إعداد: قسم البحوث والدراسات

في سياق حديثة عن "ثورته" يقول هوغو شافيز إن إصلاحاته التي قام بها ليست رأسمالية ولا شيوعية ولا اشتراكية ولكنها بولفارية. والبولفارية نسبة إلى سيمون بولفار محرر أميركا الجنوبية من الاستعمار الإسباني في القرن التاسع عشر. هذه الإصلاحات تنبع -حسب شافيز- من ثورة ديمقراطية تتبنى التعددية سياسيا وتسعى إلى الإصلاح اجتماعيا وتقوم على السوق اقتصاديا.

وقد عانت فنزويلا من فساد مزمن خلال عقود عديدة من حكم الأحزاب اليمينية (الحركة الديمقراطية والحزب الديموقراطي المسيحي)، وقد أعلن حزب حركة الجمهورية الخامسة برئاسة هوغو شافيز عن برنامج إصلاحي يحاول أن يغير من مظاهر الفساد العامة.

مؤشرات الفساد في فنزويلا

تعتبر فنزويلا من أغنى دول العالم في النفط، إذ تقدر احتياطياتها النفطية بـ78 مليار برميل من النفط الخام، فهي بذلك تحتل المرتبة الخامسة من حيث امتلاك أكبر احتياطي نفطي في العالم. ونسبة الغاز من هذا الاحتياطي هي 30%، ولذلك تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي للغاز على مستوى أميركا. وقد بلغت عائدات الشركة عام 2001 مبلغ 6.2 مليارات دولار. ويضمن النفط أكثر من 75% من عائدات فنزويلا. إلا أن هذه الأرقام الكبيرة لم تعط نتيجة تذكر، ففنزويلا كغيرها من دول العالم الثالث ظلت تتميز بالفساد الاقتصادي والإداري وظل انعدام العدالة في توزيع ثروات البلاد بارزا. وتظهر مؤشرات الفساد في فنزويلا في كون:

  • تملك نسبة 10% من السكان 40% من ثروات البلاد بينما لا تملك الـ10% الأكثر فقرا من السكان سوى 1.6% من هذه الثروة.
  • تقع نسبة 80% من السكان تحت حد الفقر.
  • توجد نسبة 60 % من الأراضي الصالحة للزراعة في فنزويلا تحت سيطرة 10% من السكان.
  • يتقاضى كبار المسؤولين السابقين في شركة نفط فنزويلا "بتروليوس دي فنزويلا" من 20 إلى 50 ألف دولار شهريا تضاف إليها تكاليف مأموريات السفر وغيرها من العلاوات.
  • تهيمن الطبقة الأوليغاركية (Oligarchy) على مصادر البلاد الاقتصادية، والطبقة الأوليغاركية هي القلة المسيطرة على الثروات، التي تتصف بالفساد واتباع طرق غير مشروعة لإحكام سيطرتها على ثروات الدولة.
  • تم تهريب 90 مليار دولار (ثلاثة أضعاف دين فنزويلا الخارجي) إلى الخارج، وخاصة إلى ولاية فلوريدا الأميركية حيث يوجد كبار الأثرياء الذين لجؤوا إليها على مدار السنين.
  • ترتبط وسائل الإعلام المستقلة والواسعة الانتشار بالطبقة السياسية التقليدية والمجموعات الاقتصادية والمالية.

أبرز عناصر إصلاحات شافيز

على المستوى التشريعي

  • المصادقة على دستور للبلاد، حيث قام الرئيس شافيز نفسه بتفويض من قبل المجلس الوطني التشريعي بإعداده. ويصف مناصرو شافيز هذا الدستور بالثوري بينما يسميه هو "الدستور البوليفاري". ويسمح هذا الدستور بتطبيق جملة الإصلاحات التي أعلن عنها شافيز في برنامجه الانتخابي، وقد أقر في ديسمبر/ كانون الأول 1999.
  • القيام بسن تشريعات إصلاحية تناهز 49 قانونا تتلاءم مع هذا الدستور الجديد وتمس جميع القطاعات الحيوية اقتصادية كانت أم اجتماعية.

على المستوى الاقتصادي

  • القيام بتوقيف خصخصة قطاع البترول الفنزويلي باعتباره -حسب الرئيس- شريان الأمة.
  • فرض نظام ضريبي صارم، خاصة على المؤسسات النفطية.
  • القيام بتحديد ملكية الأرض المزروعة بألف هكتار للمزارع وإلزام ملاك الأراضي باستغلال أراضيهم، وإلا فإنها ستعطى لغيرهم من الطبقات المحرومة.
  • تخصيص جزء من الشاطئ الفنزويلي يبلغ 80 كلم للصيادين التقليديين فقط، ما وضع حدا أمام الاستغلال الاستنزافي الذي كان يمارسه أصحاب سفن الصيد الصناعي.
  • إنشاء مؤسسات للقرض الشعبي (بنك النساء، بنك الشعب...).

على المستوى السياسي والاجتماعي

  • تنظيم المجتمع الفنزويلي في ما يسمى "الدوائر البوليفارية" التابعة لحزب "حركة الجمهورية الخامسة" حزب الرئيس شافيز المؤسس عام 1998. والدوائر البوليفارية عبارة عن تجمعات تنظيمية تشمل جميع أحياء المدن والقرى الفنزويلية وتضم كل دائرة على الأقل 11 شخصا، وتقوم الدوائر بتشخيص حاجات كل حي والسهر على تطبيق إصلاحات الرئيس شافيز واقتراح الحلول للمشاكل المطروحة. ورغم أن "الدوائر البوليفارية" لا تتمتع في الوقت الراهن بصلاحيات تنفيذية فإن ممثليها يلتقون أسبوعيا في اجتماع عام يعلنون فيه حصيلة عملهم ويطرحون جملة من الاقتراحات. وتمتاز الدوائر البوليفارية بقدرات تنظيمية فائقة حيث يمكنها أن تجند الآلاف من الجماهير في سرعة عند الحاجة إلى ذلك. وتتهم معارضة شافيز "الدوائر البوليفارية" بأنها تنظيمات مسلحة تهدد مستقبل البلاد الأمني وتجعله على حافة حرب أهلية.
  • إزالة أحياء الصفيح بالمدن واستبدال مساكن حديثة بها تزيد على 92 ألف مسكن اجتماعي.
  • إصلاح شبكات المياه.

على المستوى التربوي والصحي

  • مجانية التعليم، وإنشاء مدارس خاصة تعرف بالمدارس البوليفارية تدرس إلى جانب المقررات الأكاديمية مادة "الإيديولوجيا البوليفارية" التي تركز على أفكار محرر أميركا من الاستعمار الإسباني خلال عهد الاستقلال سيمون بوليفار. وقد انتسب إلى "المدارس البوليفارية" أكثر من مليون طفل كلهم من الطبقات الفقيرة التي لم يحظ أبناؤها قط بقسط من التعليم. وتقوم "المدراس البوليفارية" بتطبيق نظام رعاية للتلاميذ وخاصة في المساء، مما يسمح لأمهاتهم بممارسة أعمال إنتاجية في الأوقات التي تتولي فيها المدارس البوليفارية حفظ أولادهن. وتتكفل الدولة بتوفير وجبتين غذائيتين كل يوم لهؤلاء التلاميذ. وتتهم المعارضة حكومة شافيز باستقدام هيئة تدريس من كوبا للعمل في مؤسسات فنزويلا التربوية، وهو أمر سيؤدي -حسب المعارضة- إلى نشر الفكر الشيوعي بين صفوف أبناء فنزويلا.
  • مضاعفة ميزانية التعليم.
  • تعميم نظام صحي وزيادة ميزانية الصحة بنسبة 8%.

على المستوى الإعلامي
يقوم شافيز كل يوم أحد بتقديم برنامج أسبوعي في الراديو الفنزويلي بعنوان "آلو يا رئيس = Hello Presidente”. فيجد بعض المستمعين المختارين الفرصة للتحدث مباشرة إلى رئيس الدولة فيطلبون منه بعض الخدمات لحيهم أو مدارسهم أو مستشفياتهم.

مستقبل إصلاحات شافيز
تتسم إصلاحات شافيز الاقتصادية والاجتماعية بكونها تجمع بين صفتين متناقضتين، فهي مقبولة جدا ومرفوضة جدا. فأنصار شافيز، وأغلبهم من الجيش والفقراء والطبقات المسحوقة من المجتمع الفنزويلي، يرغبون في الإصلاحات ويدافعون عنها في حين ترفضها المعارضة وعلى رأسها أرباب العمل والإعلام المستقل والنقابات وتسعى إلى محاربتها بكل الوسائل. فالإصلاحات الشافيزية إذن هي جوهر الأزمة الفنزويلية، ومستقبلها مرهون بتغلب أحد الطرفين على الآخر، طرف تكمن قوته في الجيش والجماهير وطرف آخر تكمن قوته في المال والإعلام.

_______________
* الجزيرة نت
المصادر
1 - بابلو آيكل: تغيير على الطريقة «البوليفارية»
لوموند ديبلوماتيك
2 - A propos de la République Bolivarienne du Venezuela
3 - Venezuela"s Chavez Warns Foes Against Plotting
4 - أرشيف الجزيرة نت