لا شك أن أميركا جعلت مما تسميه هي  "الحرب على الإرهاب" لبنة أساسية في سياستها الخارجية والدفاعية. والجديد في تبني جورج بوش لمحاربة الإرهاب أنه جعل من هذه السياسة عقيدة للسياسة الخارجية والداخلية على حد سواء، أي أنه أصر على تمرير قوانين جديدة تحد من الحريات المدنية الأميركية باسم هذه الحرب المبهمة.
 
وعقبة بوش الأمنية تبلورت بعد 11 سبتمبر/أيلول على أساس أن الأمن الأميركي يتطلب الإصرار على انفراد أميركا بالعالم المنفرد القطب, والرافض, وإن بالقوة, لمحاولة بروز منافسين عالميين للسيادة العالمية الأميركية.
 
 
 
"
من بين توجهات أميركا في حربها على الإرهاب: تفضيل القوة على الدبلوماسية، وفرض رقابة مشددة على العرب والمسلمين وتحركاتهم، ومحاولة تنصيب "حامد كرزاي" في كل بلدان العالم العربي

"
الحرب الأميركية على الإرهاب بدأت تتأسس بعد "النصر" في أفغانستان, والذي أحدث نشوة في صفوف النخبة الحاكمة في البلاد. أي أن الولايات المتحدة آمنت بفعالية القوة العسكرية في تصديها ليس فقط فيما تصفه هي (وحدها أحيانا وإن جارتها في ذلك دولة إسرائيل) بالإرهاب، وإنما في مواجهة من يعترض على المشيئة السياسية والعسكرية للولايات المتحدة. ووصم الأعداء بالإرهاب أثبت فعالية سياسية (داخلية) حتى بعد شن الحرب ضد العراق لأن الشعب الأميركي كان شديد التأثر بالتخويف الذي قامت به الإدارة الأميركية عبر المساواة بين معارضي أميركا وبين الإرهاب.
 
أما بالنسبة لأسباب الحرب، فمن الضرورة النظر إليها كخيار وليس كمصير أو حتمية تاريخية. ومن الضروري التذكير بأن الكتب التي نشرت عن عهد بوش أكدت أن النقاشات التي دارت في أوساط النخبة الحاكمة لم تجمع على خيارات بوش بالنسبة لـ"الحرب على الإرهاب" حتى أن التسمية كانت مدار نقاش. فكيف يمكن محاربة فكرة, والإرهاب فكرة قبل أي شيء. وقد حاولت مستشارة بوش, كارن هيوز, عبثا صرف نظر الرئيس عن هذه التسمية. كيف يمكن أن تشن حربا على القومية أو على الديمقراطية؟ لكن التبسيط المفرط الذي يتحكم بـ"غرائز" بوش كما تسميها كوندوليزا رايس جعل من فكرة الحرب على الإرهاب من صلب التفكير المانوي والذي يقسم العالم على طريقة "جدانوف" أثناء الحرب الباردة, أو على طريقة بن لادن إلى فسطاطين, عقيدة أساسية لإدارة بوش الساعية إلى فكرة تصف عقيدة السياسة الخارجية وتلخصها.
 
لم يكن بوش في هذا فاشلا سياسيا لأنه استطاع أن يصل إلى الجمهور الأميركي الخائف بعد 11 سبتمبر/أيلول, ويؤثر عليه, لا بل يجيشه وراء الحروب التي بدأت في أفغانستان ولم تضع أوزارها بعد. وليس من المبالغة القول إن خطة بوش اعتمدت ليس فقط على عنصر الخوف الشعبي السائد بعد تفجيرات القاعدة وإنما اعتمدت أيضا على عنصر التخويف المتعمد والذي اعتمده بوش بنجاح شديد في حملة إعادة انتخابه.
وحرب بوش على الإرهاب هي عنوان معلن لسياسات غير معلنة. فهذه الحرب هي في الأساس غطاء لدوافع وتوجهات الإدارة الحاكمة, وهي:
  • الإصرار على وحدانية السيطرة الأميركية العالمية (سياسيا واقتصاديا وثقافيا) ومحاربة (بكل الوسائل) معارضيها.
  • فرض سيطرة أميركية شاملة ومباشرة في منطقة الشرق الأوسط ليس فقط لأهميتها الإستراتيجية وإنما بسبب تنامي المعارضة الشعبية العربية والإسلامية وتركزها في الشرق الأوسط. وزاد من ضرورة إدراج العالم العربي في صلب هدف "الحرب على الإرهاب" فشل الدعاية الأميركية الموجهة ضد المنطقة بالإضافة إلى فشل حلفاء واشنطن بالمنطقة في تطويع شعوبهم.
  • تفضيل القوة المفرطة على الدبلوماسية لتحقيق أهداف الإدارة الأميركية. 
  • فرض رقابة مشددة على العرب والمسلمين وتحركاتهم حول العالم, خصوصا في الدول الغربية. 
  • النظر إلى النموذج الصهيوني في فرض إرادة إسرائيل بالقوة المفرطة على الشعب الفلسطيني بعين الإعجاب، بالرغم من الفشل التاريخي للمشروع الصهيوني بسبب إرادة المقاومة والرفض لدى شعب فلسطين. 
  • الاستعانة بالأمم المتحدة عند الحاجة خصوصا بوجود أمين عام مطواع مثل كوفي أنان, وتجاهل المنظمة الدولية عند الحاجة أيضا. 
  • عدم التمييز بين المنظمات العربية والإسلامية ووصم معارضي الهيمنة الأميركية بالإرهاب. 
  • محاولة تنصيب "حامد كرزاي" في كل بلدان العالم العربي وعدم السماح لحلفاء أميركا ولو بهامش صغير من حرية الحركة والتعبير. 
  • تجاهل سيادة الدول من أجل حرية حركة قوات واستخبارات أميركا.
 

"
مارست أميركا سياسة خلط الأوراق ومزج كل الأعداء في بوتقة فوحدت بين صدام حسين وبين تنظيم القاعدة تحضيرا للحرب على العراق
"

ويجب النظر إلى الحرب الأميركية على الإرهاب من باب أفول الحرب الباردة وحاجة أميركا إلى رؤية جدية للعلاقات الدولية مبنية على عالم تسود فيه الولايات المتحدة على ما عداها. كما أن السجال الدائر بين الحزبين في الولايات المتحدة لم يكن محسوما بعد عندما حدثت تفجيرات أيلول. وهنا يبرز السجال في داخل الحزب الجمهوري نفسه. فالنزعة الجمهورية التقليدية, والتي مثلها كولن باول في الإدارة الأولي لبوش, وهي نزعة غير ممثلة اليوم في الطاقم الحاكم لان بوش ضاق ذرعا بها, تحاول أن تنأى بأميركا عن التدخل المباشر في عدد كبير من الدول حول العالم، ليس من باب الحرص على شعوبها ومصالحهم وإنما من أجل التركيز على الداخل الأميركي ودول أميركا الشمالية والجنوبية. وينفر الجمهوريون التقليديون من التدخل المباشر خشية تكرار حرب فيتنام.
 
أما من جانب منظري الحزب الديمقراطي, يرى عميد كلية السياسة السابق بجامعة هارفرد, جوزف ناي، في كتابه (القوة اللينة) أن هناك محاولة لتغيير أسلوب السيطرة الأميركية العالمية وليس هدفها. فهذا المنظر يود التشديد على ما يسميه القوة اللينة (مقابل القوة الصلبة في إشارة إلى استعمال العنف). ويحذر ناي وغيره من مغبة الاعتماد الكلى على القوة الصلبة لان ضمان السيطرة القائمة على القوة قصير المدى, وهو يدعو إلى الاعتماد المتزايد على الدبلوماسية العامة والدعاية السياسية من دون التخلي عن خيار ممارسة القوة.
 
وازداد الاعتماد الأميركي على خطاب وممارسة "الحرب على الإرهاب" قبل وأثناء الحرب الأميركية ضد العراق. وهذا الأسلوب احتاج إلى خلط الأوراق ومزج كل الأعداء في بوتقة واحدة حتى أن العداء المستحكم بين صدام حسين والقاعدة زال كليا في الدعاية السياسية الأميركية المحمومة والتي سبقت فترة التحضير للحرب. وتحاول الولايات المتحدة وحلفاؤها الصهاينة المزج اليوم بين حزب الله وبين القاعدة وذلك لتأليب رأي عام غير عليم بشؤون السياسة الخارجية. واستفادة إسرائيل من ذلك بل بزت الولايات المتحدة في استخدامها لخطاب "الحرب على الإرهاب" عبر العقود في محاولاتها الفاشلة لوأد المقاومة الفلسطينية.
 
 
ومما ساعد الولايات المتحدة في أيديولوجية "الحرب على الإرهاب" أن الأنظمة العربية جارت الحكومة الأميركية في مساعيها السياسية، وذلك ليس فقط لإرضاء الولايات المتحدة وإنما من أجل وصم معارضة الأنظمة العربية بالإرهابيين من أجل تسويغ قمعهم وتعذيبهم وقتلهم في كثير من الأحيان. ولم تحاول تلك الأنظمة تحدي الولايات المتحدة في مفاهيمها من أجل الوصول إلى أرضية عالمية مشتركة.
 
وسياسة رفض مفهوم الإرهاب من أساسه سياسة باطلة أخلاقيا وسياسيا. فهناك إرهاب حقيقي في العالم مثل الذي حدث في تفجيرات نيويورك أو مثل ضرب إسرائيل للبنان أو ضرب المدنيين بالطائرات من قبل قوات الاحتلال الأميركي في أفغانستان والعراق. لكن المشكلة تكمن في التعريف لا في التفاصيل كما يقول المثل الشائع. فالتعريف الأميركي الكلاسيكي تغير عبر السنوات وازداد مطاطية: فضرب الأهداف العسكرية الأميركية والإسرائيلية تحول أيضا إلى إرهاب, في الوقت الذي تنجو فيه أعمال إسرائيل ضد المدنيين والمدنيات من وصمة الإرهاب.
 
وهذا التمييع الأميركي في تعريف الإرهاب أضر بمصداقية المنهجية الأميركية, حتى لا نتحدث عن مصداقية السياسة المفقودة, لأن أعداء أميركا يستخفون في التعريف الأميركي للإرهاب لعلمهم أن تسييس المفهوم ووحشية واعتباطية الممارسة الأميركية في حربها على الإرهاب، زادت من الشقاق بين الخطاب الأميركي وبين اتجاهات الرأي العام العربي.
 
وهناك جانب تقييم نتائج الحرب على الإرهاب من منظور المصالح الأميركية, وهذا المنظور هو الذي سيؤثر بالنهاية على مسار "الحرب الأميركية على الإرهاب" بالإضافة إلى الوضع الميداني غير المؤات, على أقل تقدير. فمن ناحية عدد العمليات الإرهابية, فإن الإحصاءات الأميركية نفسها تظهر بما لا يقبل الشك بأن عدد العمليات الأميركية قد ازداد, حتى بالمعيار النهجي الأميركي, منذ أن شنت الولايات المتحدة حربها ضد الإرهاب. ويرتبط ازدياد العمليات الإرهابية, بالمعيار الأميركي, بتوفير الاحتلال الأميركي للعراق ساحة مفتوحة للتدريب والتفجير. ومن المفارقة أن الحرب التي سُوقت للشعب الأميركي تحت شعار الـ "حرب ضد الإرهاب" بالإضافة إلى ذرائع أخرى, ولدت المزيد من الإرهاب, وهذا ما عناه الرئيس المصري الذي حذر العالم من ولادة "مائة بن لادن" من جراء الحرب الأميركية ضد العراق. وإذا ما قسنا الأمن الأميركي على المدى البعيد نسبيا لوجدنا أن الرأي العام العالمي, وخصوصا العربي والإسلامي, ازداد عدائية ضد الولايات المتحدة بعد حربها على العراق، كما أتى في دراسات مؤسسة "بيو". كما أن السياسة الأميركية الداعمة بصورة مطلقة للعدوان الإسرائيلي على فلسطين ولبنان أضعفت من إمكانية التأثير على توجهات الرأي العربي بالنسبة للقضايا المتعلقة بالأمن والسياسة الخارجية.
 
 
"
لو صدقنا مزاعم النظام الأردني مثلا لوجدنا أن القاعدة تحاول القيام بعمليات تفجيرية في الأردن كل أسبوع تقريبا

"
لكن التناقض الرئيسي, والعقدة المتفجرة, في عقيدة بوش في حربه ضد الإرهاب، يكمن في التناقض بين الشعارات النظرية للسياسة الخارجية الأميركية بالنسبة لنشر الديمقراطية في العالم العربي، وبين التطبيقات العملية للحرب على الإرهاب والتي عززت أمن الأنظمة العربية المتسلطة والتي ترتبط مع الولايات المتحدة بصلات أمنية وعسكرية وثيقة.
 
استغلت الأنظمة المتسلطة في الشرق الأوسط وفي أماكن أخرى من العالم هذا الهوس الرسمي الأميركي من أجل اقتناص مساعدات أميركية سياسية واقتصادية عبر اختلاق تهديدات تتكرر دوريا. ولو صدقنا مزاعم النظام الأردني مثلا لوجدنا أن القاعدة تحاول القيام بعلميات تفجيرية في الأردن كل أسبوع تقريبا. حتى الصين أصبحت نازعة نحو تصوير الحركة الإسلامية غرب البلاد بأنها فرع لمنظمة القاعدة. ويبدو أن الولايات المتحدة حلت هذا التناقض عبر التقليل من الخطاب الرسمي المتعلق بنشر الديمقراطية، وإن كان بوش لا يزال مصرا في بعض خطبه على أن يدفع بالحرية قدما.
 
والعالم العربي اليوم عاجز عن بلورة جواب نظري فكري مواجه لخطاب بوش الرسمي لأن الجواب الحقيقي لا يمكن إلا أن يمر عبر مواجهة خطاب وممارسة الأنظمة العربية. والأنظمة العربية لا تقوى على مواجهة أميركا خصوصا، وأنها في الكثير من الأحيان تعتمد على الحماية الأميركية المباشرة, أو أنها ربطت مصائرها بمصائر انتشار القوة الأميركية في الشرق الأوسط. فهذه العقدة تحد من حرية حركة وكلام الأنظمة العربية، كما أنها تتعارض مع الإمكانية الحقيقية لنشر الديمقراطية هذا إذا ما غرقنا في السذاجة لنصدق المزاعم الأميركية في هذا الصدد.
 
أما التناقض الآخر والهام فقد برز في العدوان الإسرائيلي على لبنان ويكمن في المحدودية والجدلية المعاكسة للعنف المفرط والذي تستعمله أميركا وإسرائيل مستخدمتين ذرائع متشابهة. لا بل إن البطش العسكري الاعتباطي والذي لا يعير اهتماما لحقوق الإنسان أو حتى للاتفاقيات الراعية للحروب، يولد حركات عنفية متطرفة تقوم بما تشكو منه السياسات التي تدفع بالـ "الحرب الأميركية على الإرهاب." ولكن هذين التناقضين يشكلان مكمن الضعف في عقيدة بوش الأمنية والتي لا يمكن تلافيهما على الأقل بالسنتين المتبقيتين من عهده.
_______________
أستاذ العلوم السياسية بجامعة ولاية كاليفورنيا-ستانسلاس، وأستاذ زائر بجامعة كاليفورنيا في بيركلي