرحلة البروتوكولات الدبلوماسية إلى عمق العلاقة وتأصيلها شعبيا ورسميا.
 
انقلاب في العلاقات مع نجاد
وإذا كانت المرحلتان السابقتان قد شكلتا انقلابا في طبيعة العلاقات فقد شكل مجيء محمود أحمدي نجاد رئيسا لإيران في انتخابات 2006 انقلابا آخر عاد بفكرة الثورة من جديد لدرجة أن البعض اعتبر أن فترة رفسنجاني وخاتمي كانت استثناء في تلك العلاقة.

فالوضع في علاقة البلدين في عهد نجاد يتشابه مع مرحلة الخميني, ويزيد في درجة توحدها انفجار بعض الملفات الساخنة والمتمثلة في الشحن الطائفي الموجود في المنطقة, والبرنامج النووي الإيراني الذي يلقي بظلاله الأمنية على دول الخليج, وكذلك الدور الإقليمي الذي تلعبه إيران في سوريا ولبنان وفلسطين والعراق, وأيضا الوجود العسكري الأجنبي في الخليج الذي يثير هواجس إيران إزاء ملفها النووي.
 
وقد بدت إرهاصات ذلك التباعد في التحرك السعودي المضاد لمواجهة الدور الإيراني في المنطقة وتخلت الرياض عن دبلوماسية الكواليس إلى التحرك العلني للعب دور مهم في إعادة تشكيل خريطة الصراعات في المنطقة.
 
ففي الملف العراقي وجهت السعودية تحذيرا غير مباشر إلى إيران للتخلي عن ما وصفته بجهود إيرانية لنشر المذهب الشيعي في العالم العربي الذي تسوده الغالبية السنية, واحتضنت لقاء جمع علماء السنة في العراق. كما أنها ترصد بعيون مفتوحة تطورات ذلك الملف وانعكاساته الداخلية على الشيعة في السعودية.
 
أما بالنسبة للقضية الفلسطينية فقد وجهت السعودية رسالة تحذير قوية على لسان الملك عبد الله بأن "قضية فلسطين المفروض أن يحلها العرب وليس سواهم" ولعل احتضان السعودية لحوار فتح وحماس في مكة يوم 7 فبراير/شباط 2007 هو خطوة استباقية في هذا الإطار لقطع الطريق أمام الضغوط الإيرانية في هذه القضية.

وفي لبنان تتجه السعودية إلى الحوار مع إيران لحل الأزمة هناك خصوصاً بعدما كثر الحديث عن الصراع المذهبي هو سبب الأزمة وأفرزت فريقين رئيسيين أحدهما يطلق عليه قوى الرابع عشر من آذار والآخر قوى الثامن من آذار ومازال التصعيد مستمرا في هذه القضية.

ولم تخف السعودية مخاوفها إزاء البرنامج النووي الإيراني رغم المحاولات الإيرانية الرسمية لطمأنة الرياض, ومرة أخرى تحذر السعودية إيران من أن الكل سيدفع الثمن, وإذا كانت السعودية لا تمانع كدولة خليجية في امتلاك إيران برنامجا نوويا سلميا فإن لديها مخاوف معلنة من أن يصبح هذا البرنامج للتسليح العسكري، وهو ما يعني بروز قوة إقليمية نووية جديدة.

فالعلاقات السعودية الإيرانية في هذا الوقت يحكمها العديد من الملفات الصعبة, وعلى الرغم من أن الخطاب الرسمي من الجانبين يركز على عموميات العلاقة والتعاون لما فيه مصلحة الأمة الإسلامية فإن هذا الخطاب لا يمكن أن يخفي التطورات الميدانية والتحركات الدبلوماسية على أرض الواقع، والتي قد تنذر بمواجهة أوسع إذا لجأت أميركا إلى آخر الخيارات مع إيران. 
_______________
الجزيرة نت