قوارب الموت

إعداد: قسم البحوث والدراسات

الهجرة تعني في أبسط معانيها حركة الانتقال -فرديا كان أم جماعيا- من موقع إلى آخر بحثا عن وضع أفضل اجتماعيا كان أم اقتصاديا أم دينيا أم سياسيا.

وبالنسبة للهجرة بين ضفتي المتوسط التي يركز عليها هذا الملف فإن أنواع وأهداف وأشكال هذه الهجرة كانت تسير وفق منطق التقلبات السياسية والمصالح الاقتصادية لهذه الجهة أو تلك.

فإذا كانت الهجرة في السابق تتم بصورة انسيابية تبعا لأغراض محددة سلفا, فإن اعتماد مبدأ ترسيم الحدود بين الدول وتنازع المصالح السياسية والاقتصادية زاد من حدة التعاطي مع مسألة الهجرة، مع فارق مهم هو أن توالي موجات الهجرة في هذه الرقعة من العالم في العقود الأخيرة كانت تتم بصورة عمودية من الجنوب نحو الشمال.

وتعد الهجرة السرية أو غير القانونية أو غير الشرعية أو غير النظامية ظاهرة عالمية موجودة في الدول المتقدمة كالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أو في الدول النامية بآسيا كدول الخليج ودول المشرق العربي، وفي أميركا اللاتينية حيث أصبحت بعض الدول كالأرجنتين وفنزويلا والمكسيك تشكل قبلة لمهاجرين قادمين من دول مجاورة، وفي أفريقيا حيث الحدود الموروثة عن الاستعمار لا تشكل بتاتا بالنسبة للقبائل المجاورة حواجز عازلة وخاصة في  بعض الدول مثل ساحل العاج وأفريقيا الجنوبية ونيجيريا.

ولكن هذه الظاهرة اكتست أهمية بالغة في حوض البحر الأبيض المتوسط نظرا لاهتمام وسائل الإعلام بها، فأصبحت تشكل رهانا أساسيا في العلاقات بين الضفتين.

حجم الظاهرة
ويصعب تحديد حجم الهجرة غير الشرعية نظرا لطبيعة هذه الظاهرة ولكون وضع المهاجر السري يشمل أصنافا متباينة من المهاجرين فمنهم:

  • الأشخاص الذين يدخلون بطريقة غير قانونية إلى دول الاستقبال ولا يسوون وضعهم القانوني.
  • الأشخاص الذين يدخلون دول الاستقبال بطريقة قانونية ويمكثون هناك بعد انقضاء مدة الإقامة القانونية.
  • الأشخاص الذين يشتغلون بطريقة غير قانونية خلال إقامة مسموح بها.
  • الأشخاص الذين يشغلون منصبا دون المنصوص عليه في عقد العمل.

"
زدادت إجراءات الدول الأوروبية لمنع الهجرة غير الشرعية مع بداية تطبيق اتفاقية "شنغن" التي دخلت حيز التطبيق بدءا من يونيو/حزيران 1985 والتي تسمح لحامل تأشيرة أي دولة من دول الاتحاد الموقعة على هذه الاتفاقية بالمرور في أراضي بقية الدول
"

ولعل هذا يشرح كيف أن التقديرات التي تقدمها هذه الجهة أو تلك تظل متضاربة، فمنظمة العمل الدولية تقدر حجم الهجرة السرية ما بين 10- 15% من عدد  المهاجرين في العالم البالغ حسب التقديرات الأخيرة للأمم المتحدة حوالي 180 مليون شخص.

وحسب منظمة الهجرة الدولية فإن حجم الهجرة غير القانونية في دول الاتحاد الأوروبي يصل نحو 1.5 مليون فرد.

وفي أوروبا على سبيل المثال فإن الشرطة الأوروبية (EUROPOL) تقدر أعداد المهاجرين غير الشرعيين في دول الاتحاد الأوروبي بحوالي نصف مليون مهاجر.

ويجدر التذكير أن هذا النوع من الهجرة ليس حديث العهد، فقد كان متواجدا في أوروبا في الستينات وكان أصل هؤلاء المهاجرين من إسبانيا والبرتغال والمغرب العربي.


من الثلاثينيات إلى الستينيات 
في الفترة من الثلاثينيات حتى الستينيات من القرن الماضي كانت أوروبا بحاجة إلى الأيدي العاملة فلم تصدر قوانين تجرم عملية الهجرة غير الشرعية إلى أراضيها.
لكن مع أوائل السبعينيات شعرت دول الاتحاد الأوروبي نسبيا بالاكتفاء من الأيدي العاملة فتبنت إجراءات قانونية تهدف إلى الحد من الهجرة غير الشرعية.

وقد ازدادت هذه الإجراءات مع بداية تطبيق اتفاقية "شنغن" التي دخلت حيز التطبيق بدءا من يونيو/حزيران 1985 والتي تسمح لحامل تأشيرة أي دولة من دول الاتحاد الموقعة على هذه الاتفاقية بالمرور في أراضي بقية الدول. ثم عادت وازدادات إجراءات الحد من ظاهرة الهجرة غير الشرعية مرة أخرى بعد عام 1990 وهو العام الذي شهد توسيع الاتحاد الأوروبي.

وكان لهذه الإجراءات القانونية آثار عكسية حيث استفحلت ظاهرة الهجرة غير الشرعية وأصبحت تلك الدول قبلة لمرشحي الهجرة غير الشرعية من مختلف بقاع العالم مثل دول أميركا الوسطى والجنوبية ودول آسيا (الصين، باكستان..إلخ) ودول أفريقيا حيث قدر عدد الدول المصدرة للمهاجرين غير الشرعيين بحوالي 40 دولة.

وهكذا يتضح أنه في ظل تشديد قوانين الهجرة إلى دول الاتحاد الأوروبي -موضوع تركيز هذا الملف- استفحلت ظاهرة الهجرة غير الشرعية وظهرت طرق وأساليب جديدة كان من أبرزها ما شهدها العالم من مشاهد غرق مؤثرة فيما بات يعرف برحلات قوارب الموت.
________
الجزيرة نت