بقلم/ شاكر الجوهري

ما هي القوة 14؟ وإلى أي فصيل فلسطيني تنتمي؟ وكيف يسمح لها بالتدخل في العملية الانتخابية الجارية في الأردن؟

القانون الأردني والواقع الفلسطيني
هذه التساؤلات وغيرها أثارها إعلان عن مهرجان مؤازرة انتخابي لصالح أحد المرشحين في محافظة المفرق تم تنظيمه تحت عنوان "القوة 14 وحق العودة". وهي تساؤلات مشروعة من وجهة نظر المادة 8/ك من قانون الانتخاب المؤقت في الأردن رقم 34 لسنة 2001، والتي تشترط في المرشح لعضوية مجلس النواب الأردني "أن لا يكون منتميا لأي هيئة سياسية أو حزب أو تنظيم سياسي غير أردني". وعلى كل فقد اتضح أن المرشح يقصد الإشارة إلى أن المجلس النيابي المقبل هو الرابع عشر في تاريخ الأردن.

شاكر الجوهري
ووجود مثل هذا النص في القوانين الانتخابية السابقة فسح المجال لتقديم طعن في ترشيح حمادة فراعنة في انتخابات 1997، غير أن القضاء أقر ترشحه مقرراً أن عضوية المجلس الوطني الفلسطيني لا تخل بالمواطنة الأردنية، ليصبح أول شخص يجمع بين عضوية المجلس الوطني الفلسطيني ومجلس النواب الأردني، وليعبر بازدواجية التمثيل هذه عن حقيقة الثنائية الفلسطينية-الأردنية داخل الأردن، وذلك إلى جانب حقيقة أخرى أكثر أهمية وتأثيرا تتمثل في وجود فروع فاعلة داخل الأردن لتنظيمات سياسية فلسطينية، وإن كان لا يقرها القانون الذي جرى العرف الأردني على التلويح بتفعيله، فقط حين تكون هناك خروق صارخة تتعارض مع السياسات الرسمية بشكل صارخ.

فقانون الأحزاب السياسية في الأردن يحظر ارتباط أي حزب أردني بمرجعية غير أردنية. غير أن الحكومات المتعاقبة درجت على غض النظر عن حقيقة أن القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي في بغداد، كانت تمثل مرجعية حزب البعث العربي الاشتراكي الأردني، وأن القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي في دمشق تمثل مرجعية حزب البعث العربي التقدمي الأردني، وأن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين تمثل مرجعية حزب الوحدة الشعبية الأردني، وأن الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين تمثل مرجعية حزب الشعب الديمقراطي الأردني "حشد"..إلخ.

الحكومات الأردنية درجت كذلك على غض النظر عن وجود مكاتب للفصائل الفلسطينية المختلفة داخل الأردن تعمل تحت غطاء مكاتب دراسات وأبحاث بمسميات مختلفة، ولم يحدث أن اعترضت الحكومات على ترشح ممثلين لفصائل فلسطينية في الانتخابات النقابية الأردنية. سبب ذلك يعود إلى عدم القدرة على تجاهل حقيقة أن نسبة كبيرة من سكان الأردن هم من الفلسطينيين.


يوجد ما يزيد عن 1.5 مليون أردني مسجلين في الأونروا يحملون الجنسية الأردنية وهم يمثلون 28% من سكان الأردن، ويرفعون نسبة الأردنيين من أصل فلسطيني إلى 71%

الثنائية الأردنية الفلسطينية
وفي سبتمبر/ أيلول الماضي صرح المهندس علي أبو الراغب بأن الإحصاء السكاني لعام 1994 أظهر أن الأردنيين من أصل فلسطيني يمثلون فقط 43% من مواطني الأردن. ولم تكن هذه النسبة قد أعلنت على مدى السنوات التي أعقبت إجراء الإحصاء، ذلك أن الدكتور عبد السلام المجالي رئيس الوزراء في حينه كان قرر حظر توزيع ونشر أي معلومات من شأنها إثارة النعرات التفريقية. وكان أبو الراغب يقصد من إعلان هذا الرقم تقليل حجم القلق الذي تعبر عنه الوطنية الأردنية حيال مخططات التوطين المترافقة مع الحل النهائي للقضية الفلسطينية، وانعكاسها على المعادلة الديمغرافية داخل الأردن.

غير أن مصادر أخرى لفتت في حينه إلى أن رئيس الوزراء -وهو يعلن هذا الرقم- أسقط من الاعتبار وجود ما يزيد عن 1.5 مليون أردني مسجلين في سجلات الوكالة الدولية لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين باعتبارهم لاجئين فلسطينيين، علما بأنهم يحملون الجنسية الأردنية، وهم يمثلون 28% من أصل مجموع سكان الأردن الذين يبلغون 5.329 ملايين نسمة، وعلى نحو يرفع نسبة الأردنيين من أصل فلسطيني إلى 71%. هذا الواقع يعكس نفسه على العملية الانتخابية الأردنية من عدة وجوه:

  1. وجود مرشحين لعضوية مجلس النواب الأردني يمثلون فصائل فلسطينية بشكل مستتر وغير معلن. وسبق لبعضهم أن فاز بعضوية مجالس نيابية سابقة. وكمثال فقط كان معروفاً أن صالح شعواطة عضو المجلس النيابي السابق كان عضوا سابقا في حركة "فتح" التي دعمته في تلك الانتخابات.
  2. دعم الفصائل الفلسطينية لمرشحين معينين غالبا ما يكونون من مرشحي المعارضة، وإن كان ذلك يحدث بشكل مستتر. في هذا السياق نشر المهندس إبراهيم غوشة عضو المكتب السياسي لحركة "حماس"، والناطق السابق باسمها إعلان مؤازرة للمرشح المحامي زهير أبو الراغب مرشح حزب جبهة العمل الإسلامي. لكنه أوضح في اليوم التالي أنه يدعم أبو الراغب بصفته الشخصية وكونه مواطنا أردنيا له الحق في الترشح والاقتراع، وأن لا علاقة لحركة "حماس" بذلك الإعلان. لكن هذا لا ينفي وجود تفاهم ضمني بين أنصار حركتي "حماس" و"فتح الانتفاضة" على دعم عدد من المرشحين المعارضين وخاصة من الإسلاميين المستقلين، كما هو الحال بالنسبة للمرشح محمد عقل في مخيم البقعة. وقياسا على ذلك فإن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين تدعم مرشحي التيار الوطني الديمقراطي الذين يمثلون ائتلافا من ثمانية أحزاب بينها حزب الوحدة الشعبية. كما أن الجبهة الديمقراطية تدعم مرشحي الائتلاف الانتخابي الديمقراطي المشكل من مرشحي تجمع الديمقراطيين المستقلين وأربعة أحزاب سياسية بينها حزب الشعب الديمقراطي الأردني "حشد". ويبدو أن حركة "فتح" قررت كذلك دعم مرشحي هذا الائتلاف.. وهكذا.
  3. انعكاس الثنائية الفلسطينية-الأردنية على الشعارات والبرامج الانتخابية للمرشحين والأحزاب والقوى السياسية. ويجدر أن يؤخذ بالاعتبار في هذا المقام أن الحاجة إلى الأصوات الانتخابية تفرض لجوء المرشحين إلى استخدام شعارات عامة تتسم في كثير من الأحيان بشيء من عدم التحديد -إن لم نقل بالغموض المتعمد- الذي يأخذ في الاعتبار وجود شيء من الحساسية لدى قطاعات من الناخبين على قاعدة تعدد المنابت والأصول، وهي حساسية تغذيها بهذا القدر أو ذاك مخاوف ديمغرافية يروج لها ممثلو الوطنية الأردنية، ورد فعل عفوي عليها من قبل الأردنيين من أصل فلسطيني. ولذلك فإن الشعارات الانتخابية الرائجة هي التي تسعى إلى إرضاء الجميع على غرار التأكيد على حق العودة ورفض مؤامرات التوطين.. ذلك أن مثل هذا الشعار يشكل قاسما مشتركا بين الشرق أردنيين المتخوفين من أن يلحق التوطين مزيدا من الخلل بالمعادلة الديمغرافية في الأردن، والغرب أردنيين (الأردنيون من أصل فلسطيني) التواقون إلى العودة إلى فلسطين.

وتتعامل البرامج الانتخابية للأحزاب والقوى السياسية مع هذه المسألة بواسطة شعارات مماثلة، وإن كانت تعكس في أغلب الأحيان مواقف ترتقي إلى مستوى الثوابت الوطنية كما تراها أحزاب المعارضة، أو كما تراها أحزاب الموالاة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه الأحزاب والقوى تراعي -وهي تقوم بصياغة برامجها- انعكاس هذه الصياغة على مواقف الناخبين في يوم الاقتراع، دون أن تخل بالموقف الأيدولوجي في حال وجوده.


تقسيم الدوائر الانتخابية الجديد يوفر فرصة لفوز عدد إضافي من النواب من أصل فلسطيني دون أن يرفع من نسبتهم التمثيلية البالغة 10%
مواقف الأحزاب والمسألة الديمغرافية
ولنستعرض مواقف أهم الأحزاب والائتلافات الانتخابية:

حزب جبهة العمل الإسلامي
يفرد هذا الحزب مساحة واسعة من برنامجه الانتخابي لتناول الموقف من القضية الفلسطينية والتسوية السياسية بلغة لا تتجاهل حساسيات الشارع، وإن كانت تخاطب كذلك العاطفة الجمعية للأردنيين الرافضة للتسوية السياسية مع إسرائيل، والمتشوقة إلى نصر عربي لم يتحقق بعد. فالحزب يؤكد ثوابته بشأن عروبة وإسلامية فلسطين ووجوب تحريرها، وبرفض التنازل عنها من أي كان. ثم هو يكرر الموقف الرافض للتسوية السياسية للصراع. ويؤكد على أخوية العلاقة بين الشعبين المؤسسة على العقيدة والدين. ويفرد بعد ذلك فقرات أخرى "للتصدي لسياسة التطبيع مع العدو الصهيوني".

التيار الوطني الديمقراطي
يضم هذا التيار أحزابا سبق لها الاعتراف بوجود دولة إسرائيل مثل الحزب الشيوعي، وأحزاب تؤيد مبدأ التسوية السياسية للصراع مثل حزب الوحدة الشعبية والبعث التقدمي، وأحزاب رافضة لمبدأ التسوية مثل حزب جبهة العمل القومي. ويعكس هذا التنوع في المواقف نفسه على تناول القضية الفلسطينية في البرنامج الانتخابي لهذا التيار، وبما يؤمن عدم التعارض مع الموقف الجماهيري. ويؤكد أن الأردن أيضا يواجه خطرا حقيقيا من جانب الكيان الصهيوني ما يستدعي مراجعة خيار معاهدة السلام والتطبيع". لكنه لا يطالب بمراجعة السلام نفسه ولا ينفي حق إسرائيل في الوجود، مكتفيا بدعم الانتفاضة دون أن يحقق تراجعا عن مواقف الأحزاب المؤيدة لمبدأ التسوية السياسية والاعتراف بإسرائيل.

الائتلاف الديمقراطي
ينطبق على هذا الائتلاف ما ينطبق على التيار الوطني الديمقراطي لجهة وجود أحزاب فيه سبق لها الاعتراف بوجود إسرائيل (حزب الشغيلة الشيوعي)، وأحزاب سبق لها الموافقة على مبدأ التسوية السياسية. لكن السعي لكسب الناخبين من أصول فلسطينية يفرض استخدام لغة مواربة أعلنت أنه "من موقع وحدة المصير مع الشعب الفلسطيني في الصراع ضد الاحتلال الصهيوني الاستيطاني العنصري الفاشي، ومن أجل حقوقه المشروعة في التحرير، والاستقلال والعودة".. "نقف بحزم مع الانتفاضة والمقاومة الفلسطينية، وندعو جماهير الشعب الأردني والأمة العربية إلى تعزيز أشكال الدعم والمساندة السياسية والمادية والمعنوية لضمان استمرارها".

تجمع الإصلاح الديمقراطي
تبدو مواقف هذا التجمع ذات سقف أكثر انخفاضا نظرا لتشكله من أحزاب أكثر قربا من الحكومة، وهي حزب الوسط الإسلامي، وحزب اليسار الديمقراطي، وحركة لجان الشعب، وحزب الرفاه، وحزب النهضة، وحزب المستقبل. وهو يكتفي بالدعوة إلى "ترسيخ مفهوم الوحدة الوطنية بين أفراد الشعب لحماية الوطن وضمان استقراره" دون أن يحدد هذا المفهوم، والمطالبة "بدعم الشعب الفلسطيني الشقيق لنيل حقوقه وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف ورفض إقامة الوطن البديل". والربط بين الدعوة لإقامة الدولة الفلسطينية ورفض الوطن البديل لا يحتاج إلى أي تأشير، فهو ينسجم مع الرؤى الحكومية التي باتت ترى منذ عهد الملك الراحل حسين أن الدولة الفلسطينية مصلحة إستراتيجية أردنية طالما أنها تجنب الأردن أخطار مخططات الوطن البديل، بعدما أسقط النضال الفلسطيني مخططات الخيار الأردني وهي كلها مخططات إسرائيلية في الاتجاهين.

المجلس الوطني للتنسيق الحزبي
وتبدو مواقف هذا التيار أكثر تشددا لجهة التمسك بالحقوق الفلسطينية، وخاصة حق العودة باعتباره المدخل لحماية الأردن من مؤامرة الوطن البديل.. خاصة أن هذا المجلس يقوده الحزب الوطني الدستوري، وهو أكبر حزب يمثل الوطنية الأردنية. وبهدف إبعاد شبهة الإقليمية فإن أحزاب هذا المجلس (الوطني الدستوري، ودعاء، والأجيال، والخضر، والأمة) تنادي "بتعميق الوحدة الوطنية على أساس المساواة في الحقوق والواجبات لجميع المواطنين، وعلى أساس التنافس الشريف وتكافؤ الفرص"، لكنها تشترط بلغة غير متيقنة أن يحدث ذلك "في إطار الانتماء الخالص للوطن والحرص على حاضره ومستقبله ومنجزاته والوفاء لقيادته الهاشمية الوفية باعتبارها الرمز الأسمى في وجود الوطن".

أما المرشحون غير المؤتلفين في قوائم انتخابية فإنهم يتناولون هذه المسألة بشكل متنوع وغير مدروس في أغلب الأحيان. فهناك من يعالجها في بعدها الوطني الداخلي عبر المناداة بأن "الوطن للجميع" أو التأكيد على "حماية الوحدة الوطنية ورفض الإقليمية".. وهناك من يتجاوز البعد الداخلي إلى البعد الخارجي عبر إعلان رفض معاهدة وادي عربة والتعهد بتحرير فلسطين من البحر إلى النهر. واللافت أنه لا أحد من مؤيدي الحل السلمي يجاهر بذلك ليس فقط على صعيد الأحزاب التي يشير بعضها إلى ذلك مواربة بهدف عدم استفزاز الرأي العام وجمهور الناخبين الذي لا يستسيغ أي دعوة للسلام مع إسرائيل، إنما كذلك على صعيد الأفراد.

مخطط الوطن البديل لا يقلق فقط القوى الشعبية التي تعبر بهذا القدر أو ذاك عن مخاوف الوطنية الأردنية، لكنه يقلق كذلك الدولة الأردنية ممثلة بالحكومة هذه المرة، وهي التي أعلنت مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الراهنة واتضاح النوايا الأميركية باحتلال العراق، أنها سترفض السماح بدخول أي لاجئ فلسطيني أو عراقي إلى الأردن، وهو ما نفذته بالفعل. ويلتقي هذا القرار في آلية تطبيقه مع الدعم الأردني الكامل لإقامة دولة فلسطينية، ومع الموقف الذي سبق أن أعلنه العاهل السابق الملك حسين ولا يزال قائما حتى الآن، ويقضي بأن يخير الأردنيون من أصل فلسطيني بعد قيام الدولة الفلسطينية بين أن يظلوا مواطنين أردنيين وبين أن يستعيدوا جنسيتهم الفلسطينية. ويعكس هذا الموقف الموافقة المؤجلة على طلب أميركي تكرر تقديمه ويقضي بتمثيل متساو للأردنيين من أصل فلسطيني مع بقية الأردنيين، بما من شأنه أن ينزع محفزات الوطنية الفلسطينية التي تعمل -مع عوامل أخرى- على عرقلة إنجاز حل نهائي للقضية الفلسطينية.

والواقع أن تأجيل إجراء الانتخابات النيابية من العام 2001 إلى العام 2003 أجل هذا الاستحقاق لمدة سنتين أخريين على الأقل، وإلى أن يحين موعد الانتخابات التالية عام 2007 والذي يفترض -إن سارت الأمور كما يجب وفقا لمشروع خارطة الطريق- أن يعقب قيام الدولة الفلسطينية عام 2005 بقرابة السنتين. وهذا يعني الإبقاء على التمثيل الرمزي للأردنيين من أصل فلسطيني في مجلس النواب الأردني والذي لم يتجاوز 10% في مجلس النواب السابق، في حين أن نسبة الأردنيين من أصل فلسطيني هي 71%. ولا يتوقع له أن يتجاوز هذه النسبة -أي 10%- في مجلس 2003، وإن كان التقسيم الجديد للدوائر الانتخابية بموجب النظام الانتخابي رقم 42 لسنة 2001 يوفر فرصة لفوز عدد إضافي من النواب من أصل فلسطيني.. ذلك أنه زاد عدد أعضاء المجلس من 80 إلى 104 نواب، تضاف إليهم المقاعد الستة المخصصة للنساء. وعلى ذلك فإن مجلس النواب المقبل سيشهد زيادة في العدد المطلق للنواب من أصل فلسطيني دون أن يرفع من نسبتهم التمثيلية.

النظام الانتخابي والتمثيل النيابي
ولكن هل يستطيع النظام الانتخابي التحكم بالتمثيل النيابي إلى هذا الحد؟
الطعن الذي تقدم به المحامي الدكتور راتب الجنيدي أمام محكمة العدل العليا بعدم دستورية قانون الانتخاب المؤقت رقم 34 لسنة 2001 والذي ستجرى بموجبه الانتخابات الحالية، يؤكد هذا وذلك من خلال التقسيم غير العادل للدوائر الانتخابية.

يقول المحامي الجنيدي في مرافعته نيابة عن لجنة التنسيق العليا لأحزاب المعارضة أنه في ضوء عدد سكان الأردن البالغ 5.039 ملايين نسمة (هذا رقم سابق على الرقم الذي اعتمدناه في هذا البحث وهو 5.329 ملايين نسمة) يوزعون على 45 دائرة انتخابية، فإن الأرقام تفرض أن يكون هناك نائب واحد لكل 48451 ناخباً.

غير أن النظام الانتخابي لا يوزع عدد النواب بشكل عادل على مختلف المحافظات والدوائر الانتخابية، فهو يقضي بأن يمثل النائب الواحد في العاصمة عمان 83348 ناخباً، وفي إربد 56185 ناخباً، وفي الزرقاء 79263 ناخبا، وفي البلقاء 33055 ناخبا، وفي الكرك 20257 ناخبا، وفي المفرق 58075 ناخبا، وفي مادبا 32123 ناخبا، وفي جرش 37036 ناخبا، وفي معان 23565 ناخبا، وفي الطفيلة 19149 ناخبا، وفي عجلون 27966 ناخبا.

وعلى ذلك فإن هذا النظام يمنح عشرة نواب لكل من محافظات البلقاء والزرقاء والكرك رغم التفاوت الكبير في أعداد سكان هذه المحافظات، حيث يبلغ سكان البلقاء 330555 نسمة، مقارنة بـ 792635 نسمة في الزرقاء، و202570 نسمة في الكرك.

ويمنح هذا النظام أربعة مقاعد لكل من محافظات المفرق ومادبا وجرش ومعان والطفيلة رغم التفاوت الكبير في عدد سكان هذه المحافظات، حيث يبلغ سكان المفرق 232300 نسمة، مقارنة بـ 128495 نسمة في مادبا و148145 نسمة في جرش، و98260 نسمة في معان، و76595 نسمة في الطفيلة.

ويلاحظ أن النظام يخصص عدد نواب أقل من الزاوية النسبية مقارنة بعدد سكان المحافظات ذات الكثافة البشرية الأعلى، وعدد نواب أكثر من الزاوية النسبية مقارنة بعدد سكان المحافظات ذات الكثافة البشرية الأقل، مع ملاحظة الحقائق الأربع التالية:

  1. ارتفاع نسبة وأعداد الناخبين من أصول فلسطينية في المحافظات ذات الكثافة السكانية المرتفعة وهي العاصمة وإربد والزرقاء.
  2. ارتفاع نسبة التعليم في هذه المحافظات مقارنة بالمحافظات الأخرى، وهذا يستدعي ارتفاع نسبة المعارضين.
  3. أن نسبة الإقبال على الاقتراع في هذه المحافظات أقل من بقية المحافظات وذلك بسبب تراجع عصبوية الانتماء العشائري كلما ازداد مستوى التعليم، وعدم إقبال الأردنيين من أصل فلسطيني على صناديق الاقتراع بنسبة تماثل الآخرين من جراء عوامل إحباط متعددة، وغياب الرابطة العشائرية بينهم، دون إغفال وجود هذه العصبوية في الدائرة الثانية بالعاصمة عمان حيث توجد أعداد كبيرة من التعامرة (بيت لحم) نجحت أكثر من مرة في إنجاح نائب يمثلهم (محمد ذويب) وأعداد كبيرة من الدوايمة (الخليل) نجحت أكثر من مرة في إنجاح نائب يمثلهم (د. عبد المجيد الأقطش).
  4. وجود تفاوت كبير في عدد نواب الدوائر الانتخابية مماثل للتفاوت الحاد بين عدد نواب المحافظات، بحيث يخصص النظام الانتخابي عدد نواب أكثر للدوائر ذات الكثافة السكانية الأقل، والعكس بالعكس. ولم يحدث أن أجريت عملية حسابية لقياس نسبة المصوتين من أصول فلسطينية، غير أنه في انتخابات 1997 تدنت نسبة التصويت في الدوائر التي توجد فيها نسبة كبيرة منهم داخل العاصمة لتتراوح حول 30%، لكن الإقبال على خلفية التنافس العشائري في المحافظات الأخرى رفع النسبة الإجمالية للاقتراع إلى ما فوق 40%.

وعودة إلى مرافعة الدكتور الجنيدي، فإنها تخلص إلى أن النظام الانتخابي خصص 49 مقعدا نيابيا من أصل 104 مقاعد لـ72% من السكان يتوزعون على محافظات عمان وإربد والزرقاء مقابل 55 مقعدا لبقية المحافظات التي يمثل عدد سكانها 28% من إجمالي سكان البلاد. وعلى ذلك فإن الأغلبية البرلمانية تساوي في الواقع 23% من عدد مواطني الأردن، كما يخلص إلى ذلك الدكتور الجنيدي في مرافعته.

وعليه يتضح أن الصيغة العملية التي تحكم العلاقة بين أطراف التنوع الديمغرافي في الأردن يشوبها العيب، وإن كانت حالة الانتظار والترقب للحل النهائي للقضية الفلسطينية تقلل إلى حد كبير من انعكاسات هذا العيب على العلاقات القائمة بين طرفي الثنائية الأردنية-الفلسطينية، مادام الإجماع الشعبي منعقدا على قاعدة رفض التوطين والوطن البديل والإصرار على حق العودة.

لكن تحقق الحل النهائي للقضية الفلسطينية، سواء تم ذلك في العام 2005 كما تقضي "خارطة الطريق" أم بعد ذلك، من شأنه أن يطرح تساؤلات جادة حول أهلية هذه المعادلة للاستمرار. وهذا ما يلمسه قرار الملك الراحل تخيير مواطني الأردن في هذه الحالة بين الاحتفاظ بأردنيتهم وبين استعادة هويتهم الفلسطينية.

ويفترض المراقبون أن يأذن الحل النهائي للقضية الفلسطينية بإلغاء وجسر الهوة بين الدستور الأردني الذي تقرر مادته رقم 67 مبدأ المساواة في الاقتراع، والنظام الانتخابي الذي يخل بهذه المساواة على النحو المبين سابقاً.


حصة الشركس والشيشان ثلاثة مقاعد، ونسبة لعددهم يجب أن تكون 1.6. وحصة المسيحيين تسعة مقاعد في حين يجب أن تكون 3.3 مقاعد
حصص ولكن!
ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى أن النظام الانتخابي يتضمن أربع حصص تتعارض كذلك مع مبدأ المساواة في حق التمثيل وهي:

  1. حصة للشركس والشيشان تتكون من ثلاثة مقاعد، علما بأن عددهم في الأردن لا يتجاوز 79 ألف نسمة وفقا لرئيس الجمعية الخيرية الشركسية (70 ألف شركسي وتسعة آلاف شيشاني)، ذلك أن دائرة الإحصاءات العامة تمتنع عن تزويد الباحثين بأي أرقام تتعلق بالمعادلة الديمغرافية. ومع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار المبالغة في هذا الرقم، فإنه يعني أنه يحق لهم الحصول فقط على 1.6 مقعد في مجلس النواب.
  2. حصة المسيحيين وتتكون من تسعة نواب، علما بأن عددهم هو 159870 نسمة، وعلى ذلك فإنه يحق لهم الحصول فقط على 3.3 نواب.
  3. حصة البدو (الشمال والوسط والجنوب)، وهي تتكون من تسعة نواب، علما بأن عددهم هو 263549 نسمة وفقا لأرقام رسمية قدمت لمديرية الأمن العام، وعلى ذلك يحق لهم فقط 5.4 نواب.
  4. حصة النساء وخصص لها ستة مقاعد علما بأن المرأة تساوي نصف المجتمع.

_______________
كاتب أردني