تفصيلات قانونية ودستورية كثيرة تدل على أن المجلس النيابي في البحرين لن يكون فاعلا، ويمكن إجمال هذه التفصيلات في سببين محوريين:
الأول- هيمنة المجلس المعين على المجلس المنتخب.
الثاني- أن تلك الصلاحيات منتقصة أصلا، وهذا من أسباب دعوتنا وتمسكنا بقرار المقاطعة. وهذه بعض الأوجه القانونية لقرارنا:

ينص دستور 1973 الشرعي في المادة (1) الفقرة (د) ودستور المنحة الجديد في المادة (1) الفقرة (د) أيضا على أن نظام الحكم في البحرين ديمقراطي، والسيادة فيه للشعب مصدر السلطات جميعا. والسيادة تعني في النظام الديمقراطي النيابي أن يمارس الشعب عملية التشريع والمراقبة على التنفيذ بواسطة ممثليه وباسمه ولحسابه. ويشترط في الديمقراطية النيابية شرطان هما:

الأول- أن يكون المجلس منتخبا من قبل الشعب انتخابا حرا مباشرا، وإذا ضم المجلس أعضاء معينين فيجب أن تكون الغلبة عدديا للأعضاء المنتخبين، إذ لا يصح أن نعتبر الأعضاء المعينين ممثلين عن الشعب.

الثاني- أن يمارس المجلس اختصاص التشريع والرقابة على التنفيذ، وهو جوهر السيادة.

وبدون هذين الشرطين لا يتحقق مبدأ السيادة للشعب، وقد انتقص الدستور الجديد هذين الشرطين.

انتقاص الانتخاب
أما انتقاص الانتخاب فذلك واضح لأن عدد الأعضاء المعينين يساوي عدد الأعضاء المنتخبين، بل إن الدستور الجديد فضّل المجلس المعين على المجلس المنتخب حينما جعل رئاسة المجلس الوطني الذي يمثل المجلسين في يد رئيس المجلس المعين (المادة 85) وهذا تفضيل معنوي، ويعادل صوت الرئيس صوتين في حال تعادل الأصوات في التصويت (المادة 80) وهذا تفضيل مادي.

انتقاص التشريع
وأما الانتقاص في التشريع، فيتم بما يلي:

أولا- مشاركة المجلس المعين للمجلس المنتخب في اختصاص التشريع، مع ترجيح كفة المعين: وذلك لسببين: أولهما أن الرئاسة في المجلس الوطني هي لرئيس المجلس المعين. وثانيهما أن حالة التضامن بين أعضاء المجلس المعين أثبت منها بين أعضاء المجلس المنتخب، لأن الأعضاء المعينين يعملون لحساب من عينهم -أي الحكومة- في حين أن الأعضاء المنتخبين يأتون من مشارب شتى ومدارس مختلفة ويعملون لغايات متباينة، مما يجعل حالة تضامنهم أقل.

ثانيا- الصلاحيات التشريعية للملك: وهي كالتالي:

  • الدستور الجديد أعطى للملك حق طرح المواضيع العامة أمام الاستفتاء الشعبي (المادة 43)، وهذا وإن لم ينقص من سيادة الشعب فإنه يزيل الصفة النيابية للنظام، وهو غير موجود في دستور 1973.
  • الدستور الجديد أعطى الملك حق الاعتراض على قرار المجلس، وذلك بمرسوم مسبب يحدد فيه ميعادا يستطيع فيه المجلس الوطني الذي يضم مجلسي النواب والشورى تجاوز اعتراض الملك بأغلبية الأعضاء المكونين للمجلس. وتجاوز اعتراض الملك غير ممكن عمليا بسبب رجحان كفة المجلس المعين كما أوضحت سابقا.
  • يلزم أن يصدق الملك على قرار المجلس الوطني إما تصديقا حقيقيا أو حُكميا، وذلك بعدم الاعتراض عليه خلال ستة أشهر كما نصت المادة 35 الفقرة (ب) من الدستور الجديد، بينما في دستور 1973 لا تتجاوز المدة ثلاثين يوما. وأعتقد أن الأشهر الستة فيها تعطيل كبير بدون مبرر معقول، لا سيما أن الدستور الجديد أضاف إجراءات جديدة لم تكن موجودة في دستور 1973 منها: عرض القرار على الحكومة قبل المناقشة، فلا يناقش إلا إذا أحالته الحكومة بنفسها إلى المجلس. ومنها أن القرار يناقش أمام المجلسين المنتخب والمعين، وهذا كله يعطي فرصة كافية للملك لدراسة القرار وتقييمه مما يجعل زمن الشهر كافيا كما في دستور 1973.
  • الدستور الجديد أعطى للملك الحق في أن يحيل إلى المحكمة الدستورية ما يراه من مشروعات القوانين قبل إصدارها لتقرير مدى مطابقتها للدستور، ويعتبر التقرير ملزما لجميع سلطات الدولة وللجميع، وليست المشكلة في الرقابة المسبقة على القوانين فحسب وإنما في إلزاميتها (المادة 106).

ثالثا- الصلاحيات التشريعية لمجلس الوزراء:
أعطى الدستور الجديد مجلس الوزراء صلاحيات تشريعية من شأنها أن تحجم الدور التشريعي للمجلس الوطني، وهي كالتالي:

  1. أعطى الدستور الجديد الحكومة حق اقتراح القوانين، وأعطى اقتراحاتها الأولوية في المناقشة في المجلسين (المادة 81).
  2. اقتراحات أعضاء المجلس الوطني بشقيه المنتخب والمعين، غير قابلة للمناقشة إلا إذا قدمت عن طريق الحكومة، أي تقدم أولا إلى الحكومة التي تحيلها إلى المجلس لمناقشتها. وتملك حق إحالتها في نفس دورة الانعقاد أو تأجيلها إلى دور الانعقاد اللاحق.
  3. تستطيع الحكومة استعجال المجلس في بعض الموضوعات (اقتصادية أو مالية)، فإن لم يُبَتْ فيها خلال المدة المطلوبة تصدر بمرسوم له قوة القانون (المادة 87). وفي تقديري أن عملية تعطيل البت واردة، لاسيما من خلال المجلس المعين.

انتقاص الرقابة
وأما انتقاص حق الرقابة فقد أعطى الدستور الجديد لمجلس النواب حق الرقابة (المواد 65- 69) ولكنه حق منقوص، وما جاء في دستور 1973 أكمل منه (المواد 66 - 69)، وذلك كالتالي:

  • أن مجلس النواب لا يستطيع أن يثير مساءلة رئيس الوزراء بالطريقة التي يثير بها مساءلة الوزراء، في حين يتيح له ذلك دستور 1973 (المادة 66).
  • ليس للمجلس طرح عدم الثقة في رئيس الوزراء، ولكن له أن يعلن عدم إمكان التعاون معه، وهنا يتفق الدستور الجديد مع دستور 1973، وفي هذه الحالة للملك خياران: إما إقالة رئيس الوزراء، وإما حل البرلمان. ويختلف الدستور الجديد عن دستور 1973 في أن إقرار عدم التعاون يجب أن يكون محل إقرار من المجلس المعين أيضا بثلثي أعضاء المجلس الوطني. ونحن نقدر صعوبة إقرار المجلس المعين بعدم التعاون مع رئيس الوزراء، مما يجعل مسألة إقرار عدم التعاون مع رئيس مجلس الوزراء مسألة في غاية الصعوبة، بل بعيدة المنال.
    ونتساءل في هذا الصدد أيضا: إذا كان ثلثا الأعضاء من المجلس الوطني (المنتخبين والمعينين) يرون عدم إمكان التعاون مع رئيس الوزراء، مع أن تحصيل هذا الإقرار في غاية الصعوبة، فما هو المبرر للاحتفاظ برئيس الوزراء، وحل مجلس النواب؟!! هذا وقد نص دستور 1973 بالقول: "فإن حل المجلس وتجددت تولية رئيس مجلس الوزراء المذكور، وقرر المجلس الجديد بأغلبية الأعضاء الذين يتألف منهم، عدم التعاون معه، اعتبر معتزلا منصبه من تاريخ قرار المجلس في هذا الشأن، وتشكل وزارة جديدة" كما نصت (المادة 69)، في حين سكت الدستور الجديد عن ذلك.
    ويقرر الدستور الجديد أن إجراء الانتخابات الجديدة بعد حل المجلس يكون في موعد لا يتجاوز أربعة أشهر، في حين يقرر دستور 1973 إجراءها في شهرين فقط. ويجيز الدستور الجديد للملك أن يؤجل الانتخابات لمدة غير محدودة ربما تكون بمثابة الحل النهائي، ويجيز له أن يعيد المجلس القديم لمدة جديدة!! نعم يحل المجلس ثم للملك -بناء على رأي مجلس الوزراء- إعادة المجلس المنحل ودعوته إلى الانعقاد، لا ليستكمل دورته السابقة وإنما ليبدأ دورة جديدة كما لو كان مجلسا منتخبا جديدا. (المادة 64).
  • أن عضو المجلس لا يستطيع أن يستخدم حق المساءلة والاستجواب إذا كان في ذلك مصلحة للعضو نفسه أو لأحد أقاربه حتى الدرجة الرابعة أو لأحد موكليه (المادتان 65 و91)، ونرى أن ذلك يتعارض مع طبيعة النظام النيابي ومع (المادة 89) التي تنص على أن العضو يمثل الأمة بأسرها.
  • تنص المادة (33) الفقرة (أ) من الدستور الجديد والمادة (33) الفقرة (أ) من دستور 1973 أيضا على أن الملك غير مسؤول وأن ذاته مصونة لا تمس، في حين تنص المادة (33) الفقرة (ج) من الدستور الجديد على أن الملك يمارس سلطاته مباشرة وبواسطة وزرائه. ونحن نرى أن الملك رمز للدولة وظل لجميع أبنائها، وسبيل لوحدتها وقوتها، ويجب أن يؤمن له الاحترام الواجب وأن يكون بعيدا عن النقد والتجريح، وهذا يتطلب أن يكون الملك بعيدا عن الاختصاصات التنفيذية لأنها محل اختلاف ونقد، فقد تحظى بالقبول أو المعارضة. والصحيح أن يمارس الملك سلطاته بواسطة وزرائه فقط، كما جاء في دستور 1973 فتكون الحكومة هي المسؤولة وتتحمل التبعات، حتى إذا تتطلب الأمر استقالتها تستقيل إما لعدم الثقة أو لعدم التعاون معها، فتقال وتصان ذات الملك. أما إذا مارس الملك سلطاته مباشرة كما جاء في الدستور الجديد، فإن هذا يجعلنا كشعب بين خيارين غير مطلوبين وغير مرغوبين هما:

    - عدم الرقابة على التنفيذ، وفيه تنازل عن السيادة، وذلك لا يخدم المصلحة الوطنية.
    - نقد الملك، وهو خلاف الدستور ولا يخدم المصلحة الوطنية العليا أيضا.

    الحصانة البرلمانية
    وهناك إشكالية أخرى تدور حول الحصانة البرلمانية للأعضاء، فمن جهة يجب عليهم أن يمارسوا الرقابة على التنفيذ، ومن جهة أخرى يحظر عليهم المس بذات الملك، فإذا فعلوا تسقط عنهم الحصانة البرلمانية!! فكيف يستطيعون إذن أن يوفقوا بين حقهم في الرقابة على التنفيذ وبين واجب صيانة ذات الملك؟!! فالملك يقوم باختصاصات تنفيذية متعددة هي عرضة للقبول أو المعارضة وتدخل في اختصاص الرقابة، وفي نفس الوقت ذاته مصونة ويجب أن تحظى بالاحترام الواجب!!
    والنتيجة التي نخلص إليها أن ممارسة الملك سلطاته مباشرة -كما جاء في الدستور الجديد، لا يخدم المصلحة الوطنية، ويحد من سيادة الشعب وحقه في ممارسة الرقابة على التنفيذ.

    الرقابة المالية
    فيما يتعلق بالرقابة المالية، فقد نص دستور 1973 (المادة 97) على إنشاء ديوان للرقابة المالية يكفل القانون استقلاله ويكون ملحقا بالمجلس الوطني، وجاء دستور المنحة الجديد (المادة 116) فألغى تبعية ديوان المراقبة المالية للسلطة التشريعية، ثم صدر المرسوم بقانون رقم 16 لسنة 2002 يلحق الديوان بالملك، أي بالسلطة التنفيذية التي يفترض أن يكون الديوان رقيبا عليها.

وأخيرا كي يقوم أعضاء المجلس التشريعي بدورهم في عملية التشريع والمراقبة، فإنهم يحتاجون إلى ضمانات تقيهم شر الخوف والقلق والمساءلة، وهذا ما يعرف بالحصانة البرلمانية. وتعني الحصانة البرلمانية أن العضو لا يسأل عما يبديه من آراء وأقوال أثناء الجلسة العامة أو في اللجان. وقد نصت (المادة 89) من الدستور الجديد على ذلك، غير أنها انتقصتها حينما أضافت جملة تملصية تقول "إلا إذا كان الرأي المعبر عنه فيه مساس بأسس العقيدة، أو وحدة الأمة، أو بالاحترام الواجب للملك، أو فيه قذف في الحياة الخاصة لأي شخص كان"0ويؤخذ على ذلك ما يلي:

  • أن العبارات المستخدمة غير دقيقة وتقبل التفسير والتأويل بأكثر من وجه، لاسيما إذا أخذنا بعين الاعتبار أن البرلمان مؤسسة سياسية تتعدد فيها وجهات النظر والمشارب السياسية والأيديولوجية، ويصدر أحكامه على اعتبارات سياسية بحتة. والأدهى من ذلك أن (المادة 99) من الدستور الجديد أجازت إسقاط العضوية إذا فقد أحد الأعضاء -حسب نصها- الثقة والاعتبار، أو أخل بواجبات عضويته، وهي عبارات مماثلة في عدم الدقة والتحديد.
  • أن المادة المذكورة تسقط من العضو الحصانة البرلمانية إذا مس بالاحترام الواجب للملك، في الوقت الذي أعطت (المادة 33) اختصاصات تنفيذية عديدة للملك، وفي ذلك انتقاص واضح لحق الشعب في مراقبة التنفيذ عن طريق ممثليه كما أوضحناه بالتفصيل في الملاحظة السابقة.

وفي الختام: وبعد ذلك كله.. أليست الحقيقة هي أن المجلس الوطني ليس إلا مجرد مجلس شورى مضخم ؟!!

هذا وقد أجرى ثمانية من المحامين المعتمدين والبارزين في البحرين دراسة تحت عنوان "الرأي في المسألة الدستورية " تبنته الجمعيات الأربع المقاطعة للانتخابات ونشرته في كتاب، وقد تضمن تفاصيل أكثر دقة وشمولية يمكن الرجوع إليها فيه.