العراق ما بعد الاحتلال

1- المقاومة
لا يمكن الحديث عن متغيرات المرحلة المقبلة دون الحديث عن مستقبل الاحتلال الذي سيرتبط أساساً بالمقاومة أو بالانسحاب الطوعي، فالاحتلال طال أم قصر مصيره الزوال والانتهاء لا محال سواء بسبب رفض الشعب لوجوده غازياً محتلاً وما يترتب على ذلك من مقاومة سلمية أو مسلحة، أو بتحقيق الأهداف والانسحاب الطوعي. والتحليل الموضوعي يشير إلى أن الاحتلال بات يتخبط وبدأت تصدر عنه تصريحات متناقضة بشأن إنهائه أو خروج القوات الأميركية.

وعلى أية حال فإن الاحتلال لو ترك الأمر له لن يغادر العراق ما لم يحقق الأهداف الرئيسية التي جاء من أجلها، وهو أمر يستغرق سنوات طويلة، ولكن إذا ما استطاعت المقاومة الوطنية أن تثبت وجودها على كل الأرض العراقية أو جزء أساسي منها فعند ذاك يمكن القول إن الاحتلال لن يبقى طويلاً لأن في بقائه خسائر بشرية وسياسية لن يقدر على تحملها. ويبدو أن المقاومة الوطنية العراقية قد بدأت ترمي بثقلها المتزايد على الاحتلال الذي بدأ يراجع حساباته.

ذلك أن احتمال انتصار الاحتلال على المقاومة أمر بعيد المنال، وعلى أية حال فإن الاحتلال يولد المقاومة، ووجود أحدهما يلغي الآخر لذلك لابد أن تنتصر المقاومة فهو القانون الطبيعي، إذ لم يبق استعمار عدا الاستعمار الصهيوني، وظاهرة الاحتلال الأميركي للعراق ولأفغانستان لابد زائلة.

إن مقارعة المقاومة العراقية للاحتلال وقدرتها على المطاولة والاستمرار لفترة طويلة سوف تمكنانها من لمّ الشمل العراقي والعربي وحتى الإسلامي حولها. إن في طرد المحتل من المنطقة مصلحة أكيدة للمنطقة بأكملها وقوة للشعب الفلسطيني.

ولا يمكن للمقاومة أن تحصل على شرعية وطنية كاملة ما لم تتضح معالمها وتحظَ بثقة جميع تكوينات وألوان الشعب العراقي، ولا يتم ذلك ما لم ينضم إليها العراقيون بعربهم وأكرادهم، بشيعتهم وسنتهم، بمسلميهم ومسيحييهم. صحيح أن للأكراد خصوصية وأن هناك الأحزاب الرئيسية الكردية التي تعتبر حليفة للأميركيين منذ سنوات طويلة كما هو حال المجموعات والأحزاب المتعاونة مع سلطة الاحتلال، لكن مسألتي الوطن والدين تعتبران من الثوابت لدى عدد من أبناء الطوائف القومية والدينية، ولذلك فإن من المعتقد في حال وضوح أهداف المقاومة وتمكنها من إثبات وجودها -ويبدو أن ذلك بات أمرا متحققا- أنها سوف تكون نواة لانطلاقة وطنية باتجاه مقاومة واسعة يقر المجتمع بشرعيتها على أساس مستقبل واعد للعراقيين يؤمن الرفاهية والديمقراطية والحرية للجميع، وهذا لابد أن يتضح من خلال برنامج سياسي يجب على المقاومة إعداده وإعلانه دون تأخير إن لم يكن قد ظهر بعد، والذي يجب أن يركز على طرد المحتل وإقامة دستور فيه ضمانات كافية لتداول السلطة ومنع احتكارها، واحترام لحقوق الإنسان وضمان العدل وسيادة القانون في ظل مساواة تامة للجميع أمام القانون.

2- نظام الحكم
يخطئ من يقول إن الولايات المتحدة جاءت إلى العراق محررة، وخطؤه يأتي إما عن جهل وإما عن تعمد. لقد خسرت الولايات المتحدة الكثير سواء في الأموال أو في الأرواح وليس من المعقول أن تقدم ذلك فقط من أجل تغيير النظام في العراق حبا للعراقيين، وهي تعرف جيدا وعي الشعب العراقي السياسي ومواقفه المعروفة من سياساتها الخاصة بالقضية الفلسطينية. إن ما تدعيه إذن هو مجرد وهم ودعاية، وعلى أي حال لا توجد أي مؤشرات من جانب الاحتلال توحي بشيء من ذلك وتعطي الأمل في السير بهذا الاتجاه. العلاقات الدولية السلمية منها والحربية هي في محصلتها مصالح تتراوح بين ما هو جوهري وأساسي وما هو ثانوي أو أقل أهمية، ولذلك فالتركيز عادة ما يتم على المصالح الجوهرية مع إمكان التضحية بالثانوي منها لأغراض تكتيكية أو حتى إستراتيجية.

إن تحقيق حلم العراقيين بحكم أنفسهم طبقاً لدستور ديمقراطي وبأن تكون صناديق الاقتراع هي الحكم في تسيير أمور الدولة أمر ممكن جدا وعملي إذا ما خلصت النيات، ولكن مثل هذا الحلم الجميل لا يمكن أن يتحقق في ظل الاحتلال لأنه يتعارض تماما مع مصالح الولايات المتحدة الأساسية في الأمدين القريب والبعيد. ولكن بعد أن تطمئن الولايات المتحدة إلى حسن سير مشروعها وبشروطها، أي بعد تدجين الشعب العراقي أو على الأقل الاطمئنان إلى قيادات مخطط لها أن تقود العراق في مرحلة ما بعد "الاستقلال" والتي يمكن أن تكون القيادات الحالية أو بعضها التي ستستمر بالتعاون التام مع الولايات المتحدة، إن لم نقل تأتمر بأمرها. لكن العوامل الحاكمة على الأرض متغيرة جداً واحتمالات تغليب عامل على آخر أمر ممكن وبسرعة. أما إذا أخذنا بنظر الاعتبار العوامل الخارجية التي ترتبط بدول الجوار بصورة خاصة فإن مشاكل جوهرية خطيرة ينبغي توقعها وسيكون لها دورها الواضح في صيرورة عراق المستقبل إن لم يتم التحسب لها -بحساسية عالية- وطنيا وعربيا ودوليا.

إن اعتماد الطائفية السياسية في تشكيل مجلس الحكم الانتقالي وتوزيع الحقائب الوزارية على الأساس ذاته سوف تكون لهما انعكاساتهما المستقبلية القريبة والبعيدة ليس فقط على دستور عراق المستقبل وإنما على مجمل الحياة العامة.

ستحاول الأحزاب والمجموعات التي تنهض بالمسؤولية بالاشتراك مع المستعمر المحتل أن تكرس هذه المكاسب الآنية وتجعل منها قاعدة عمل مستقبلية في إدارة شؤون العراق، خاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن الاحتلال سيبقى بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى فترة غير قصيرة، ولذلك فإن وجوده سيكون مرهوناً بمدى انسجام هذه الأحزاب فيما بينها وقبولها بالمكاسب المتحققة لها ومدى إحكام سيطرتها على الأوضاع ومدى استمرار سيطرة الولايات المتحدة على قيادات هذه الأحزاب التي يجب ألا تنسى أن استلامها الحكم قد تم بإرادة أميركية أو بريطانية وليس بإرادة شعبية، بانتظار ما ستؤول إليه الأمور في قبول الشعب العراقي أو رفضه لها أو لبعضها إن سمح له بذلك، وكذلك مدى ولاء بعضها لقوى أجنبية أخرى إقليمية وعربية ودولية لها فضل كبير في تنميتها وإدامتها وتمويلها ودعمها سياسياً وأيدولوجياً.

لذلك فإن وحدة العراق التي يعلن الجميع تمسكه بها مرهون بمدى استقرار الأوضاع بالصورة التي رسمتها الولايات المتحدة، فإذا حدث هناك اختلال ما فإنه سيؤثر كثيراً ليس فقط في الوجود الأميركي بل في وحدة العراق ومستقبله، خاصة أن التكريس الطائفي والعرقي قد فعل فعله وسيكون من الصعب العودة إلى مستوى آخر أو نظام آخر، ولن يكون الدستور الجديد أكثر من هيكل من دون حياة. فكم من "ديمقراطيات" ليس لها من الديمقراطية غير الاسم ولكنها تحظى برضى الولايات المتحدة.

3- المواقف العربية
لا يوجد موقف عربي موحد من قضية العراق في الماضي ولا في الحاضر ولن يكون كذلك في المستقبل. لا بل حتى المواقف الموحدة الرسمية "في إطار الجامعة العربية ومؤتمرات القمة العربية" التي عرفناها في السنة الأخيرة تبين أنها غير حقيقية بل كانت استجابة ظرفية لمطالب شعبية لم تلبث أن تلاشت واختفت مع وقوع الحرب واحتلال العراق.

لقد تأكد أن الموقف العربي من العراق لا تحدده مؤتمرات القمة ولا الجامعة العربية، بل تشكله العلاقة بين الولايات المتحدة وكل دولة عربية على حدة، ولذلك نرى شكل ومضمون هذه العلاقة يتغيران بسرعة كبيرة بحسب قوة الضغط الأميركي الذي يصل حد التهديد، وهو أمر لا تقوى عليه حكومات عربية عديدة.

لقد فرضت الحرب منطقها كما فرض مآل الحرب منطقه، والدول العربية مهما كان حسن نيتها ومهما كان رد فعلها من الحرب قبل أن تنشب أو بعد ذلك، فهي الآن أمام واقع جديد فرضه الاحتلال الذي نصب "حكومة" جديدة تقوم على مفاهيم جديدة، وهي مناسبة جيدة لمن يريد من الدول العربية -تحت شعار الأمر الواقع- التخلص من التزاماته القومية التي أعلنتها قرارات القمة. وقد حدث ذلك فعلا بالنسبة إلى جميع الدول العربية دون استثناء، وإلا.. فأين مؤتمر القمة الطارئ الذي كان يجب أن يكون في حالة انعقاد دائم خلال الحرب؟ وأين هو بعد أن تم الاستيلاء على العراق واحتلاله عسكريا.. ميثاق جامعة الدول العربية؟ وأين معاهدة الدفاع العربي المشترك؟ إذاً نحن أمام حالة عجز سياسي عربي تام ستنعكس في الأيام المقبلة على واقع عربي جديد تختفي فيه جميع المفردات التي كانت تستخدم في المحيط السياسي العربي لتحل محلها مفردات جديدة مسيطر عليها تماماً من قبل الولايات المتحدة وبما يتلاءم والصورة الجديدة التي تريدها لمنطقة الشرق الأوسط.

أما في شأن التعامل مع العراق فستنتهي الأمور بسهولة في قبول التعامل مع "مجلس الحكم ومع الوزراء" الذين عينتهم سلطات الاحتلال، وسيكون الأمر الواقع هو المبرر لذلك. وفعلا جاءت تصريحات ومواقف كثيرة من مسؤولين في الجامعة العربية أو في دول عربية لتشير إلى عدم ترك العراق والشعب العراقي وحدهما، ولتحقيق ذلك لابد من التعامل مع سلطات الاحتلال بما فيها ما يسمى مجلس الحكم ووزراءه المعينين من قبل حكومة الولايات المتحدة.

لكن الموقف العربي الذي كان يمكن أن يأخذ منحى آخر لو استطاع الجيش العراقي والنظام العراقي السابق مواجهة القوات الأميركية لفترة أطول، يمكنه أن يتغير إذا ما استطاعت المقاومة العراقية إثبات قدرتها على المطاولة والاستمرار.

الاختلافات في المواقف بين الدول العربية في الشأن العراقي هي اختلافات في مدى الضعف ومدى نسبة الانسجام والتطابق مع الموقف الأميركي، وهي اختلافات غير مؤثرة عموماً في سير الأحداث، وإن المستقبل القريب سيجعلها تقترب أكثر فأكثر بعضها من بعض تحت ذرائع وحجج كثيرة، منطقية أحيانا ولكنها غير مقبولة مطلقا إذا أخذنا في الاعتبار المصالح العربية العليا، الآنية منها والمستقبلية.

اختلاف المواقف هذا يتفاوت بين تطابق بالرأي بين بعض الدول العربية والولايات المتحدة باعتبارها دولاً شاركت مع التحالف في شن الحرب على العراق، وأخرى لم تشارك ولم تساند بل وأخذ بعضها موقفا متميزا قبل العدوان وخلاله، ولكنه بدأ يتراجع بعد أن وضعت الحرب أوزارها وتم احتلال العراق.