*إعداد/ شفيق شقير

تعتبر حركة الإخوان المسلمين من أوضح الحركات الإسلامية منهجاً وفكراً، وأكثرها اعتدالاً ويسراً. ولكن برغم ذلك فإن منهجها لم ينج من اختلاف الباحثين بشأنه, ولم يسلم تاريخها من التباسات جعلت البعض يصفها بالتطرف، متهماً إياها بأنها تستبطن غير ما تعلن.

ولو تصفحنا عددا من كتب ومراجع الإخوان فإننا سنجد خطين متوازيين في الفكر الإخواني بقيا يمارسان تأثيراً على فكر حركة الإخوان عالمياً، الأول رسائل حسن البنا، والثاني فكر سيد قطب.

رسائل حسن البنا
تعتبر رسائل الشيخ حسن البنا -والذي يسمى بأدبيات الإخوان بالإمام الشهيد، ويوصف بالمجدد- أهم مفردات منهج الإخوان المسلمين وعمدة نظامهم الأساسي، وما تزال فعالة في نهج الحركة وفكرها.

وتربو على عشرين رسالة، تناولت مواضيع مختلفة في أوقات ومناسبات مختلفة، وتشتمل على آراء ومواقف دينية، وسياسية، واقتصادية، وتنظيمية وغيرها. كما إن إحداها تضمنت عشرين أصلاً احتفى الإخوان بها احتفاء خاصاً من حيث شرحها وتعليمها والالتزام بها.

صور من رسائل البنا


فدعوة حسن البنا برغم طابعها الإصلاحي ومضمونها التبشيري مثقلة بهم استعادة الحكم الإسلامي

أهم ما في رسائل البنا هو إعطاء دعوته صفة الشمولية تبعاً لطبيعة الدين الذي تنتمي إليه، فالإسلام دين ودولة، وسيف وقرآن. والوطنية حدودها أرض الإسلام والقومية تحدها تعاليم الإسلام.

فالبنا يقول في رسالة المؤتمر الخامس للإخوان: "نحن نعتقد أن أحكام الإسلام وتعاليمه شاملة تنتظم شؤون الناس في الدنيا والآخرة... فالإسلام عقيدة وعبادة, ووطن وجنسية, ودين ودولة, وروحانية وعمل, ومصحف وسيف".

وبناء على شمولية الإسلام يقرر البنا أن دعوة الإخوان المسلمين:

  1. دعوة سلفية: لأنهم يدعون إلى العودة بالإسلام إلى معينه الصافي من كتاب الله وسنة رسوله.
  2. وطريقة سنية: لأنهم يحملون أنفسهم على العمل بالسنة المطهرة في كل شيء، وبخاصة في العقائد والعبادات ما وجدوا إلى ذلك سبيلا.
  3. وحقيقة صوفية: لأنهم يعلمون أن أساس الخير طهارة النفس، ونقاء القلب، والمواظبة على العمل، والإعراض عن الخلق، والحب في الله، والارتباط على الخير.
  4. وهيئة سياسية: لأنهم يطالبون بإصلاح الحكم في الداخل وتعديل النظر في صلة الأمة الإسلامية بغيرها من الأمم في الخارج، وتربية الشعب على العزة والكرامة والحرص على قوميته إلى أبعد حد.
  5. وجماعة رياضية: لأنهم يعنون بجسومهم، ويعلمون أن المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف.
  6. ورابطة علمية ثقافية: لأن الإسلام يجعل طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة.
  7. وشركة اقتصادية: لأن الإسلام يعنى بتدبير المال وكسبه من وجهه.
  8. وفكرة اجتماعية: لأنهم يعنون بأدواء المجتمع الإسلامي ويحاولون الوصول إلى طرق علاجها وشفاء الأمة منها.

فدعوة حسن البنا برغم طابعها الإصلاحي ومضمونها التبشيري مثقلة بهم استعادة الحكم الإسلامي، ويقول البنا في هذا إن الإخوان "لا يطلبون الحكم لأنفسهم فإن وجدوا من الأمة من يستعد لحمل العبء وأداء هذه الأمانة والحكم بمنهاج إسلامي قرآني فهم جنوده وأنصاره وأعوانه، وإن لم يجدوا فالحكم من منهاجهم وسيعملون لاستخلاصه من أيدي كل حكومة لا تنفذ أوامر الله".

وابتداء من نقطة الحكم تخوض حركة الإخوان صراعها السياسي مع الأنظمة القائمة، وتوسلت لتحقيق ذلك إضافة لأهدافها الأخرى، شكلاً تنظيمياً خاصاً، اختارت له الصيغة الدولية (أي تنظيم يمتد في أكثر من دولة في العالم) وعملت بفاعلية على مستوى العالم العربي في بعض المراحل السياسية وتركت أثرا واضحاً في بعض دول العالم الإسلامي، مما جعلها موضع خصومة أكثر من نظام عربي وإسلامي، وموضع اتهام وإساءة، وتعرضت للمنع والحظر وبخاصة التنظيم المركزي في مصر، وتعرض عناصرها أكثر من مرة للملاحقة والسجن والإعدام أحياناً.

الأصول العشرون


وأبرز ما في الأصول هو الموقف من مسألة التكفير حيث يقول الأصل ما قبل الأخير: "ولا نكفر مسلما أقر بالشهادتين وعمل بمقتضاهما وأدى الفرائض.

في رسالة التعاليم يتحدث حسن البنا عن أركان بيعة الأخوان ويحصرها في عشرة أركان، أهمها "الفهم" أي فهم الإسلام ويقول موجهاً قوله للفرد الإخواني بأنه يريد من الفهم أن يفهم الإسلام في حدود الأصول العشرين، ثم يوجزها.

وأولى الإخوان هذه الأصول عناية خاصة، وجعلوها دستور دعوتهم، وشرحها الكثيرون من قادتهم التربويين ومشايخهم الفاعلين، وأبرز شرح كان للشيخ محمد الغزالي في كتابه "دستور الوحدة الثقافية".

وتؤكد الأصول في مطلعها على شمولية الإسلام لمظاهر الحياة وللدين والدنيا وللحكم والعقيدة، وتقرر مرجعية القرآن الكريم وفهمه وفق قواعد اللغة العربية، ومرجعية السنة وأنه يرجع في فهم السنة إلى رجال الحديث الثقات، بما يؤكد انتماء الإخوان للمذهب السني.

وتتناول الأصول بعض القواعد لضبط التفكير والممارسة الدينية في محاولة للتوازن ما بين التصوف وبين النزعات السلفية، فنجدها تخوض في مسألة الرؤى (الأحلام) وأنها ليست من أدلة الأحكام الشرعية، وكذلك تذهب إلى أن التمائم والرقى والودع والرمل والمعرفة والكهانة وادعاء معرفة الغيب, وكل ما ليس عليه دليل من آية أو حديث أو رقية مأثورة تجب محاربته.

وتعطي الأصول لرأي الإمام ونائبه فيما لا نص فيه سلطة اختيار وإقرار الأحكام وفق الظروف والعرف والعادات فيما لا نص فيه وتذهب إلى أن كل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم.

وأن لكل مسلم أن يتبع إماما من أئمة الدين، ويحسن به مع هذا الإتباع أن يجتهد ما استطاع في تعرف أدلته، وأن الخلاف الفقهي في الفروع لا يكون سببا للتفرق في الدين, ولا يؤدي إلى خصومة ولا بغضاء ولكل مجتهد أجره، وكل مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها من التكلف الذي نهينا عنه شرعا.

وتتناول أيضاً بعض مسائل الاعتقاد، مثل الإيمان بالآيات المتشابهة من غير تعطيل ولا تأويل وموقفهم المناهض للبدع في الدين، وغير ذلك مما يتفق مع النهج السلفي بالإجمال وقد يختلف مع بعض التيارات السلفية في التفاصيل.

وأبرز ما في الأصول هو الموقف من مسألة التكفير حيث يقول الأصل ما قبل الأخير: "ولا نكفر مسلما أقر بالشهادتين وعمل بمقتضاهما وأدى الفرائض -برأي أو بمعصية- إلا إن أقر بكلمة الكفر, أو أنكر معلوما من الدين بالضرورة, أو كذب صريح القرآن, أو فسره على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال, أو عمل عملا لا يحتمل تأويلا غير الكفر".

فكر سيد قطب


ومن المؤكد أن منطلقات سيد في التعبير عن قضيته تتلاقى مع فكر حسن البنا، لأن موضوع فكره بالأساس يدور حول وجوب تحكيم شرع الله

يقول محمد قطب أخو سيد: "فكر سيد قطب هو الامتداد الحقيقي لفكر حسن البنا, فحسن البنا في رسالة التعاليم يقول: "ولا نكفر مسلمًا بذنب متى نطق بالشهادتين وعمل بمقتضاها"، وسيد قطب يتحدث عن قيد أو شرط "وعمل بمقتضاها". فبرأي محمد قطب أن فكر سيد يدور حول العمل بمقتضى الشهادتين، وليس مجرد ترديدهما فقط.

ومن المؤكد أن منطلقات سيد في التعبير عن قضيته تتلاقى مع فكر حسن البنا، لأن موضوع فكره بالأساس يدور حول وجوب تحكيم شرع الله، وهو ما عبر عنه حسن البنا في المؤتمر الخامس للإخوان بقوله: "فإن قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة إسلامية لا يكفرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف. هذا كلام واضح لم نأت به من عند أنفسنا, ولكننا نقرر به أحكام الإسلام الحنيف". وبنفس الروح كانت جماعة الإخوان عام 1948 اعلنت معركة المصحف حتى تحدد الدولة موقفها من القرآن باعتباره المصدر للتشريع والحكم، وكتب البنا أربعة مقالات في صحيفة الإخوان اليومية، أنهى مقالته الأخيرة بقوله: "ليس بعد النصيحة أو البيان إلا المفاصلة أو الجهاد".

ووجه الاختلاف أن حسن البنا كرس نفسه للتنظيم وللإصلاح وأعطاهما الأولوية، أما سيد قطب فقد أعطى الفكر والاعتقاد السياسي الأولوية، فكرس نفسه للتمييز بين الكفر والإيمان في علاقة الحكم والحاكم بالمحكومين، علاقة النظام الكافر، والمجتمع المحكوم الراضي بهذا الحكم والآثار المترتبة على ذلك.

فسيد قطب قسم المجتمعات تقسيماً ثنائياً، مجتمع إسلامي وآخر جاهلي، يقول المفكر الإسلامي الدكتور محمد سليم العوا: "والإسلام -عند سيد قطب- لا يعرف إلا نوعين اثنين من المجتمعات، مجتمع إسلامي ومجتمع جاهلي. المجتمع الإسلامي: هو الذي يطبَّق فيه الإسلام عقيدة وعبادة، شريعة ونظامًا، وخلقًا وسلوكًا. والمجتمع الجاهلي: هو المجتمع الذي لا يطبق فيه الإسلام، ولا تحكمه تصوراته وقيمه وموازينه، ونظامه وشرائعه، وخلقه وسلوكه. ليس المجتمع الإسلامي هو الذي يضم ناسًا ممن يسمون أنفسهم "مسلمين"، بينما شريعة الإسلام ليست هي قانون هذا المجتمع، وإن صلى وصام وحج البيت الحرام… وقد يكون المجتمع -إذا لم يطبق الشريعة- مجتمعًا جاهليًا ولو أقر بوجود الله -سبحانه-، ولو ترك الناس يقيمون الشعائر لله في الِبَيعِ والكنائس والمساجد". ويضيف قائلاً "هاتان الفكرتان: (الجاهلية) التي أصابت المجتمعات الإسلامية -بل البشرية كافة- والتحرر منها والانعتاق من أسرها بتطبيق (الحاكمية)، هما الفكرتان الرئيستان في منهج سيد قطب الفكري، وهما الإضافة التي زوّد بها سيد قطب نهر الفكر السياسي الإسلامي. وحول هاتين الفكرتين تدور كل الأفكار الأخرى التي تصادفنا في كتب سيد قطب، وفي مقالاته، بل وفي تفسيره للقرآن الكريم "في ظلال القرآن"، كلما تعلَّق الأمر بالفكر السياسي أو بالحياة الاجتماعية".

وتبنت هذا الفكر مع تداعياته ومآلاته جماعات إسلامية، فكفرت المجتمع المسلم في الدول الخاضعة لغير حكم الله ولم يحرك ساكناً، واتهمته بأنه مجتمع جاهلي، بينما اكتفى قسم بتكفير النظام وأجهزته وأجازوا إباحة دماء من ينتمي لهذا النظام، وترتب على ذلك موجات عنف أصابت بعض الدول العربية ولا سيما مصر.

ولهذا الأمر قام حسن الهضيبي المرشد الثاني بعد حسن البنا -أثناء فترة سجنه عام 1969- بإجراء مراجعة لفكر الإخوان الذي ظهر خلال فترة الصدام مع النظام الناصري وعلى وجه التحديد ما ارتبط منه باجتهادات سيد قطب، فأكد في المراجعة على فكر الجماعة كما استقر به الأمر إبان حياة المؤسس حسن البنا، ووفقاً للأصول العشرين، وهو عدم تكفير أي من المسلمين، وأن واجب الدعاة هو الدعوة إلى الله فقط أما الحكم بالكفر من غيره فليس إليهم، وذلك في كتاب (دعاة لا قضاة)، والمشهور أن الكتاب أعده الهضيبي بنفسه فيما ينسبه بعض قياديي الإخوان إلى لجنة أعدت لهذا الغرض.

ولم يتردد الإخوان في تخطئة سيد قطب في بعض اجتهاداته، فأرجع البعض سبب ذلك إلى ظروف السجن وهول التعذيب الذي تعرض له، وأنه كسائر البشر يصيب ويخطئ وأخطأ في بعض اجتهاداته، والبعض الآخر قال إنه أسيء فهم الرجل بسبب بعض العبارات التي توهم غير ما يعتقده حقيقة.

ويظهر الإخوان حرصاً على الاستفادة من مؤلفات سيد قطب ولكنهم يشددون على التزامهم بالمنهج الذي أرساه البنا في تقديم الإصلاح والنصح للأمة، وهو ما استقر في كتابات بعض شيوخهم المعاصرين من أمثال الشيخ يوسف القرضاوي والشيخ فيصل مولوي.
ــــــــــــــــ
* قسم البحوث والدراسات-الجزيرة نت
- المصادر:

1- الفكر الإسلامي في الفكر السياسي المصري، محمد العوا.
2- الفكر السياسي للإمام حسن البنا، إبراهيم بيومي غانم.