ليس هناك مجال للشك أن الانتخابات الفلسطينية البرلمانية قد أفرزت واقعا سياسيا فلسطينيا مغايرا تماما للواقع السياسي الذي نشأ مع منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 ومع انطلاقة حركة التحرر الوطني الفلسطيني فتح وهيمنتها على مؤسسات صنع القرار الفلسطيني على مستوى كافة مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية. وقد يؤسس هذا الوضع الجديد لسلطة سياسية ولعلاقات مؤسساتية جديدة من أبرز مظاهرها التحول في بنية هيكلية صنع القرار على مستوى السلطة ذاتها، وعلى مستوى حركة فتح أيضا.
 
ومع التطورات السريعة والمتلاحقة في التفاعلات السياسية الفلسطينية تسعى هذه الورقة للإجابة على عدة تساؤلات، أولها دور فتح السياسي، وما هي المحددات التي تحكم هذا الدور؟ وأخيرا محاولة استشراف مستقبل هذا الدور.
 
 

"
شكلت حركة فتح الوعاء الذي احتضن كل التطورات السياسية من قيام السلطة اوالدخول في مفاوضات مع إسرائيل وقرار الانتخابات البرلمانية وما ترتب عليها من تغيرات في بنية السلطة الفلسطينية 
"
شكل تنظيم فتح القوة الحقيقية التي من خلالها تتبلور عملية الممارسة للسلطة الفلسطينية وعملية صنع القرار، وما زالت حركة فتح تملك قدرا كبيرا من التأثير والنفوذ، والسؤال الذي نريد أن نجيب عليه هو كيف استطاعت حركة فتح أن تحقق هذا الدور خلال الأربعين سنة الماضية؟ مع أن الغاية الأساسية التي نسعى إلى إيضاحها هي خصائص حركة فتح كقوة سياسيه، وقبل استعراض المحددات التي تقرر الدور التاريخي للحركة، أن نحدد المبادئ العامة التي تميز تنظيم فتح في السياسة الفلسطينية كتنظيم بؤرة تفاعلات سياسية لكل التطورات الفلسطينية:
 
أولا: التنظيم الفتحاوي ذو تقاليد تاريخية وسياسية واجتماعية ثابتة ومستقرة، فقد نشأ في ظل ظروف تاريخية هامة مرت بها القضية الفلسطينية. فمع قيام ونشأة فتح وانطلاق الثورة الفلسطينية، بدأ العامل والمتغير الفلسطيني يأخذ دوره في معادلة القوى الحاكمة في توجهات ومسار القضية الفلسطينية، فقبل ذلك التاريخ يمكن القول أن المتغير الفلسطيني كان مغيبا أو مهمشا لحساب المتغيرين العربي والدولي. ولذلك فإن قيام حركة فتح ومبادرتها للعمل الفلسطيني يشكل مرحلة هامه في تطور الحركة من ناحية، وفى تأثير القرارات التي تتخذها على مستوى الحركة لما لذلك من امتدادات وانعكاسات على العمل الفلسطيني برمته. وبذلك شكلت الوعاء الذي احتضن كل التفاعلات والتطورات السياسية الفلسطينية في السنوات الأربعين الماضية وصولا إلى قيام السلطة الوطنية بعد القرارات التاريخية التي اتخذتها على مستوى رئاستها ولجنتها المركزية بالدخول في مفاوضات سلمية مع إسرائيل وصولا إلى قرار الانتخابات البرلمانية الفلسطينية وما ترتب عليها من تغيرات في بنية السلطة الفلسطينية من ناحية، وعلى الدور المتوقع أن تمارسه الحركة من ناحية ثانيه، وعلى بنية صنع القرار فيها.
 
وهو إلى جانب أنه يعد التنظيم الذي يسعى إلى كسب الاستقلال في نظر الفلسطينيين، واعتبار أن كل فلسطيني لا ينتمي إلى أي تنظيم آخر هو عضو في تنظيم فتح، إلا أنه قد أرسى أيضا لخصائص معينه كالمرونة في التعامل مع القوى السياسية المختلفة، واحتضانه لكافة القوى والتيارات وشرائح المجتمع الفلسطيني، والدقة في التنظيم من جانب آخر، ولو في بداية نشأته التنظيمية. ومن ناحية أخرى سيطرته المطلقة على مؤسسات منظمة التحرير، هذا إلى جانب سيطرة وهيمنة وغلبة السمة الشخصية للقيادات التاريخية المؤسسة والتي احتكرت زمام عملية صنع القرار السياسي. ولم يقتصر نشاط الحركة على مجرد المعالجة السياسية، بل تعدى ذلك إلى المقاومة المسلحة لتأكيد الوجود الفلسطيني على أرضه، ولذلك اتسمت الحركة بالمرونة والمواءمة ما بين المعالجة السياسية والمقاومة العسكرية، وهذا ما أكسبها شرعية متعددة الأبعاد والمصادر.
 
ثانيا: وكنتيجة لتاريخ الحركة الطويل فإن أسلوبها اتسم أساسا بتنوع العلاقات وتعددها في الداخل والخارج، وجمعت بين أسلوب الحركة النضالية وبين ممارسة السلطة السياسية، الأمر الذي أكسبها خبرة في الممارسة السياسية وسياسات المناورة والتمويه والتدوير.

ثالثا: كذلك لحركة فتح مصادرها الخارجية وامتداداتها حيث يتواجد الفلسطينيون، بل أنها نجحت في استقطاب تأييد الكثير من مناصري الحرية والحق، وهذا أضفى عليها وزنا وتأثيرا دوليين، فنقلها من حركة ذات أهداف وطنية إلى حركة ذات أبعاد وركائز عالمية.

وهذا يفسر لنا لماذا يمكن أن يوصف تنظيم فتح بأنه أخطبوط ينساب في جميع بنية المجتمع الفلسطيني، فلذلك فهو أقرب إلى التنظيم الجماهيري الممتدة قاعدته وأنشطته لتغطى كافة المجالات التي تمارسها حركات التحرر والسلطة السياسية، وهذا انعكس على طبيعة القرارات السياسية التي تتخذ، والتي اتسمت في كثير من الحالات بعدم الوضوح أحيانا، وأحيانا أخرى بالتناقض وعدم الحسم، وغالبا بالتداخل والتقاطع مع سياسات الدول الأخرى مما أدخلها في مآزق سياسيه، وإيلائها هذا الجانب السياسي أولوية قصوى فيما تتخذه من قرارات.

رابعا: مرونة تنظيم حركة فتح لا تقتصر على التنظيم والحركة من حيث مواجهة التطورات والمستجدات السياسية على الساحة الفلسطينية والخارجية، بل تعدى ذلك إلى عملية التمثيل السياسي من حيث تمثيله لقاعدة عريضة من أبناء الشعب الفلسطيني، فهو لا يقتصر على الطبقة الوسطى، بل اشتمل على تنوع طبقي واضح، فأما عن اعتداله من حيث المبادئ السياسية فيتضح ذلك في خطابه السياسي الذي اتسم بالشمولية والعمومية، وقد انعكست هذه المرونة على بنية صنع القرار من حيث سيولة القرار داخله، فرغم سيطرة الفرد الواحد على عملية اتخاذ القرار فكان حريصا أن يخرج في إطار مؤسساتي ومن هنا تبرز أساليب المساومة والتكتيك والتراجع والتقدم.


"
اتسم القرار السياسي الفتحاوي بقدر كبير من الشخصانية، تطبيقا لما عرف بالديمقراطية المركزية، وإن غلف القرار بطابع مؤسساتي حتى يكتسب قدرا من الشرعية المؤسساتية
"
من الأهمية بمكان للتعرف على عملية صنع القرار السياسي في داخل حركة فتح أن نشير إلى أن القوى السياسية المستترة خلف هيكل تنظيم الحركة تمثل المدخل الحقيقي لفهم عملية صنع أي قرار سياسي سواء داخل الحركة أو على المستوى العام لمنظمة التحرير أو السلطة الوطنية الفلسطينية.
 
والواقع أن تنظيم حركة فتح قد استطاع أن يخلق قنوات اتصاله بكافة طبقات المجتمع الفلسطيني من الطبقات الأكاديمية العليا إلى الطبقة الوسطى إلى الطبقة العاملة والطبقات الدنيا.
 
وأول هذه الأدوات التي تساند وتوجد حلقة اتصال مع المجتمع اتحاد نقابات العمال، وثاني هذه الأدوات الاتحادات الشبابية والطلابية والنسائية، وثالث الأدوات إنشاء الجمعيات والمؤسسات الاجتماعية والصحية والتعليمية. والى جانب هذه القنوات، هناك مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية ودوائرها المتعددة والمتنوعة، وهكذا نجح في إنشاء أجهزة تمثيل داخل المجتمع الفلسطيني ساهمت في حشد الدعم والتأييد للقرارات التي تتخذها قيادته.

"
يخضع اتخاذ القرار للمساومات  وتوزيع المنافع وتهيمن عليه النزعة الفردية وأساليب التوفيق والتأجيل بهدف كسب الدعم والمساندة وخلق شكل من الشللية فنسمع مجموعة الرئيس الراحل عرفات، أو مجموعة فاروق القدومي
"
إن تحليل مقومات عملية صنع القرار السياسي يفترض تناول القرار في أبعاد ثلاث:
  • بناء إطار لعملية صنع القرار السياسي.
  • تحليل الآليات الواقعية لإبراز عملية التفاعل بين المتغيرات المتحكمة في عملية صنع القرار.
  • تحديد الإطار الذي تتحدد به عملية التحليل المرتبطة بمتغيرات صنع القرار.
ويلاحظ على صنع القرار السياسي داخل حركة فتح:
  • القرار السياسي حيث هو سلوك سياسي، فهو أيضا أداة من أدوات الاتصال، وكذلك أداة من أدوات التحكم في الوسط السياسي، ولو نقلنا هذه المفاهيم إلى داخل حركة فتح لوجدنا أن الصفة الغالبة هي أنه إلى جانب كونه أداة من أدوات الاتصال بمختلف القوى المساندة في داخل المجتمع، فهو أداة من أدوات التحكم السياسي، ولذلك هو أداة إكراه في يد القيادة العليا للتنظيم ممثله أولا في شخص الرئيس أي الرئيس عرفات فقد جمع في يده كل خيوط القرار السياسي على مستوى الحركة، إلى جانب أعضاء اللجنة المركزية العليا للحركة.
  • إلى جانب ذلك فإن القرار السياسي هو من حيث طبيعته أداة من أدوات تحقيق التوازن بين مختلف عناصر الجسد السياسي من حيث علاقة التنظيم كجسد سياسي بالموقف السياسي ذاته، وذلك بهدف التأقلم مع الموقف والتحكم في أبعاده، وهذه خاصية من خصائص صنع القرار السياسي داخل حركة فتح.
  • لا يمكن تجاهل وإغفال دور المتغيرات الخارجية في عملية صنع القرار السياسي داخل الحركة، وهذا يتوقف على طبيعة علاقاتها وامتداداتها الإقليمية، ولذلك اتسم القرار بقدر كبير من عدم الوضوح والصراحة أحيانا، والتردد أحيانا أخرى، وارتباطه بمصالح ورؤى ذاتيه وشخصانية من ناحية ثالثه.

"
المتغيرات التي منها وبها تنبع صياغة القرار السياسي هي: الشخصيات القيادية وأعضاء اللجنة المركزية والمجلس الثوري وهى المجموعة التي تتحكم من حيث الواقع في صياغة وصنع أي قرار سياسي
"
كما هو معلوم في أدبيات صنع القرار السياسي فإن القرار السياسي هو نوع من الإعلان السلطوي عن أسباب التخلص من حالة من حالات التوتر من جانب الطبقة الحاكمة. وهو ينبع ويتحدد بالموقف السياسي ويشكل خاتمه لتطور سياسي جديد.
 
وبتحليل آليات صنع القرار داخل تنظيم فتح يمكن أن نميز بين ثلاثة مجموعات من المتغيرات:
 
أولا: مجموعة المتغيرات الرئيسة التي تساهم بطريقة مباشره في تشكيل القرار السياسي وصياغته، وهنا يبرز دور القائد الفرد الذي يتحكم في كل خيوط صنع القرار السياسي، ولذلك اتسم القرار السياسي بقدر كبير من الشخصانية، تطبيقا لما عرف بالديمقراطية المركزية، وإن غلف القرار بطابع مؤسساتي حتى يكتسب قدرا من الشرعية المؤسساتية. وهنا يأتي دور مؤسسات التنظيم العليا مثل دور اللجنة المركزية والمجلس الثوري، وهى وإن كانت تمارس دورها في عملية صنع القرار السياسي، إلا إن غلبة الطابع الشخصاني تطغى على الجانب المؤسساتي، وهنا يخضع القرار لشكل من أشكال التوفيق والمساومات، أو حتى توزيع المنافع كشكل من أشكال الترضية السياسية، ولذلك فمن أبرز سمات صنع القرار السياسي داخل تنظيم فتح إلى جانب هيمنة وغلبة النزعة الفردية، واللجوء إلى أساليب التوفيق وأحيانا أخرى التأجيل وذلك بهدف كسب الدعم والمساندة وخلق شكل من الشللية التي تحسب على هذا الشخص أو ذاك من القيادات، ولذلك نسمع مجموعة الرئيس الراحل عرفات، أو مجموعة رئيس الدائرة السياسية السيد فاروق القدومي.
 
ثانيا: مجموعة المتغيرات التي توصف بالقوى المساندة، أي بعبارة أخرى تلك المجموعة التي تمثل الأنصار والتابعين والموالين، وهى بعبارة أخرى تلك القوى الباطنة التي تمد القيادة العليا بالطاقة والقدرة على المبادأة، وهنا يأتي دور المجلس الثوري على وجه الخصوص لذلك من الأساليب التي تلجأ إليها القيادة تعيين عدد من الأعضاء في المجلس لضمان التأييد، إلى جانب المؤسسات المجتمعية والنقابية والاتحادات الطلابية والشبابية التي توفر الدعم المادي لصانع القرار وللقرارات التي تتخذ. وهنا يبدو واضحا أسلوب المكافأة والترضية في توزيع المناصب والتعيينات في الوظائف العليا ومنح الدرجات الإدارية القيادية دون اعتبار لعوامل الموضوعية أو الكفاءة بل على أساس العلاقات والولاءات الشخصية والتنظيمية، ومن شأن ذلك أن يخلق حالة من الشللية والتكتلات والقوى حول أشخاص وليس الولاء للتنظيم نفسه، وقد انعكس ذلك على النتيجة النهائية التي حققتها الحركة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وأصابت الحركة بحالة من الضعف التنظيمي. وهذا ما يفسر حالة الضعف التي أصابت الجسد السياسي للحركة، وأفقدته هويته الحقيقية وأوجدت ما عرف بأزمة الدور.
 
ثالثا: مجموعة المتغيرات التي يمكن أن توصف بأنها القوى الضاغطة أو المانعة، وهى تلك المتغيرات الفرعية التي تصير بمثابة نتوءات في طريق المتغيرات الأولى، فهي لا تساهم في اتخاذ القرار بشكل مباشر، ولا تمنع في الوقت ذاته من اتخاذ القرار، لكنها يمكن أن تقف عقبة في تنفيذ القرار في لحظة معينة، وقد لمسنا ذلك في الانتخابات البرلمانية الأخيرة حيث لم يلتزم كثير من القيادات بقرارات القيادة العلية، فدخلت الانتخابات تحت بند مستقلين مما أثر سلبا على تماسك الحركة. وفى سياق هذه المتغيرات تبرز البنية القاعدية للتنظيم مثل لجان الأقاليم، وهنا تتم إلى حد ما عملية استرضاء سياسي لبعض الأشخاص بتعيينهم في وظائف عليا مما خلق حالة من عدم الرضا والنقد.
 
وبناءا عليه فالمتغيرات التي منها وبها تنبع صياغة القرار السياسي نستطيع أن نحددها في الشخصيات القيادية وفى أعضاء اللجنة المركزية والمجلس الثوري وهى المجموعة التي تتحكم من حيث الواقع في صياغة وصنع أي قرار سياسي. أما المجموعة الثانية التي توصف بالمتغيرات المساندة وتتركز في النقابات المهنية وبيروقراطية التنظيم والرأي العام الذي يمكن أن يعبر عن نفسه من خلال المنظمات الشبابية والطلابية والنسائية وترتبط هذه المجموعة بالأولى ارتباطا عضويا، أما المجموعة الثالثة والتي توصف بالقوى الضاغطة ولكنها سلبية في عملية اتخاذ القرار تتمثل في القاعدة الجماهيرية.
 
إن عملية صنع القرار داخل حركة فتح اتسمت بالديمقراطية المركزية التي سيطر عليها العامل الفردي أو دور الفرد القائد. ولا شك أن هذه التطورات السياسية التي صاحبت قيام فتح كتنظيم وحركة تحرر وسلطة سياسية قد انعكس على هويتها ودورها وأدائها وأوجد أزمة بنيوية داخله، تحتاج معها إلى عملية إصلاح شامله بنيويا وعلى مستوى مراجعة خطابها السياسة تبد أمن القاعدة إلى القمة.
______________
أستاذ العلوم السياسية بجامعة الأزهر بغزة