عبد المنعم سعيد

يشكل "الوضع الدولي" واحدا من أهم مكونات "البيئة" التي جرت في ظلها هزيمة يونيو/حزيران 1967 بالنسبة للدول العربية التي خاضت الحرب، ولكنها -بالتأكيد- لم تكن المحدد الوحيد حيث كانت هناك مكونات أخرى لا تقل أهمية يقع في مقدمتها الأوضاع الداخلية ومكونات وأشكال القيادة العسكرية والمدنية في الدول العربية.

والحقيقة أنه عند المقارنة بين هذه المكونات مجتمعة منذ أربعة عقود والآن فإن "النظام" و"الوضع" الدولي هو الذي تعرض لانقلاب كامل وثوري بينما ظلت الأوضاع الأخرى داخل الدولة العربية -من حيث الجوهر- على ما هي عليه.

فقد تغير الوضع الدولي مما عرف باسم "الحرب الباردة" في عالم من "القطبية الثنائية" إلى وضع "العولمة" حيث يسود النظام الرأسمالي العالمي وتفرد الولايات المتحدة بقيادة هذا النظام وحصولها على مكانة خاصة لا يوجد من يناطحها عليها.

ورغم هذا التغير في الحالة العامة للنظام الدولي فإنه ينبغي التنويه إلى أنه لا توجد حالة نقية لأي منهما -الحرب الباردة والعولمة- حيث تعرض أولهما لفترات مختلفة من الحدة والوفاق، كما اختلف ثانيهما في أمور متعددة قبل وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001.

قبل حرب 67
الوضع الدولي الراهن
ما بين الزمنين

قبل حرب 67

"
في الشرق الأوسط استجابت السياسات الإقليمية لمناخ الحرب الباردة في فترة الخمسينيات والستينيات، ففي عام 1967- عشية النكسة- تجسدت هذه الحالة حول صراع الحرب الأهلية في اليمن حينما انقسمت الدول العربية بين دول عربية "تقدمية" ودول أخرى "رجعية"
"

وقد عكس هيكل توزيع القوة في العالم بعد عام 1945 عالم ثنائي القطبية ينقسم إلى كتلتين عظميين، وسيطر على السياسة الدولية صراع سياسي وأيدولوجي في أوروبا بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة.

وقامت هاتان القوتان العظميان بتنظيم قوتهما من خلال مجموعة تحالفات كان لكليهما فيها الميزة السياسية والعسكرية. وفي نهاية الأمر انتشر النزاع من أوروبا إلى آسيا إلى الشرق الأوسط إلى أفريقيا وإقليم الكاريبي وأميركا اللاتينية.

وقد كيفت القوتان العظميان التنافس بينهما مع نماذج متغايرة الخواص ومتدفقة للسياسات الإقليمية والمحلية والتي تصاعدت نتيجة انهيار النظام الاستعماري في العالم.

ولم ينقسم العالم وفقا لخطوط عسكرية وإستراتيجية ولكن أيضا على مستوى الحدود السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وقد عكس إدراك كل كتلة للأخرى مثل هذه الانقسامات، وفي فترة الحرب الباردة مثلت تلك الثنائيات مثل استعماري وتحرري، أو اشتراكي ورأسمالي، واستبدادي وديمقراطي، شعارات لعالم ثنائي القطبية.

ومن الناحية العملية، كانت الحرب الباردة في الأساس عبارة عن مباراة ذات عائد صفري بين القوتين العظميين اللتين ظنتا أن أي عدوان بواسطة دولة صغيرة، أو إجراء تغيير في نظامها السياسي، من شأنه تحويل التوازن الدولي للقوة تجاه واحدة من الكتلتين.

ونتيجة الحرب الباردة، انغمست القوتان العظميان بعمق في داخل الأزمات الإقليمية بالشرق الأوسط، مما زاد من خطر الصراعات وعدم الأمان في المنطقة. وفي مناسبتين كان هناك تهديد أميركي صريح باستخدام القوى الإستراتيجية النووية، أزمة الصواريخ الكوبية، وحرب أكتوبر/تشرين الأول عام 1973 بين العرب وإسرائيل.

وفي واقعة واحدة فقط، وخلال أزمة السويس عام 1956 هدد الاتحاد السوفياتي صراحة باستخدام القوة النووية، وبسبب تصاعد رغبة القوة العظمى لمنع تواصل دولة أو أكثر من دول الشرق الأوسط مع القوة العظمى الأخرى فقد تحولت المنطقة إلى أكثر المناطق اختراقا في العالم.

ونتيجة اعتماد دول الشرق الأوسط على المساعدات العسكرية والاقتصادية المقدمة لها من القوى العظمى، فقد كان على السياسات الإقليمية الاستجابة للتصاعد والانخفاض في حدة الصراعات العالمية.

وفي الشرق الأوسط استجابت السياسات الإقليمية لمناخ الحرب الباردة في فترة الخمسينيات والستينيات، ففي عام 1967-قبل الحرب- تجسدت هذه الحالة حول صراع الحرب الأهلية في اليمن حينما انقسمت الدول العربية بين دول عربية "تقدمية" تشمل مصر وسوريا والجزائر والعراق ودول أخرى "رجعية" أو محافظة وتشمل المملكة العربية السعودية والأردن والمغرب.

وكان كل من قطبي "الحرب الباردة" العربية مناصرا لواحد من الأطراف المتصارعة في اليمن، فكان التقدميون إلى جانب الجمهوريين بينما بقي الرجعيون إلى جانب الملكيين.

وفي الشرق الأوسط على وجه العموم لم تكن الحرب الباردة العالمية أقل حدة، فقد وقف السوفيات إلى جانب القوى "التقدمية" تسليحا وتأييدا، بينما وقفت الولايات المتحدة مناصرة للقوى المحافظة ومعها إسرائيل وتركيا.

الوضع الدولي الراهن

هذا الوضع الدولي تغير بصورة جوهرية منذ سقوط سور برلين في نوفمبر/تشرين الثاني 1989، فقد انهار الاتحاد السوفياتي ومعه كتلته الاشتراكية ونظامه الاشتراكي وامتد حلف الأطلنطي إلى الحدود الروسية نفسها.

وولدت الثورة التكنولوجية الجبارة عبر خطوط الطول والعرض في العالم موجات شتى من التغير في اتجاه السوق الرأسمالية والاندماج الاقتصادي بين الأقاليم المختلفة لم تلبث أن عبرت عن نفسها في حركة مؤسسات دولية قائمة كما خلقت مؤسسات جديدة مثل منظمة التجارة العالمية.

ولكن هذا التغير الذي بات معروفا "بالعولمة" لم يكن متزامنا ولا متساويا في كل أنحاء العالم، وإنما توقف الأمر على قدرة هذا البلد أو ذلك على الاستجابة لعمليات بالغة التعقيد والتركيب. وبشكل ما، ووفقا لكثير من المعايير فقد مثل الشرق الأوسط بتعريفه الواسع من حدود الصين وحتى المحيط الأطلنطي حالة من الانقطاع مع تيار العولمة في العالم، وحيث اجتمع العالم العربي على لحظة واقعة بين التردد والمعارضة للتغيرات التي تجري في الدنيا كلها.

ومن هنا تأتي أهمية الشرق الأوسط والمنطقة العربية بالذات، فهناك دول إسلامية مثل إندونيسيا وماليزيا حسمت أمرها باللحاق بالعولمة والمشاركة والتأثير فيها، والمسلمون في الهند انخرطوا في عملية كبرى للمشاركة بالعلم والمعرفة في ذات العملية، وتركيا تحاول بأسنانها وأظافرها أن تبقى جزءا من العملية التاريخية الكبرى للتقدم في القرن الواحد والعشرين.

أما المنطقة العربية فهي وحدها التي تخفت فيها إلى أقل الدرجات معالم الحماس للمشاركة فيما يجري في العالم، وترتفع فيها -على العكس- نوبات للمقاومة ليس فقط للعولمة ذاتها بل أيضا لكل ما يتعلق بها من إصلاح ويعتبرها كثيرون نوعا من الهيمنة والشر المستطير.

وقد أصبحت هذه الأسباب مضاعفة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 حيث بات الشرق الأوسط، وخاصة المنطقة العربية، هي المسرح الرئيسي للتفاعلات الإستراتيجية والأمنية العالمية باعتبارها مصدر خطر على العولمة من ناحية نتيجة الرفض والإرهاب بالإضافة إلى كونها مصدر رفض ومقاومة للعولمة من ناحية أخرى.

وهكذا فإن المنطقة العربية والشرق الأوسط التي كانت واحدا من المسارح الهامة للحرب الباردة، أصبحت المسرح الرئيسي للحرب في فترة العولمة، وتعددت مسارح هذه الحرب من أفغانستان إلى العراق إلى الصومال إلى لبنان إلى السودان، وحتى القضية الفلسطينية تغيرت ملامحها القومية لكي تأخذ صبغة جديدة ذات ملامح حضارية واجتماعية وحتى دينية.

وقد خلق ذلك نوعا من الحنين العربي إلى فترة الحرب الباردة على اعتبار أنها كانت تتيح مساحة واسعة للمناورة بين القطبين المتصارعين، كما أنها كانت توفر نصيرا دوليا -سياسيا ودبلوماسيا وعسكريا- للدول العربية في قضاياها المختلفة وفي المقدمة منها القضية الفلسطينية.

ما بين الزمنين

"
خسر العرب الكثير خلال الحرب الباردة سواء فيما تعلق بالأرض واحتلالها في حرب 1967 ويبدو أنهم سوف يخسرون أكثر خلال العولمة لأنهم لم يتخذوا قرارا بعد أن يكونوا جزءا من العالم وليسوا خارجين عليه أو متلاعبين به أو آخذين بأسوأ ما فيه

"

ولكن الثابت من المقارنة بين الأوضاع الدولية بين الفترتين -الحرب الباردة والعولمة- أن العنصر الفيصل في الحالتين كانت القدرة العربية في الاستجابة المستقلة للحالتين.

فخلال الحرب الباردة خلق الانقسام العربي بين المعسكرين حالة من "الحرب الباردة العربية" كانت سببا رئيسا في الضعف العربي واستنفاد القوة العربية السياسية والعسكرية كذلك في منافسات عقيمة.

وكان اعتماد قوى عربية رئيسية مثل مصر وسوريا على الاتحاد السوفياتي اعتمادا على القوة الأضعف من الناحية التكنولوجية العسكرية، والأخطر كان استعارتها الكثير من نظامه السياسي والاجتماعي الشمولي والمتخلف، بينما كانت إسرائيل -وهي الطرف المقابل- تحصل على الديمقراطية والتفوق التكنولوجي العسكري والمدني معا من الجانب الأخر الأميركي والغربي في العموم.

وعشية حرب يونيو/حزيران كانت تلك العلاقة الإستراتيجية بين مصر وسوريا من ناحية والاتحاد السوفياتي من ناحية أخرى واحدا من أسباب الهزيمة الساحقة التي تعرضا لها حينما أساء تقدير الإشارات السوفياتية قبل الحرب فيما يتعلق بقدر المساندة والمساعدة التي يمكن أن يحصل عليها العرب من الجانب السوفياتي أثناء المعركة، حيث شكلت زيارة وزير الدفاع المصري شمس بدران لموسكو قبل الحرب مباشرة واحدة من الفصول التي أخلت بحسن تقدير القيادة المصرية للموقف من المعركة الوشيكة.

وفي نفس الوقت تعرضت مصر -باعتبارها خصما للولايات المتحدة وتقف في المعسكر الدولي الآخر- لنوع من الخداع الإستراتيجي الذي ضلل القيادة المصرية بصدد الحرب المقبلة، عندما دعت نائب رئيس الجمهورية المصري زكريا محي الدين لزيارة واشنطن يوم الخامس من يونيو/حزيران، مما خلق الانطباع في القاهرة أن هناك فسحة من الوقت للحصول على نصر دبلوماسي يماثل ذلك الذي حصلت عليه عام 1956.

ولكن محي الدين لم يقدر له مغادرة القاهرة لأن كافة المطارات المصرية كان قد جرى ضربها من قبل طائرات الفانتوم الإسرائيلية أميركية الصنع.

والحقيقة أن الأمر لا يختلف كثيرا الآن، فالعرب ليسوا غير جاهزين اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وتكنولوجيا للتعامل مع العولمة، بل إنهم بأشكال مختلفة يعيشون حالة من المقاومة لها سواء على المستوى العملي أو على المستوى القيمي والثقافي.

وكانت نتيجة هذا الوضع هو نمو تحالف عالمي واسع يتجاهل من ناحية القضايا العربية الرئيسية وفي المقدمة منها القضية الفلسطينية، وإنما أيضا يكاد يأخذ قرارا بفرض نوع من الحصار النفسي والسياسي -وأحيانا المادي والعسكري- على الدول العربية.

وكما حدث في زمن الحرب الباردة بأن أدت التفاعلات مع النظام الدولي إلى اتباع سياسات داخلية متخلفة وبدائية وتعتمد على النموذج السوفياتي في التطور والتنظيم، فإن الحالة العربية تحت تأثير العولمة لم تختلف كثيرا حيث أدت المواجهة الممتدة بأشكالها المختلفة إلى مقاومة لكل الاتجاهات المطالبة بالإصلاح الداخلي، ودعم الاتجاهات الأصولية الإسلامية في صورها الراديكالية والمعتدلة.

وقد كانت البداية في إساءة فهم وتقدير "النظام العالمي الجديد" بعد انتهاء الحرب الباردة عندما قام العراق بغزو الكويت في أغسطس/آب 1990 استنادا إلى توقع تجاهل الولايات المتحدة وحلفائها الأمر على اعتبار أن الأمر لا يزيد عن كونه نوعا من الخلافات الحدودية بين الدول العربية استنادا إلى فهم ناقص لتعبيرات قالت بها السفيرة الأميركية في بغداد.

ولكن العالم كان قد تغير وجرى بناء تحالف عالمي أجبر العراق في النهاية على الانسحاب من الكويت، وكان ذلك هو ذات التحالف الذي قام ببناء عملية السلام العربية الإسرائيلية خلال التسعينيات وإنقاذ شعوب البوسنة وكوسوفو الإسلامية في البلقان.

وشهر العسل هذا بين العرب والمسلمين لم يلبث أن انتهى مع النظام الدولي عندما جرت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 وخلقت تناقضا واسعا بين العرب والنظام العالمي الذي أخذ جبهات متعددة.

لقد خسر العرب الكثير خلال الحرب الباردة سواء فيما تعلق بالأرض واحتلالها في حرب يونيو/حزيران 1967 ويبدو أنهم سوف يخسرون أكثر خلال العولمة لأنهم لم يتخذوا قرارا بعد أن يكونوا جزءا من العالم وليسوا خارجين عليه أو متلاعبين به أو آخذين بأسوأ ما فيه.
_______________
مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، القاهرة.