حلمي موسى

الدولة والعودة
العائق الوجداني 
العائق البرنامجي 
العائق المؤسساتي

أثار الخلاف الأخير بين حركتي فتح وحماس في قطاع غزة حول نتائج الانتخابات المحلية جدلا حول قدرة الشعب الفلسطيني وفصائله المقاومة على تحقيق ما بات يعرف بالحلم الفلسطيني.

الدولة.. والعودة

"
الدولة الفلسطينية بمعطياتها القائمة والمنظورة
هي دولة
بعض الشعب على بعض الأرض
ببعض السيادة
"

والواقع أن الحلم الفلسطيني بشكل من الأشكال هو أمر مختلف عليه ويتعرض لتأويلات وتفسيرات مختلفة.

فهل الحلم هو إقامة الدولة الفلسطينية أم أنه العودة إلى أرض الوطن. بل يمكن الذهاب أبعد من ذلك إلى القول بوجود محاولة لإظهار أن الحلم الفلسطيني بالدولة كان أبديا في حين أنه الأحدث تداولا في سوق المفاهيم السياسية.

فالنضال الوطني الفلسطيني منذ بداياته لم يمنح فكرة الدولة حيزا واسعا وكان يرى بنفسه جزءا لا يتجزأ من النضال القومي العام من أجل التحرر والاستقلال.

بل إنه الآن وبعد إقامة السلطة الفلسطينية يصر في مشروعه الدستوري على أن الدولة الفلسطينية هي خطوة باتجاه إعادة توحيد الأمة العربية. غير أنه وبعيدا عن كل خوض في التفاصيل كانت العودة إلى الأرض أقرب لأن تكون الحلم لدى غالبية الفلسطينيين من إقامة الدولة.

ورغم الصراعات السياسية الهائلة التي دارت حول مفهوم الدولة طوال سني الكفاح الفلسطيني فإن الأغلبية الساحقة من فصائل العمل الوطني وجمهورها باتت تعتبر إقامة الدولة حلما. ويمكن القول من دون مجازفة إن هذه باتت قناعة الجميع في ظل تعقيدات النضال وطبيعة الاصطفافات المحيطة.

وقد تمكنت منظمة التحرير الفلسطينية في مسيرتها الطويلة من أن تكون في نظر أغلبية الفلسطينيين "وطنا معنويا" يعوضهم جزئيا عن غياب الوطن الحقيقي. وعمدت إلى إقامة أجهزة شبيهة بأجهزة الدولة ولكن ذلك لم يحسن كثيرا فرص انطلاقة الفلسطينيين نحو إقامة الدولة، فالمشاكل التي تعانيها كل دول العالم الثالث عند إقامة كيان جديد تتكرر دون اختلافات كبيرة في الحالة الفلسطينية.

والواقع أن المصاعب القائمة والمتوقعة لدى الفلسطينيين في طريق إقامة دولتهم باتت أكبر من المتوقع لتداخل عوامل كثيرة. وبخلاف العوامل الموضوعية الإسرائيلية والإقليمية والدولية فإن العوامل الذاتية الفلسطينية متنوعة ومتداخلة.

وتنبع بعض هذه العوامل من المعطيات الموضوعية التي تكسبها خصوصيتها، فالشعب الفلسطيني الذي يبلغ تعداده اليوم حوالي تسعة ملايين يعاني من واقع أن أكثر من نصفه يعيش خارج وطنه وأن حوالي نصف من بقوا في وطنهم يعيشون خارج ديارهم.

ومن المؤكد أن لهذه الحقيقة أثرا حاسما على الموقف من الدولة الفلسطينية بصيغتها العملية. كما أن وجود دولة فلسطينية منزوعة السلاح ومحدودة السيادة تحت رحمة دولة قوية مثل إسرائيل يبقي الموقف من الدولة بوصفها "تسوية" ظلما يستدعي التمرد في كل حين، فمن الصعب على الفلسطيني الذي تربى على أنه صاحب الأرض أن يبقى غريبا عنها وهي موجودة أمامه.

والواقع أن هذه هي العقبة الأولى التي تعترض تعايش الفلسطيني مع تحطيم حلمه، فالدولة الفلسطينية بمعطياتها القائمة والمنظورة هي دولة بعض الشعب على بعض الأرض ببعض السيادة. ومن الطبيعي أن



الفلسطيني الذي دفع كل تلك التضحيات لا يقبل أن تكون هذه هي النتيجة بصرف النظر عن الاتفاقات والعوائق الموضوعية.

العائق الوجداني

"
يصعب تخيل حالة نفسية وثقافية اعتيادية لدولة فلسطينية متصالحة مع إسرائيل من دون حل عادل غير متوفر لمشاكل حق العودة والسيادة والأرض
"

تشير التجربة التي خاضتها السلطة الفلسطينية حتى الآن إلى حقيقة أن أحد الأسباب التي أعاقت بلورة التجربة المؤسساتية للدولة في حالة التكوين هو العامل النفسي.

إذ إن كل شعب يملك في وجدانه أسطورة مؤسسة لهويته، ومن البدهي أن أسطورة التأسيس الفلسطينية تقوم على مجابهة المغتصب للأرض.

وإسرائيل في نظر الفلسطينيين هي الشر المطلق، لذلك فإن إقامة الدولة عبر المفاوضات وضمن توازن قوى في غير مصلحة الفلسطينيين لا يسمح بتجسيد الحد الأدنى من مقومات الأسطورة المؤسسة.

فهذه الدولة لا توفر حلا وجدانيا لا لملايين الفلسطينيين في الخارج ولا لأكثر من مليون فلسطيني في الأراضي المغتصبة عام 1948 ولا حتى لمطامح اللاجئين الفلسطينيين في الضفة والقطاع.

ونظرا لأن الدولة الفلسطينية المرغوبة لا تقترب من الحد الأدنى من الآمال فإنها, في الجوهر, تبقى حالة مفروضة للتعايش مع حلم مبتور، فلا الدولة في صورتها الجغرافية المترجمة في خريطة مرسومة تناسب الأمل، ولا الاتفاق المبرم على قاعدة اختلال التوازن يكفل للفلسطيني تجسيد حلمه بالتوحد مع محيطه العربي.

كما أن القيود السياسية والموضوعية التي ستفرض على قدرة الدولة على استيعاب اللاجئين فضلا عن نصوص السيادة المشروطة ستترك بالغ الأثر على إحساس الفلسطينيين بالغبن.

ورغم أن عددا من المثقفين الفلسطينيين, مثل الشاعر الكبير محمود درويش, حاولوا حل هذا الإشكال الوجداني من خلال القول بأن "فلسطين أرضي" وهذه دولتي فذلك في نظر الكثيرين غير كاف.

إذ يصعب تخيل حالة نفسية وثقافية اعتيادية لدولة فلسطينية متصالحة مع إسرائيل دون حل عادل غير متوفر لمشاكل حق العودة والسيادة والأرض.

فالشعب الفلسطيني بعد عقود طويلة من النكبات والاضطهاد والنضال والتضحيات صار أكبر من دولته المنشودة، وأكبر من الإطار الجغرافي المراد حشره فيه. وهذا يزيد الأمر تعقيدا ليس فقط بعد إقامة الدولة وإنما في الأساس قبلها.

وربما إدراك إسرائيل لهذا البعد دفعها طوال الوقت إلى محاولة نسف الثقافة والتاريخ والذاكرة الفلسطينية. ومن المؤكد أن هذه المحاولة إضافة



إلى سعي إسرائيل ضمن منطق الردع لتخليد صورتها البشعة في الذهن الفلسطيني والعربي يوفر الغذاء الكامل لبقاء هذا العائق.

العائق البرنامجي

"
إذا كانت الساحة الفلسطينية قد انقسمت منذ مطلع السبعينيات حول برامج التسوية والحل السلمي فإنها ما زالت, بشكل أو بآخر, منقسمة حول هذا الأمر حتى الآن
"

يمكن القول ومن دون إجحاف إن التجربة الفلسطينية مع البرامج السياسية لم تكن مشجعة قط، ولا يعني ذلك أن الفلسطينيين افتقدوا القدرة على صياغة برامج سياسية ولكنهم في الواقع ومنذ برنامج "النقاط العشر" في المجلس الوطني الفلسطيني لم يفلحوا في الاجتماع حول برنامج.

وعدا ذلك فإن طريقة التعامل مع البرنامج كانت موسمية ولم يشكل البرنامج مرشدا حقيقيا للعمل، وهذا ما يمكن ملاحظته من المواقف التي اتخذت في المجالس الوطنية المتعاقبة بخصوص طبيعة الدولة وأشكال النضال وآفاق الفعل.

وإذا كانت الساحة الفلسطينية قد انقسمت منذ مطلع السبعينيات بشأن برامج التسوية والحل السلمي فإنها ما زالت, بشكل أو بآخر, منقسمة حول هذا الأمر حتى الآن.

ورغم اختلاف الاصطفافات وانتقال ثنائية التقاطب الداخلي من فتح-اليسار إلى فتح-حماس لا زال الخلاف على حاله تقريبا. ورغم بوادر الاتفاق عبر مساعي الحوار الوطني بقي توصل الفلسطينيين إلى إجماع حول برنامج عمل سياسي لتحقيق الأهداف ووسائل النضال حتى الآن بعيد المنال.

ومع ذلك اقترب الفلسطينيون أكثر من أي وقت مضى من الاتفاق على ما بات يعرف بالثوابت والأهداف الوطنية، وتقف في مقدمة هذه الثوابت والأهداف إنهاء الاحتلال الإسرائيلي عن جميع الأراضي التي احتلت في حرب يونيو/ حزيران 1967 بما في ذلك القدس, وإخلاء المستوطنات وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس وحماية حق عودة اللاجئين إلى ديارهم واعتبار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.

كما أن هناك نوعا من الاتفاق على أن الانتفاضة والمقاومة والنضال السياسي والعمل الدبلوماسي هي وسائل وأشكال كفاحية مشروعة لتحقيق الأهداف الوطنية.

غير أن هذا التقارب والاتفاق  لم يوصل الفلسطينيين إلى القول بإجماعهم حول برنامج سياسي. والأهم أنه حتى لو تم الإجماع على مثل هذا البرنامج فليس هناك ما يؤكد التزام المؤسسات الفلسطينية به. وأثبتت كل



التجربة السياسية الماضية أن الاتفاق على برنامج شيء والالتزام به شيء آخر.

العائق المؤسساتي

"
ظلت المؤسسة الفلسطينية تدور حول الشخص وحول الحزب القائد دون أن تتبلور صيغ تسهل بلورة نهج ديمقراطي ما عرض المنظمة والسلطة لضغوط شعبية ودولية من أجل الإصلاح
"

ظلت منظمة التحرير الفلسطينية طوال أربعة عقود المؤسسة الأوسع تمثيلا للفلسطينيين. ورغم أنها لم تشهد قط انتخابات جدية فإن الغالبية الساحقة من الفلسطينيين والعرب والعالم رأى فيها ممثلا حقيقيا للشعب الفلسطيني.

وقد بقيت المنظمة بجميع مؤسساتها التشريعية والتنفيذية والخدماتية محكومة لنهج فردي أعاق بلورة وتطوير مؤسسة حقيقية. بل إن كل مراجعة لتاريخ منظمة التحرير يظهر أن مؤسساتها الإدارية والتمثيلية والقيادية كانت تغدو أكثر خواء رغم ازدهار عملها لأسباب أخرى.

ودون تطوير نهج سليم في قيادة الثورة وإدارة الصراع وصلت القضية الفلسطينية إلى منعطف مؤسساتي بعد اتفاقيات أوسلو التي سمحت بإقامة السلطة في الأراضي المحتلة.

ومن الوجهة العملية نشأت مفارقة مؤسساتية هامة، فمنظمة التحرير –حسب اتفاقيات أوسلو- هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني ولكن السلطة الفلسطينية هي المؤسسة المنتخبة والدولة في طور التكوين.

وبوجود الرئيس عرفات رئيسا للمنظمة والسلطة على حد سواء تداخلت المؤسستان بشكل أذاب الكبير في الصغير، فجرى إهمال المنظمة لحساب السلطة قبل أن تبدأ العقبات التي تعترض تطور السلطة.

وبرحيل الرئيس عرفات ظهرت هذه المفارقة بشدة، إلا أن أحدا لم يعمل على إصلاح الوضع، فهناك إرادة دولية تسعى لإبطال المنظمة لمصلحة السلطة، ولذلك عادت فتح لتضع رئيس السلطة محمود عباس رئيسا لدولة فلسطين.

وقادت الازدواجية الجديدة في المؤسسة الفلسطينية إلى بروز مواضيع إضافية للخلاف الداخلي. وكان من بين مظاهر ذلك التناقض بين الشرعيتين الثورية والانتخابية والعجز عن التوفيق بينهما.

وهذا ما تجلى مؤخرا في الخلاف الحاد داخل حركة فتح بين الرئيس محمود عباس ورئيس حركة فتح فاروق ألقدومي، وهو نفسه ما تجلى أيضا في الخلافات بين حركتي فتح وحماس حول نتائج الانتخابات المحلية وحول موعد إجراء الانتخابات التشريعية. 

ولذلك ورغم وجود مؤسسات يفترض أن تجد الحلول للمشاكل القائمة في المجتمع الفلسطيني في الداخل والشتات فإنه يجري الحديث في كل حين عن تشكيل قيادة فلسطينية موحدة، وتكمن المفارقة في أن الدعوة لتشكيل مثل هذه القيادة الموحدة كانت قائمة في ظل منظمة التحرير وهي قائمة في ظل السلطة.

وإذا كان لذلك من معنى فإن الهدف الحقيقي من إقامة هذه المؤسسات وهو تجسيد وحدة الفلسطينيين الوطنية لم يتحقق. وقد يرى البعض أن خصوصية النضال الوطني الفلسطيني هي التي تخلق هذه المفارقة وتستدعي جماعية القيادة والمشاركة في القرار الوطني. وهذا صحيح لكنه لا يحول دون إيجاد مرجعية متفق عليها لاتخاذ القرار.

فالمجلس الوطني والمجلس المركزي وحتى اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير كانت تشكل بطريقة تجعل المؤسسة شكلية تدور حول رجل واحد أو فصيل واحد. واليوم بوجود مجلس تشريعي لسكان الأراضي المحتلة تغيرت الصورة قليلا ولكن ليس بشكل جوهري.

وعلى سبيل المثال فإن التناقض بين موقفي قيادة فتح وكتلة فتح في المجلس التشريعي حول قانون الانتخابات أعاد إلى الأذهان صورة العمل في منظمة التحرير ولو بطريقة معاكسة.

لقد ظلت المؤسسة الفلسطينية تدور حول الشخص وحول الحزب القائد من دون أن تتبلور صيغ تسهل بلورة نهج ديمقراطي. وهذا ما عرض المنظمة والسلطة الآن لضغوط شديدة شعبية ودولية من أجل الإصلاح.

فهناك حاجة ماسة لتكثيف الخطوات نحو إصلاح شامل للوضع الداخلي الفلسطيني يقوم على أساس إعادة بناء المؤسسات الوطنية على أسس ديمقراطية تكفل التمثيل العادل والتعددية السياسية وتوفير ضمانات التداول السلمي للسلطة واحترام القانون وضمان الحريات.

فمن دون ذلك ستبقى القضية والدولة الفلسطينية التي تعاني من عقبات



موضوعية هائلة أمام طريق مسدود بسبب العوائق الذاتية رغم التضحيات الهائلة. 
________________
باحث في الشؤون الفلسطينية والإسرائيلية في جريدة السفير اللبنانية