بقلم/ إبراهيم أحمد نصر الدين

رغم ما يمثله السودان من أهمية حيوية للأمن الوطني المصري، سواء فيما يتعلق بحماية كامل الجناح الجنوبي لمصر أو فيما يتعلق بالمصالح المائية التي تشكل شريان الحياة للشعب المصري، فإن مصر فيما يبدو قد تجاهلت الاهتمام بمشكلة الجنوب السوداني والسعي لإيجاد حل لها، إما عن عمد أو لأن السياسة المصرية قد حيل بينها وبين القيام بدور في هذا المجال من جانب قوى سودانية أو من جانب قوى إقليمية ودولية رأت من مصلحتها إبعاد القاهرة عن الساحة السودانية.

مدرستان متعاكستان
الموقف المصري من ملف جنوب السودان
تأثير اتفاق السلام على مصالح مصر

مدرستان متعاكستان


طغى على الفكر السياسي المصري تجاه السودان مدرستان، الأولى ترى أن سودانا منشغلا بمشاكله لا يطالب بتعديل حصص مياه النيل أفضل لمصر، وثانية ترى عكس ذلك

لقد كان التعامل المصري مع مشكلة جنوب السودان يسيطر عليه الحذر إلى حد كبير، ذلك أن التدخل المباشر قد تكون عواقبه أسوأ بكثير من التزام الحياد، ثم إن التزام الحياد قد يسفر عن إضرار بالأمن الوطني المصري ربما لا يمكن تفاديه. وإزاء ذلك لجأت مصر إلى استخدام أسلوب الدبلوماسية الهادئة في مسعى منها للحفاظ على علاقاتها مع كل القوى الفاعلة في السودان والعمل على تعزيزها، وقد كان هذا أمرا صعب المنال إزاء اضطراب خريطة القوى السياسية السودانية وتغير مواقعها من وقت لآخر.

واستنادا إلى ما تقدم فإن الدور المصري لتسوية مشكلة جنوب السودان ظل محدودا, إما تهوينا من شأن هذه المشكلة عندما اندلعت في البداية عام 1955 -وقبل استقلال السودان- والنظر إليها باعتبارها مجرد تمرد يمكن للحكومة السودانية القضاء عليه بسهولة، أو ربما يكون انفجار هذه المشكلة عامل ضغط على السودان ليقرر مصيره بالوحدة مع مصر بدل الاستقلال.

وقد يكون تردد السياسة المصرية في التدخل لتسوية مشكلة جنوب السودان راجعا إلى النظر إليها باعتبارها مسألة داخلية يمكن للحكومة السودانية حسمها، وأن التدخل المصري قد يؤدي إلى بزوغ الحساسيات التاريخية بين الشعبين بما يسمح لقوى داخلية مناوئة لمصر "الأنصار/ حزب الأمة- الجنوبيين" الاستفادة منها في اللعبة السياسية الداخلية.

ثم إن مصر في بداية ثورة يوليو/ تموز ومع بدء انتفاضة الجنوب عام 1955 كانت منشغلة بتدعيم أركان النظام الجديد من جهة، ومنشغلة بالدعوة إلى الوحدة العربية لمواجهة الاستعمار والصهيونية من جهة أخرى، في وقت كان الحس العربي في السودان مازال باهتا، فإذا ما أضفنا إلى ذلك تقدم المشكلات العالقة بين الدولتين والتي لم تجد لها حلا حتى تاريخه، وبالأخص مشكلتي الحدود ومياه النيل، لأدركنا مدى الصعوبة التي واجهت السياسة المصرية في سعيها للبحث عن دور لتسوية مشكلة الجنوب، خصوصا وأنها كانت عازفة عن خلق عداوات مع الجنوبيين ومع دول الجوار الجغرافي لجنوب السودان، وبخاصة إثيوبيا وأوغندا. وقد تواكب هذا وذاك مع عدم رغبة الحكومات السودانية المتعاقبة في قيام مصر بدور فاعل في تسوية مشكلة الجنوب، قد يزعزع مركزها أمام بعض القوى الداخلية المناوئة لأي دور مصري في السودان. إزاء هذا الوضع طغى على الفكر السياسي المصري تجاه السودان مدرستان:

  1. المدرسة الأولى: ترى أن السودان غير المستقر أفضل بكثير بالنسبة للأمن الوطني المصري، بحكم أنه سيظل منشغلا بقضاياه الداخلية منكفئا على نفسه، عاجزا عن ممارسة ضغوط على مصر لتعديل حصص المياه الواردة في اتفاقية مياه النيل لعام 1959، بل وعاجزا عن تسخير موارده الطبيعية والبشرية بشكل يجعل منه قوة تهدد الأمن الوطني المصري.
  2. المدرسة الثانية: ترى أن السودان القوي المعافى يمكن أن يشكل رصيدا إستراتيجيا لمصر على المستويين العربي والأفريقي، وأن ضعفه وسيادة حالة عدم الاستقرار فيه يمكن أن يسفر عن تفتيته وانتقال حالة عدم الاستقرار بمنطق العدوى (اللاجئين..إلخ) إلى مصر، بشكل يهدد الأمن الوطني المصري. وترى هذه المدرسة أن منطق التكامل بين الدولتين يمكن أن يكون مصدر قوة لكل منهما، وقاطرة يمكن أن تقود إلى التكامل العربي.

وواضح من الممارسات السياسية المصرية خلال الفترة الأخيرة من حكم نميري، وخلال المرحلة الحالية أن السياسة المصرية تفضل اللجوء إلى مقاربات المدرسة الثانية.

الموقف المصري من ملف جنوب السودان

يمكن رصد تطورات هذا الموقف على ثلاث مراحل زمنية على النحو التالي:

  1. المرحلة الأولى: دور المراقب الحذر والمجهد (1955-1969)
  2. المرحلة الثانية: دور الشريك المندفع والمستريح (1969-1985)
  3. المراحلة الثالثة: دور المراقب عن بعد وعلى مضض (1985-2003)


شهدت المرحلة الأولى تأكيدا مغاليا فيه من جانب السودان على الاستقلالية، وانشغلت مصر خلالها بقضايا داخلية وعربية أدت إلى تراجع اهتمامها بالشأن السوداني

دور المراقب الحذر والمجهد (1955-1969)
طغى على هذه المرحلة في معظمها طابع التنافس وأحيانا التباعد في العلاقات بين الدولتين بشكل حال دون وجود دور مصري فاعل تجاه مشكلة جنوب السودان. فمن جهة شهدت هذه المرحلة تأكيدا مغاليا فيه من جانب السودان على الاستقلالية، ومن جهة ثانية انشغلت مصر طوال هذه المرحلة بقضايا ومشكلات داخلية وعربية أدت إلى تراجع اهتمامها بالشأن السوداني خاصة بعد تفضيل السودانيين لخيار الاستقلال.

-الجانب السوداني
تعاقبت على حكم السودان خلال هذه المرحلة حكومتان مدنيتان (56-1958 و64-1969) وحكومة عسكرية (1958-1964)، ورغم ذلك فإن التوجه السياسي العام لهذه الحكومات ظل يسيطر عليه الطابع الليبرالي في الداخل (اقتصاديات السوق..إلخ وتفضيل التعاون مع المعسكر الغربي. وقد نظرت الحكومات السودانية إلى انتفاضة الجنوب عام 1955 على أنها مسألة داخلية حيث شهدت بدايات هذه المرحلة حرصا من القيادة السودانية على تأكيد استقلاليتها بعيدا عن مصر.

ويتضح ذلك من قيام رئيس الحكومة الانتقالية السودانية إسماعيل الأزهري بتشكيل وفد سوداني مستقل لحضور مؤتمر باندونغ عام 1955 ورفضه تشكل وفد موحد لوادي النيل تحت قيادة عبد الناصر، ثم إعلان استقلال السودان من داخل البرلمان السوداني ودون استفتاء شعبي يوم 19 ديسمبر/ كانون الأول 1955، ورفض حكومة السودان عقب ذلك الاعتراف بالاتفاقيات الدولية السابقة خاصة ما يتعلق منها بالحدود بين مصر والسودان، وما يتعلق منها بمياه النيل، ثم إثارة مسألة حلايب وشلاتين مع مطلع عام 1958 وتقديم شكاوى بهذا الصدد ضد مصر لكل من الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، فضلا عن سعي السودان وخاصة منذ عام 64-1969 إلى البحث عن حلفاء منافسين لمصر آنذاك (إثيوبيا وأوغندا) لممارسة ضغوط على متمردي الجنوب. فإذا ما أضفنا إلى ما تقدم أن حزب الأمة -بعدائه التقليدي لمصر- قد سيطر على الحكومتين المدنيتين خلال هذه المرحلة لأدركنا دونما عناء صعوبة قيام مصر بدور ذي معنى في تسوية مشكلة الجنوب.

جمال عبد الناصر
-الجانب المصري
ظلت مصر طوال هذه المرحلة تحت حكم عبد الناصر الذي اعتنق التوجهات الاشتراكية والعربية منذ نهاية الخمسينيات من القرن الماضي "الأحادية السياسية والقطاع العام..إلخ" والاعتماد على المعسكر الاشتراكي، الأمر الذي كان يتصادم مع التوجه السياسي الليبرالي لحكومات السودان، ويلقي بثقله العروبي على السودان، في وقت كان الظل العروبي في السودان مازال باهتا، بل ومن شأن علوه زيادة الصراعات بين الشمال والجنوب.

ويبدو أن الحكومة المصرية قد رأت في انتفاضة الجنوب عام 1955 مسألة داخلية يصعب التدخل فيها دون طلب من الحكومة السودانية وهو ما لم يكن ليحدث في هذه الفترة، أو أنها رأت فيها عامل ضغط يمكن أن يدفع الزعامات السودانية آنذاك إلى تفضيل خيار الوحدة مع مصر على خيار الاستقلال. وقد تعرضت مصر خلال هذه المرحلة لضغوط وانتكاسات دفعتها بعيدا عن الساحة السودانية، ومنها:

  • العدوان الثلاثي على مصر عام 1956.
  • الوحدة مع سوريا عام 1958.
  • نكسة الانفصال عام 1961.
  • التورط المصري في اليمن عام 1963.
  • فنكسة حرب يونيو/ حزيران 1967.

هذه الظروف كلها فضلا عما شاب العلاقات المصرية-السودانية من توترات طوال هذه المرحلة، جعل مصر في وضع المراقب المجهد والحذر تجاه مشكلة جنوب السودان، فلا هى قادرة على التدخل بحكم ظروفها والضغوط المحيطة بها وحتى إن كانت راغبة فى التدخل للمشاركة في تسوية المشكلة فإن الجانب السودانى -وحرصا منه على تأكيد استقلاليته- لم يكن تحدوه الرغبة في قيام مصر بأي دور في هذا الصدد.

ورغم ما تقدم فإن الحكومة المصرية سعت إلى تقديم العون للحكومات السودانية طوال هذه المرحلة، وهو ما شكل بصورة غير مباشرة دعما لها في مواجهة الحرب في الجنوب. فقد قامت مصر بما يلي:

  • افتتاح فرع جامعة القاهرة بالخرطوم عام 1955 لتعزيز الثقافة العربية في السودان.
  • المساهمة في تسليح الجيش السوداني بالتبرع له بأول عربات مدرعة يمتلكها هذا الجيش.
  • إنشاء سلاح الجو السوداني عام 1956 وتدريب طياريه وتقديم طائرات تدريبية هدية لهذا السلاح.

وفي المقابل:

  • وقف السودان إلى جانب مصر أثناء العدوان الثلاثي عليها.
  • أبدى تعاطفا كبيرا مع مصر عقب هزيمة 1967 حين استضاف القمة العربية في الخرطوم التي قدمت دعما ماديا ومعنويا للمجهود الحربي المصري.
  • عقدت حكومة عبود عام 1959 اتفاقية مياه النيل مع مصر، وهي الاتفاقية التي سمحت لمصر ببناء السد العالي، مما أنهى إلى حد كبير جانبا من الخلافات بين البلدين.

دور الشريك المندفع والمستريح (1969-1985)
شهدت هذه المرحلة العديد من الأحداث على الساحتين السودانية والمصرية أدت إلى التقارب بين توجهات النظامين في البلدين بشكل دفعهما إلى التعجيل بمسيرة التعاون بينهما لتأخذ شكلا تكامليا، وإن كان هذا التعجيل قد أدى إلى انعكاسات عكسية في المرحلة التالية.

جعفر نميري

- الجانب السوداني
شهدت هذه المرحلة وصول جعفر نميري إلى السلطة في السودان عام 1969 مدعوما باليسار السوداني مما دفعه للتحول نحو المعسكر الاشتراكي، غير أنه سرعان ما عدل عن هذا التوجه عقب الانقلاب الشيوعي (هاشم العطا) عام 1971 واتجه باحثا عن العون من المعسكر الغربي الذي استطاع وبعون منه ومن حلفائه (إثيوبيا ومجلس الكنائس العالمي..إلخ) أن يعقد اتفاق أديس أبابا 1972 مع الجنوبيين لتسوية مشكلة الجنوب. وهكذا عاد السلام ليخيم على السودان لأول مرة منذ انتفاضة 1955، حتى تفجرت المشكلة مرة ثانية ابتداء من عام 1982 نتيجة تضافر العديد من العوامل سنذكرها لاحقا. غير أن المهم في هذا السياق أن مصر وبحكم ظروفها في هذه الفترة لم تتمكن من القيام بأي دور في تسوية مشكلة الجنوب هذه المرة، وإن حاولت أن تستفيد من ظروف السلام بعد ذلك لتدعيم أركانه.

محمد أنور السادات

- الجانب المصري
لقي انقلاب نميري بتوجهه الاشتراكي ترحيبا من جانب عبد الناصر فشهدت العلاقات بين البلدين انفراجة دفعت بالسودان إلى إرسال قوات إلى جبهة قناة السويس، في الوقت الذي تم فيه نقل الكلية الحربية المصرية إلى السودان لاعتبارات إستراتيجية.

غير أن وفاة عبد الناصر عام 1970 وتولي أنور السادات السلطة في مصر، وطرده للخبراء الروس من البلاد والذي جاء إلى حد كبير متواكبا مع الانقلاب على التوجه الشيوعي في الخرطوم، قد أدى إلى تحول مصر نحو المعسكر الغربي مثلما تحول السودان. وهكذا تقارب النظامان داخليا (الأحادية السياسية) وخارجيا (السعي للاعتماد على الغرب). ثم جاءت حرب 1973 وما تلاها من معاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية 1979 لتريح مصر مرحليا من المواجهة مع إسرائيل، واستمر الحال كذلك عقب اغتيال السادات عام 1981 وتولي حسني مبارك رئاسة الدولة.


تقارب التوجه الأيدولوجي بين البلدين أدى في السبعينيات والثمانينيات ولو مرحليا إلى اندفاع من جانبهما لدفع مسيرة التعاون بينهما

وهكذا مثلما تحقق السلام في السودان فقد تحقق السلام -ولو مرحليا- بالنسبة لمصر بشكل فتح الآفاق أمام مسيرة التعاون بين البلدين في كافة المجالات، خصوصا أن السودان كان من بين عدد محدود من الدول العربية التي لم تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع مصر.

وأدى تقارب التوجه الأيدولوجي بين البلدين داخليا وخارجيا "وإن كانت مصر قد بدأت تأخذ بالتعددية الحزبية منذ أواخر السبعينيات" وتحقيق السلام للبلدين ولو مرحليا، إلى اندفاع من جانبهما لدفع مسيرة التعاون بينهما فتم:

  • توقيع منهاج العمل التكاملي عام 1974.
  • توقيع بروتوكول مشروع قناة جونجلي 1974.
  • إبرام اتفاقية الدفاع المشترك عام 1976.
  • توقيع ميثاق التكامل عام 1982.

ورغم هذا التحسن الملحوظ في العلاقات والذي بدأ يأخذ الطابع المؤسسي ويجد صدى له على أرض الواقع بصورة كادت تؤدي إلى تواري الخلافات الأساسية بين البلدين (مياه النيل والحدود)، فإنه يبدو أن التعجيل في مسيرة عملية التكامل لم تصادف هوى لدى بعض قوى المجتمع السوداني (الأمة والجنوبيون) التي خشيت أن تؤدي هذه المسيرة في نهايتها إلى صيغة اتحادية بين البلدين، فاتجه بعض هذه القوى إلى رفع راية "الاستعمار المصري-الأميركي" هذه المرة خصوصا بعد التنسيق المصري الأميركي في عملية التسوية بالشرق الأوسط وبعد مناورات النجم الساطع في مصر.

واتجه البعض الآخر إلى تفسير اتفاقية الدفاع المشترك بأنها تستهدف الحفاظ على النظام الحاكم في الخرطوم الذي يقمع معارضيه، بل فسرتها ليبيا وإثيوبيا -اللتان اعتمدتا في هذه المرحلة على الدعم السوفياتي لهما- على أنها موجهة ضدها من قبل السودان ومصر بدعم من حليفهما الأميركى، فاتجهت الدولتان إلى إقامة تحالف بينهما وبين اليمن الجنوبي تحت المظلة السوفياتية لدعم إثيوبيا من جهة ولدعم حركة التمرد في جنوب السودان من جهة أخرى والتي عادت منذ عام 1982 لتشن الحرب من جديد. وقد تواكب مع ذلك إطلاق البعض الثالث لشائعات في جنوب السودان مفادها أن الهدف من إقامة مشروع قناة جونجلى هو توطين مئات الآلاف من الفلاحين المصريين هناك بشكل ألهب مشاعر الجنوبيين من خطر التواجد المصري.

هكذا بدأت الحرب في الجنوب مرة أخرى بفعل العديد من العوامل كان من بينها عملية التعجيل بمسيرة التكامل التي نظر إليها من جانب قوى سودانية غير مشاركة فيها أنها تستهدف تهميشها أو استيعابها في ظل هيمنة عربية إسلامية، ناهيك عن ممارسات النظام في الخرطوم مثل إعلانه تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفتيت الجنوب إلى ثلاثة أقاليم، فضلا عن اكتشاف النفط في الجنوب. ووسط هذه الأوضاع سقط نظام نميري في أبريل/ شباط 1985.

دور المراقب عن بعد وعلى مضض (1985-2003)
ساءت العلاقات بين البلدين بشكل غير مسبوق طوال هذه المرحلة وإن بدأت في الانفراج في الفترة الأخيرة، ورغم اشتعال أوار الحرب في الجنوب بشكل مكن الحركة الشعبية لتحرير السودان من السيطرة على مناطق شاسعة في الجنوب فإن نظم الحكم الثلاثة التي تعاقبت على حكم السودان طوال هذه المرحلة كانت حريصة على منع مصر من القيام بأي دور في تسوية مشكلة الجنوب مثلما كان الأمر أثناء المرحلة الأولى. وآثرت هذه النظم تدويل المشكلة ووضع المسألة برمتها في يد دول الجوار الجغرافي لجنوب السودان -دول إيغاد وبخاصة كينيا- تحت مظلة أميركية. وليس من شك في أن وضعاً كهذا إنما يخدم المصالح الأميركية التي تتناقض بالأساس مع المصالح المصرية في منطقة حوض نهر النيل، بل ومع المصالح السودانية على نحو ما سنرى.

حسني مبارك

ولقد كان مرجع هذا التردي في العلاقات بين البلدين راجعا بالأساس إلى توجهات وممارسات النظم الحاكمة في السودان أثناء هذه الفترة، فخلال الحكومة الانتقالية (85-1986) وحكومة الصادق المهدي (86-89) اتجهت السلطة الحاكمة بعيدا عن مصر واتجهت لتوطيد علاقاتها مع دول كانت على عداء مع مصر آنذاك (ليبيا وإيران)، والبحث عن التحالف مع دول أخرى لموازنة الدور المصري أو لتقويضه في حوض نهر النيل (إثيوبيا). كما قامت وبالتوازي مع ذلك بتدمير عملية التكامل فألغت ميثاق التكامل واتفاقية الدفاع المشترك، وعملت على فتح ملف الحدود ومياه النيل بين الدولتين مرة أخرى في الوقت الذي تمكن فيه الجيش الشعبي لتحرير السودان من تدمير ما تم إنشاؤه في قناة جونجلي. وهكذا تحالف كل من حزب الأمة والجنوبيين بطريقة غير مباشرة في تخريب ما تم إنجازه في المرحلة السابقة، دونما سعي من جانبهما لحل مشكلة الجنوب.

وقد تمادى نظام البشير/الترابي الذي استولى على السلطة في الخرطوم عام 1989 في عدائه لمصر عندما رفع راية التيار الإسلامي الأصولي في وقت كانت مصر تعاني فيه موجة من أسوأ العمليات الإرهابية في تاريخها، والتي نسبت إلى الجماعات الإسلامية في مصر والمدعومة من الخارج. ووجهت أصابع الاتهام إلى السودان من بين دول أخرى، وقد تصاعدت الأزمة بين البلدين في مواقف عديدة نذكر منها:

  • الموقف السوداني العدائي لمصر أثناء حرب تحرير الكويت نتيجة تناقض موقف الدولتين حيال هذه الأزمة عام 1990.
  • عودة النظام السوداني عام 1992 ليثير قضية الحدود بين البلدين أمام مجلس الأمن.
  • مصادرة النظام السوداني للممتلكات المصرية في السودان (المدارس، وفرع جامعة القاهرة، واستراحات الري..إلخ) عام 1993.
  • تدبير هذا النظام -حسب ما نسب إليه- لمؤامرة اغتيال الرئيس حسني مبارك في أديس أبابا عام 1995.
  • سعيه لبدائل خارجية على حساب علاقاته مع مصر بتوطيد علاقاته مع كل من إيران وإثيوبيا.
  • سعيه مؤخرا لإقامة محور سوداني إثيوبي يمني تحت دعوى مواجهة إريتريا.


هناك إدراك سلبي وحساسيات تاريخية ما زالت مستقرة في أذهان بعض فئات المجتمع السوداني تجاه أي دور مصري حتى لو كان يخدم المصالح السودانية
غير أن توجهات وممارسات نظام البشير على المستويين الداخلي والخارجي أتت بنتائج عكسية، فمن جهة ازدادت الحرب اشتعالا في الجنوب مع إضفاء الطابع الديني عليها. وتمكنت الحركة الشعبية لتحرير السودان من السيطرة على أجزاء واسعة في الجنوب بدعم من الدول المجاورة التي بدأت تخشى امتداد التيار الأصولي الإسلامي إليها (إريتريا وإثيوبيا وكينيا وأوغندا) وبدعم من الولايات المتحدة التي صنفت السودان بأنها من الدول الراعية للإرهاب. وقد أدى ذلك إلى تخلي الحلفاء الإقليميين البدلاء عن السودان (إريتريا وإثيوبيا) وتواري الدور الإيراني خصوصا مع فرض المقاطعة الدولية على السودان من قبل مجلس الأمن.

ورغم هذه الظروف الضاغطة على النظام السوداني فإنه فضل أن يبعد مصر عن القيام بأي دور في تسوية مشكلة الجنوب وتجاهل المبادرة المصرية-الليبية وحال بين مصر وبين مشاركتها ولو كمراقب في مبادرة الإيغاد (ماشاكوس ونيفاشا). وبدلا من ذلك اتجه النظام الحاكم في الخرطوم إلى العودة بعلاقاته مع مصر إلى المربع الأول والمتمثل في السعي إلى إحياء اتفاقيات التكامل المصري-السوداني، في ظل حكم عسكري في السودان لا يجد له دعما شعبيا واسعا في الساحة السودانية، ويمكن أن ينهار في أي لحظة لتعود العلاقات مرة أخرى إلى المربع صفر.

ويتضح مما تقدم أن هناك إدراكا سلبيا وحساسيات تاريخية مازالت مستقرة في أذهان بعض فئات المجتمع السوداني تجاه أي دور مصري حتى ولو كان يخدم المصالح السودانية، فها هي الحكومة السودانية الحالية تبحث عن "سند" مصري لها في المرحلة الراهنة، وفي الفترة الانتقالية التي تلي توقيع الاتفاق النهائي للسلام، لكنها رفضت ولا تزال قيام مصر بأي دور فاعل في مسيرة تسوية الجنوب، وكأنها بذلك لا تريد لمصر أن تشاركها في "مغانم" تحقيق السلام في الجنوب حتى يصبح لها "دور" وتحدوها الرغبة في أن تكون مصر سندا لها في تحمل "مغارم" بناء السلام وإعادة الإعمار، وهو أمر يجافي منطق الأمور ذلك أن طلب "العون" يفرض بالضرورة السماح" بدور" يحقق المصالح ويؤمنها.

تأثير اتفاق السلام على مصر

تثير التفاعلات التي تحدث في الساحة الداخلية السودانية، بالإضافة إلى الاتفاقات التي عقدت بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان (الاتفاق الإطاري ماشاكوس 2002، والاتفاق الأمني نيفاشا 2003) فضلا عن الاتفاق النهائي المنتظر عقده قريبا بين الطرفين حول تقسيم السلطة والثروة في السودان.. يثير هذا وذاك تساؤلات حول مدى تأثيرها بالسلب والإيجاب على مصالح مصر الإستراتيجية.

إن المتأمل في الواقع السوداني وفي نصوص الاتفاقات السابقة يستنتج أنها يمكن أن تقود إلى أحد البدائل الثلاثة الآتية:

  1. البديل الأول: قيام دولة سودانية اتحادية عربية أفريقية
  2. البديل الثاني: انفصال جنوب السودان
  3. البديل الثالث: قيام دولة سودانية ذات هوية أفريقية


يصعب تحقيق دولة سودانية اتحادية عربية أفريقية في المستقبل المنظور نظرا لتفتت خريطة القوى السياسية الفاعلة في السودان، ولعدم وجود تنظيم سياسي حديث يرفع أجندة وطنية

دولة اتحادية عربية أفريقية
وهذا هو البديل "المفضل" الذي يمكن أن يحقق مفهوم المواطنة المتساوية لكل أبناء السودان على اختلاف معتقداتهم وإثنياتهم وأقاليمهم، ومن شأنه أن يحقق إجماعا وطنيا سودانيا من جهة، ويدفع بالعلاقات المصرية-السودانية قدما في إطار من الندية والمساواة من جهة أخرى، بشكل يمكن أن يزيل الحساسيات التاريخية المترسبة لدى بعض فئات الشعب السوداني والمتمثلة في الخوف من هيمنة مصرية "متوهمة" على أقدار السودان.

ورغم أن هذا هو البديل المفضل الذي يمكن أن يخدم ويحافظ على المصالح الإستراتيجية لمصر في السودان، فإنه يصعب تحقيقه في المستقبل المنظور نظرا لتفتت خريطة القوى السياسية الفاعلة في السودان من جهة، ولعدم وجود تنظيم سياسي حديث يرفع أجندة وطنية يمكن أن تلتف حولها كافة فئات المجتمع السوداني بصرف النظر عن المعتقد أو العامل الإثني أو الإقليمي من جهة أخرى.

ويتطلب تفعيل هذا البديل تضافر جهود كافة الدول العربية وعلى رأسها مصر لإخراج هذا البديل في الوقت المناسب (اتفاق جدة الأخيرة بين الحكومة السودانية والتجمع الوطني السوداني خطوة على طريق طويل)، خصوصا أن كل المفاوضات التي دارت وتدور تحت مظلة الإيغاد وبرعاية من الولايات المتحدة لم تناقش من قريب أو بعيد مسألة هوية السودان، مع ما يحمله ذلك من مخاطر قد تسفر عن طمس الهوية العربية الإسلامية التي تشكل إحدى ركائز الهوية السودانية جنبا إلى جنب مع الهوية الأفريقية. ولكن هل ستسمح الحكومة السودانية الحالية التي ستظل حاكمة في شمال السودان طوال الفترة الانتقالية ومعها الحركة الشعبية للدول العربية وعلى رأسها مصر بالقيام بهذا الدور؟ إن خبرة سنوات التعامل الماضية تشير إلى أن الإجابة ستكون بالنفي.

انفصال جنوب السودان


إالانفصال -لو تم- سيكون له آثار سيئة على المصالح الإستراتيجية المصرية ولكن ليس بالصورة الخطيرة التي يروجها البعض، فالنيل الأزرق الذي يزود مصر بنحو 82% من احتياجاتها المائية لا يمر بجنوب السودان

وهذا هو البديل "السيئ" الذي سينعكس بالسلب -إلى حد ما- على المصالح الإستراتيجية لمصر في السودان.

إن المتأمل في ديناميات السياسة السودانية وفيما نص عليه كل من اتفاق ماشاكوس واتفاق نيفاشا والموضوعات التي يدور حولها التفاوض في الاتفاق النهائي، يمكن أن يدرك دونما عناء أن هذا البديل يمكن أن يحدث في ظل ظروف معينة أثناء الفترة الانتقالية أو عند نهايتها، وبخاصة إذا ما أدركت الحكومة السودانية أن زمام الأمور يمكن أن يفلت من يدها حينها ستبادر هي إلى إعلان اعترافها بدولة جنوب السودان، حفاظا على ما تبقى تحت يدها من الشمال كي تطبق فيه الشريعة الإسلامية. وتلك الرؤية يعتنقها العديد من أنصار التيار الإسلامي الأصولي في السودان، ويساند هذه الرؤية:

  • سيطرة الحركة الشعبية على معظم أراضي جنوب السودان.
  • امتداد نفوذ عملياتها إلى شرق وغرب السودان.
  • تمتعها بدعم من دول الجوار الأفريقي.
  • مساندة غير محدودة من جانب الولايات المتحدة.
  • تكريس اتفاق ماشاكوس واتفاق نيفاشا هذا الوضع الانفصالي على طول الفترة الانتقالية حيث الشمال يحكم بموجب دستور إسلامي وله مؤسسات الحكم الخاصة به وله جيشه الذي يتعين عليه سحب ما تبقى من قواته في الجنوب، وفي ذات الوقت فإن الجنوب له دستوره العلماني وله مؤسسات الحكم الخاصة به التي تتولاها الحركة الشعبية، وله جيشه الذي يتعين عليه سحب ما تبقى من فلوله في شرق وغرب البلاد.
  • يضاف إلى ما تقدم أن هذين الاتفاقين السابقين يعطيان للجنوب قدرا من السيطرة على مقدرات الشمال، ذلك أن الفصائل المتمردة في جبال النوبا في الغرب وجنوب النيل الأزرق في الشرق قد فوضت الحركة الشعبية في التفاوض بشأن قضيتها مع الشمال رغبة في الحصول على ذات مكاسب الجنوب.
  • ثم إن ما يدور حاليا من مفاوضات حول اقتسام السلطة والثروة يتجه نحو تخصيص نسبة معينة ما بين 25-30% للجنوب في المناصب العليا في الشمال (وزراء وسفراء وكبار موظفي الخدمة المدنية..إلخ)، فضلا عن تولي قرنق منصب نائب رئيس السودان، وما يدور من أحاديث حول تمتعه بحق الفيتو على قرارات الرئيس المتعلقة بالجنوب، وتخصيص نسبة معينة قد تصل نفس النسبة السابقة من موارد الدولة (المركزية).

ولا يجدي في هذا المقام ما ورد في اتفاق نيفاشا الأمني (25 سبتمبر/ أيلول 2003) بتكوين وحدات مشتركة موحدة من أعداد متساوية من القوات المسلحة السودانية والجيش الشعبي لتحرير السودان خلال الفترة الانتقالية بحيث تكون نواة الجيش السوداني لما بعد الاستفتاء في حال تأكيد نتيجة الاستفتاء لخيار الوحدة، وإلا فتحل هذه القوات وتلتحق بقواتها المعنية.

إن خيار الانفصال -فيما لو تم- سيكون له آثار سيئة على المصالح الإستراتيجية المصرية ولكن ليس بالصورة الخطيرة التي يروجها البعض، ذلك أن النيل الأزرق الذي يزود مصر بنحو 82% من احتياجاتها المائية لا يمر بجنوب السودان وبالتالي سيظل بعيدا عن التحكم في تدفقاته، وحتى النيل الأبيض الذي يمر بجنوب السودان والذي يزود مصر بالنسبة المتبقية يصعب بحال إقامة منشآت فيه تمنع تدفق مياهه إلى شمال السودان ومصر وإلا فسيغرق الجنوب كلية، إضافة إلى انتشار المستنقعات الضخمة فيه.

غير أن انفصال الجنوب لا يعني بحال عدم الإضرار بالمصالح الإستراتيجية لمصر في السودان وفي أفريقيا، ذلك أنه لا يعني انتهاء حالة الصراع بين الدولة الجنوبية "الأفريقية" والدولة الشمالية "العربية" بشكل يدفع الدول العربية وعلى رأسها مصر إلى مساندة الشمال، والدول الأفريقية إلى مساندة الجنوب بشكل يؤدي إلى تدهور العلاقات المصرية مع دول حوض النيل، ويقوض أي إمكانية للتعاون المائي المشترك. وعلى أي حال فإن خيار الانفصال يبدو صعبا للأسباب التالية:

  • أن جنوب السودان لا يتمتع بالجدارة الاجتماعية ذلك أن طبيعة الصراعات فيه بين الدنكا في جانب والنوير والشيلوك في جانب آخر تبدو أعقد بكثير من الصراع بين الشمال والجنوب، وبهذا فإن انفصاله قد يؤدي إلى اندلاع صراع اجتماعي ممتد فيه يشيع حالة الفوضى والاضطراب في منطقة حوض النيل ككل.
  • إن دول الجوار الجغرافي لجنوب السودان لن تسلم بانفصاله واستقلاله لأنها كلها تعاني ذات المشكلة ومن شأن قيام دولة جنوبية معترف بها أن يمكّن من امتداد هذا الوضع -بمنطق العدوى- إلى كل دول الجوار، حيث تسعى الجماعات المعارضة هي أيضا إلى الانفصال.
  • إن الشرعية الأفريقية وعلى نحو ما ورد في القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي ترفض عملية الانفصال مخافة تمزيق أوصال معظم الدول الأفريقية حيث ينص هذا القانون على الحفاظ على الحدود التي ورثتها الدول الأفريقية ساعة الاستقلال.
  • ثم إنه لا يتصور بحال أن تقبل الولايات المتحدة بانفصال جنوب السودان لأسباب عدة نذكر منها:
    - أن الإدارة الأميركية منذ عهد كلينتون وضعت السودان ضمن ما أسمته القرن الأفريقي الكبير، وهي بهذا تريد أن تنتزعه كلية من الحظيرة العربية.
    - أنه ليس من مصلحة الشركات البترولية الكبرى وعلى رأسها الشركات الأميركية تقسيم السودان بالنظر إلى اكتشاف النفط في الشمال بكميات واعدة، وامتداد حقول النفط بين الجنوب والشمال بشكل يؤدي الانفصال معه إلى عرقلة نشاط هذه الشركات من جهة وسيادة حالة عدم الاستقرار من جهة أخرى.
    - أن انفصال جنوب السودان وتشجيع دول الجوار الأفريقي له قد يؤدي إلى زيادة الصراع بين الدولة الجنوبية والدولة الشمالية ويضع على الأخيرة ضغوطا قد تدفعها للوحدة مع مصر. وليس من شك في أن وضعا كهذا لن يخدم المخطط الصهيوني الأميركي الذي يستهدف إضعاف مصر، بل وربما تمزيقها بحسبان كونها ركيزة لأي توجه وتجمع عربي.


سأصل إلى الخرطوم على قرع الطبول مثلما فعل أخي يوري موسيفيني عندما دخل كمبالا على قرع الطبول

قرنق في بداية التسعينيات

دولة ذات هوية أفريقية
وهذا هو البديل الأسوأ الذي يشكل خطرا جسيما على المصالح الإستراتيجية المصرية، ويبدو أن هذا هو الخيار الذي تتجه إليه السودان وتنصرف إليه إستراتيجية جون قرنق ويلقى ترحيبا من دول جوار جنوب السودان وتأييداً من قبل الإدارة الأميركية. يدلنا على ذلك:

  • أن قرنق كثيرا ما أعلن هذا البديل تحت مسمى "السودان العلماني الموحد الجديد"، وكثيراً ما أعلن عداءه للعرب في السودان ووصفهم "بالجلابة"، مشيرا إلى أن نسبتهم لا تتجاوز 31% من الشعب السوداني. ثم إنه استطاع أن يمد نفوذه إلى شرق السودان (جنوب النيل الأزرق) وغرب السودان (جبال النوبا)، وها هو لم يحصل في الفترة الانتقالية على حق السيادة على الجنوب فقط، وإنما باتت له يد طولى في أمور الشمال. فإذا ما أضفنا إلى ذلك وجود ما بين مليون إلى مليوني جنوبي يعيشون في معسكرات حول الخرطوم معظمهم من الشباب، لأدركنا مدى صدق مقولة قرنق في بداية التسعينيات "سأصل إلى الخرطوم على قرع الطبول مثلما فعل أخي يوري موسيفيني عندما دخل كمبالا على قرع الطبول".
  • أن دول جوار جنوب السودان (إريتريا وإثيوبيا وأوغندا..إلخ) سيمكنها أن تقمع أي دعاوى انفصالية فيها من جهة، وستستريح من توجهات نظم الحكم المتعاقبة على السودان والتي لم تنفك عن الدعوة إلى اعتناق دستور إسلامي أو العمل على تصدير الأصولية الإسلامية إليها.

إنه يمكن للمخطط الأميركي-الصهيوني أن يلحق الضرر كل الضرر بمصالح مصر الإستراتيجية كلية، فها هو ينتزع السودان من الحظيرة العربية، ويمكن أن يضر بمصالح مصر المائية ذلك أن شمال السودان باعتبار التقاء النيليين الأزرق والأبيض فيه، وعلى اعتبار جفاف تربته فضلا عن انبساط أرضه، يمكن أن تقام فيها سدود وخزانات ضخمة في مجرى النيل تقلل موارد مصر المائية إلى حد كبير. ويمكن للسودان "الأفريقي" في هذه الحالة بحكم ثروته البترولية أن يقيم مشروعات زراعية ضخمة بحيث يصبح "سلة الغذاء" ليس للعالم العربي وإنما للعالم الغربي، أليس جون قرنق حاصلا على الدكتوراه في الاقتصاد الزراعي من جامعة أيوا في الولايات المتحدة!!

ثم إن وجود هذا النشاط المكثف للشركات الزراعية الأميركية وكذا الشركات البترولية، فضلا عما يواكبه من تواجد صهيوني وأميركي على الحدود الجنوبية لمصر، من شأنه الإضرار حتى بالوجود المصري كلية خاصة مع التواجد الصهيوني على الحدود الشمالية الشرقية لمصر.
________________________
أستاذ العلوم السياسية - جامعة القاهرة