إعداد: قسم البحوث والدراسات

شيعة العراق جزء أساسي من الشعب العراقي ينتمون عرقا إلى العرب ومذهبا إلى طائفة الشيعة المعروفة منذ القدم في الخريطة الفكرية والسياسية الإسلامية. ويطلق وصف الشيعي
-في هذه المنطقة- على كل من ينتمي إلى المذهب الجعفري ولادة أو اختيارا، فالشيعة ليسوا عرقا ولا جنسا ولا قومية، بل هم مجموعة من الشرائح الاجتماعية التي تتبنى رؤية دينية وفكرية محددة.

الأماكن الشيعية المقدسة
يعتبر الشيعة العراق مركزا دينيا مهما، حيث توجد بجنوبه مناطق يؤمها كل عام ملايين الشيعة من إيران والعراق نفسه ومن لبنان والسعودية. هذه المناطق المعروفة في الثقافة الشيعية باسم "العتبات المقدسة" هي كربلاء والنجف حيث يتوجه إليها الشيعة لإحياء ذكرى أربعين الحسين بن علي بن أبي طالب، ثالث أئمة الشيعة.

بوادر الاهتمام السياسي
ينحدر جميع شيعة العراق في الغالب من أصول عربية ويشكلون ثلثي سكان العراق لكنهم
-حسب رأيهم- مستبعدون بشكل كبير من أي منصب مهم.

فالأكراد العراقيون يشكلون حوالي 20% بينما لا يتجاوز العرب السنة 20% من السكان ويعني هذا أن نسبة الشيعة تقدر بحدود 60% أو أكثر من السكان في العراق.

ويعود أقدم اهتمام سياسي بشؤون هذه الطائفة إلى العهد الملكي حين وجه الملك فيصل الأول إلى الوزراء في عام 1932 رسالة نبه فيها إلى الحيف الذي لحق بالأكثرية الشيعية في العراق وضرورة تلافيه. وكذلك الرسالة التي وجهها الشيخ محمد رضا الشبيبي عام 1964 إلى الرئيس العراقي عبد السلام عارف والتي فصّل فيها المظالم التي وقعت على الأكثرية الشيعية في العراق. ثم جاء تحرك المرجعية الدينية في النجف برعاية السيد محسن الحكيم في الستينات من القرن الماضي للمطالبة ببعض الحقوق السياسية للطائفة الشيعية.

العلاقة مع الحكومة المركزية في بغداد


تعرض الشيعة في العراق خلال الربع الأخير من القرن الماضي للعديد من الصدامات مع الحكومة المركزية في بغداد خاصة بعد اغتيال آية الله محمد باقر الصدر

تذكر المعارضة الشيعية العراقية وكذلك منظمات حقوق الإنسان مدى ما تعرض له الشيعة تحت السلطة المركزية في بغداد من ظلم وتّر العلاقة بينهما في فترات تاريخية متعددة، منها على سبيل المثال:

  • اغتيال آية الله محمد صادق الصدر ومعه ابناه بالنجف في فبراير/ شباط 1980.
  • تعرض بعض أقرباء المرجعيات الشيعية المعروفة للاحتجاز والتعذيب عام 1999.
  • استمرت حالات الاعتقال والمحاكمة لبعض النشطاء السياسيين الشيعة في مارس/ آذار 2000.
  • صدرت أحكام بإعدام ستة على الأقل من الشيعة وهدمت بيوتهم وجميعهم من طلبة العلوم الدينية في النجف في مايو/ أيار 2000. كما صدرت بحق البعض الآخر أحكام بالسجن المؤبد.
  • أثيرت الشكوك بعد وفاة آية الله السيد حسين بحر العلوم الذي سقط ميتا بشكل مفاجئ وفي ظروف غامضة في 22 يونيو/ حزيران 2001.


الخريطة السياسية لشيعة العراق
يتوزع شيعة العراق إلى طوائف سياسية من أبرزها:

المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق

محمد باقر الحكيم

لم يكن تشكل المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق عام 1982 بعيدا عن التأثير الإيراني. ويهدف هذا المجلس إلى أن يكون إطارا يضم كل الفصائل الشيعية العاملة في الحقل السياسي.

يوجد مقر المجلس في طهران، ويتزعمه حجة الإسلام محمد باقر الحكيم الذي ترك العراق منذ 1979 وأقام بإيران. والغالب في أعضاء المجلس الأعلى أنهم عراقيون فروا إلى إيران خلال حرب الخليج الأولى.

تمثل شخصية حجة الإسلام محمد باقر الحكيم دورا محوريا في تحديد مواقف الحزب ونشاطه السياسي. لذلك يلاحظ بعض المراقبين أن المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق تنظيم باسم شخص أكثر مما هو حركة شعبية لها توجهها السياسي.

العلاقة مع إيران
ويحاول المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق أن يحافظ على مسافة بينه وبين إيران، وأن يعطي للمراقب صورة كونه ليس تنظيما شيعيا يسير في فلك طهران بل هو، كما يريد لنفسه أن يكون، تنظيم سياسي عراقي بحت.

الجناح العسكري
ومن ضمن مكونات المجلس الأعلى للثورة الإسلامية جناح عسكري يعرف باسم "لواء بدر" مقره إيران، يضم آلافا من الجنود معظمهم من الشيعة ويقوم بتدريبهم ضباط من السنة. وكان لهذا اللواء دور مهم في انتفاضة شيعة العراق في مارس/ آذار1991 حين قامت عناصره بتصفية أجهزة حزب البعث بالجنوب.

العلاقة مع الولايات المتحدة
ينفي المجلس الأعلى أي صلة له بالولايات المتحدة ويعلن عن رفضه تلقي أي مساعدات مالية منها رغم رصد الكونغرس الأميركي 97 مليون دولار لدعم هذه المعارضة.

حزب الدعوة
حزب الدعوة من أقدم الأحزاب الإسلامية العراقية، أسسه رجل الدين العراقي آية الله باقر الصدر سنة 1968. ويضم هذا الحزب مجموعات متعددة منها ما هو في الخليج ومنها ما هو بلبنان.

يميل حزب الدعوة إلى استخدام أساليب العنف، وقد ظهرت في داخله مؤخرا بعض العناصر التي تدعو إلى انتهاج سياسية ليبرالية توفق بين الإسلام والديمقراطية وتؤكد عدم وجود تعارض بينهما.

وخلافا للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق فإن حزب الدعوة لا يقبل بالضرورة النموذج الإيراني للزعامة الدينية، بل يرى "أن دور رجال الدين ينحصر في تفسير الأمور الدينية على أن يتولى المسلمون من غير رجال الدين الأمور السياسية".

إضافة إلى هذين الكيانين السياسيين الكبيرين داخل الساحة السياسية الشيعية في العراق يوجد اتجاه ثالث يغلب عليه التوجه العلماني ويصبو إلى تمثل القيم الديمقراطية الغربية ويرى أن الإطار الديمقراطي خير منهج لصون حقوق الجميع خاصة السنة. ومن أبرز شخصيات هذا التوجه ليث كبة وأحمد الجلبي المقيمان خارج العراق.

شيعة العراق ومشروع الدولة المستقلة


يرى شيعة العراق أن الحكومات العراقية المتعاقبة منذ الثورة على الهاشميين كانت علمانية ومع ذلك ظلت تعبر عن الإرادة السنية، وبالتالي ظل الشعور الشيعي بالإقصاء والتهميش يتعاظم بحكم كونهم الأغلبية

يطرح التفكير في مستقبل العراق عدة سيناريوهات من أبرزها مسألة تقسيم العراق إلى دويلات سنية وكردية وشيعية.
وقد ظلت الإشكاليات الشيعية الفكرية الكبرى مسيطرة على الفكر الشيعي في العراق خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين مما منعهم من التفكير في إنشاء دولة مستقلة. ومن أبرز تلك الأفكار قضية الإمام الغائب وهي القضية المحورية في الفكر الشيعي حيث ينتظر الشيعة ذلك الإمام لرفع الظلم والجور عنهم.

ثم إن فكرة ولاية الفقيه، وإن لم تكن محل إجماع شيعي، فإنها أدت إلى نمو الفكر الشيعي السياسي في القرن التاسع عشر وفي القرن العشرين بشكل أعمق وخاصة مع نجاح الثورة الإسلامية في إيران. ويعني مفهوم ولاية الفقيه، بالنسبة لمن يعتقدها من الشيعة، تقليدَ المراجع الشيعية واشتراط أن يحظى الحاكم الزمني بإجازة من المرجع الشيعي، فهنالك ربط للسلطة الزمنية في تحركها السياسي بتوجيهات السلطة الروحية ومباركتها.

وهذا يعني فقهيا حصر العملية التشريعية في الفقهاء والمجتهدين، ويعني سياسيا أن قوة الشيعة في العراق سوف تعني قوة المراجع الدينية وبالتالي فمن المحتمل أن يشكلوا دولة داخل الدولة.

ويرى شيعة العراق أن الحكومات العراقية المتعاقبة على السلطة منذ الثورة على الهاشميين كانت علمانية ولكنها مع ذلك ظلت تعبر عن الإرادة السنية، وبالتالي ظل الشعور الشيعي بالإقصاء والتهميش يتعاظم بحكم كونهم الأغلبية. لكنهم استعاضوا عن المشاركة السياسية بالنشاط التجاري خاصة بعد هجرة الكثير من يهود العراق إلى فلسطين المحتلة عام 1948.

انتفاضة 1991


تشكل انتفاضة الشيعة في جنوب العراق في مارس/ آذار 1991 واحدة من أكبر الحركات الشيعية في تاريخ العراق الحديث

كانت انتفاضة الشيعة في جنوب العراق في مارس/ آذار 1991 ضد النظام المركزي في بغداد مظهرا من مظاهر النزعة الانفصالية. وتشكل هذه الانتفاضة واحدة من أكبر الأحداث السياسية الشيعية في تاريخ العراق الحديث.

قامت عناصر الشيعة وخاصة "لواء بدر" وهو الجناح العسكري للمجلس الإسلامي الأعلى بتصفية القيادات المحلية للبعث في المدن والقرى التي تم فرض السيطرة عليها. وقد تصدت الحكومة في بغداد بعنف للقضاء على الثورة والحد من تصعيدها واستعادة النظام في مناطق الشيعة الجنوبية. وساعد في إخماد هذا التمرد تخلي الولايات المتحدة الأميركية عن مناصرتهم مما تركهم في مواجهة منفردة مع قوة النظام المركزي في بغداد.

الموقف من التهديدات الأميركية
يلاحظ المراقبون فرقا بين الشيعة والأكراد فيما يتعلق بالموقف من الإعداد للخطة الأميركية المستهدفة نظام الرئيس صدام حسين. ففي حين يعلن الأكراد تباطؤا وتحفظا على الخطة الأميركية فإن المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق يرحب بالمساعي الأميركية للتخلص من صدام حسين ونظام حكمه، ويعلن استعداده للتجاوب ضمن محادثات مباشرة مع الإدارة الأميركية بهذا الشأن.

ومهما يكن من سيناريوهات يتم إعدادها لتغيير مستقبل العراق فإن ملف الشيعة في هذا البلد العربي الكبير يبقى من الملفات الأساسية التي ستلقي بظلالها على الوضع السياسي والاجتماعي في المستقبل القريب.
_______________
الجزيرة نت
المصادر:
1 - العام الأخير لنظام صدام حسين، غراهام فولر
2 - حقوق الإنسان في العراق