هل من المقبول فتح ملف العلاقات العربية الأفريقية في زمن تردت فيه العلاقات العربية العربية ووصلت إلى هذا الحد من الإحباط وفقدان الثقة وتبادل الاتهامات؟ ألم يكن من الأولى توثيق الصلة بين إخوة البيت الواحد قبل الاهتمام بالجيران؟

المتأثرون بالواقع العربي الرديء يعتبرون مثل هذا الأمر ترفا فكريا يجيء في غير أوانه. أما من لا يزالون يحتفظون بتوازنهم الفكري وسط كل هذا الضجيج فيؤكدون أن أفريقيا كانت وستظل دائرة مهمة من الدوائر الإستراتيجية للعالم العربي, ربما تشهد مع نظيرتها الآسيوية تطورات جادة في السنوات القادمة خاصة بعدما اعترى العلاقات العربية الأميركية وهن واضطراب في أعقاب زلزال سبتمبر/أيلول وتوابعه.

من هنا كانت البداية مع هذا الملف, وفيه نتساءل عن الجذور التاريخية لهذه العلاقة, وكيف نسج الأسلاف خيوطها عبر قرون طويلة من الحراك والتفاعل الاجتماعي بمفهومه الواسع لتتجاوز مظاهر الجوار الجغرافي إلى أعماق الروابط الثقافية والبشرية والحضارية.

ووصلنا بعد جولتنا التاريخية هذه إلى واقع العلاقة وتحدياتها في المرحلة الحالية وتساءلنا.. إلى أين تسير؟ خاصة بعد أن تبدلت الظروف والأوضاع سواء على مستوى "الداخل" العربي والأفريقي، أو على المستوى الإقليمي لا سيما بعد تحييد متغير الصراع العربي الإسرائيلي، أو على المستوى الدولي بانتهاء حقبة الحرب الباردة وظهور التحديات المشتركة.

ولا يغيب عن بالنا ونحن نرصد ونقيِّم واقع هذه العلاقة أن نسلط الضوء على الدور الإسرائيلي في أفريقيا كيف بدأ وتطور حتى أصبح بعد 40 عاما يمثل تهديدا حقيقيا للأمن القومي العربي.

ولم نتوقف عند حد لفت الأنظار إلى هذا الدور وإنما تجاوزناه إلى التعرف على الرؤى الإستراتيجية التي تلزم صانع القرار العربي والأفريقي بأن يكشف ما يكون قد علق في المشهد من قتامة أو ما يكون قد أحاطت به من غمامة.

وبين ثنايا ما سبق وقبل الاطلاع على الجانب الاقتصادي في هذه العلاقة المتشابكة, كان من الضروري التمهيد لكل ذلك بالتعرف على بعض المفاهيم والمصطلحات كـ"الأفريقي" و"العربي" لفض الاشتباك بينهما وتحديد نقاط الالتماس والتداخل بين هاتين الدائرتين مع الإطلال على مؤسسات التعاون المشترك التي كثر عددها لنعرف هل تؤدي دورها بفاعلية أم أن هناك عقبات وقفت أمامها وجعلت الإطار الأنسب للعلاقة يتخذ منحى ثنائيا في عصر بات لا يعرف غير فكر التكتلات الإقليمية والدولية ولغة القوة وصوتها الراعد؟