صبي عراقي يظهر سعادته بعد عملية للمقاومة في الفلوجة ضد الاحتلال الأميركي وآخر يرفع ورقة كتب عليها "الفلوجة مقبرة الأميركان" بالعربية والإنجليزية

سلمان الجميلي

لا شك أن تحديد الاتجاهات الفكرية والسياسية للمقاومة يواجه نوعا من الصعوبة والتعقيد للباحث العلمي الذي يروم دراسة أو بحث ظاهرة المقاومة العراقية، وذلك نتيجة جملة أسباب لعل من أبرزها غياب واجهة سياسية موحدة ومعلنة، فضلا عن عدم وجود قيادات ميدانية أو سياسية معروفة لهذه المقاومة بسب المحددات الأمنية التي تفرضها قوات الاحتلال وبسب السرعة اللافتة للنظر لظهور هذه المقاومة وعدم انتظارها بلورة برنامج سياسي قبل الشروع في العمليات المسلحة.

وقد زاد في تعقيد هذه الظاهرة كثرة الجهات والحركات التي تتبنى أعمال المقاومة من خلال بياناتها الصادرة في وسائل الإعلام وشبكات المعلومات، كما أن المعلومات الرسمية الصادرة من قوات الاحتلال أو السلطات المحلية لا يمكن الاعتماد عليها، لأنها عادة ما تكون مسيسة وبعيدة عن الحقيقة، ففي المراحل الأولى كانت تطلق على المقاومة بأنها بقايا فلول النظام وبعد إلقاء القبض على صدام أخذت تسميها المجموعات الإرهابية، وبعد تصاعد أعمالها أخذت تطلق عليها مجموعات الإرهابيين الأجانب الوافدين من خارج الحدود، وكل هذه التسميات هدفها تصغير أو تشويه المقاومة ومحاولة عدم إعطائها مشروعية في أعمالها.

ولعل البحث في الميدان يمثل أفضل السبل لمعرفة اتجاهات المقاومة استنادا إلى المعطيات الموجودة على الأرض، وهذا أيضا يجابه بتحدي يتمثل بالمحددات الأمنية التي تفرض خوفا على الأفراد من الإدلاء بمعلومات وافية، فضلا عن تخوف أي باحث محلي من الخوض في موضوع قد يعرضه هو للمسألة أو الملاحقة من قوات الاحتلال التي تمارس أبشع الأساليب في القتل والاعتقال والاعتداء على البيوت والمداهمات الليلية.

ومن هنا فإنني وجدت بأن السبيل الأفضل لبحث هذا الموضوع هو دراسة واختبار الاتجاهات الفكرية والسياسية لعينة عشوائية من شهداء المقاومة ومن مناطق مختلفة، بالإضافة إلى تحليل للبيئة الاجتماعية والفكرية للمناطق التي تشهد أعمال المقاومة.

ومن خلال مجموعة النتائج التي توصلت إليها وجدت أن المقاومة العراقية تتبلور في محورين أو اتجاهين رئيسين، فهي إما مقاومة إسلامية وإما مقاومة وطنية.

أولا- الاتجاهات الإسلامية
ثانيا- الاتجاهات الوطنية
ثالثا- هياكل وتنظيمات المقاومة

أولا- الاتجاهات الإسلامية


هناك صعوبة في الحديث عن المقاومة العراقية تتمثل في التحديات الأمنية التي تفرض على الأفراد الخوف من الإدلاء بمعلومات وافية، فضلا عن تخوف أي باحث محلي من الخوض في موضوع قد يعرضه لملاحقة الاحتلال الذي يمارس أبشع الأساليب في القتل والاعتقال والاعتداء على البيوت والمداهمات الليلية
استنادا إلى نتائج اختبار العينة التي أجريناها، فإن الاتجاهات والدوافع الإسلامية في المقاومة العراقية تمثل 85% من مجموع العينة. وتبلغ نسبة المقاتلين العراقيين فيها 80% بينما يمثل الأجانب 5%.

ولاشك أن الاتجاه الإسلامي كان واضحا وغالبا في عمليات المقاومة منذ الأيام الأولى، وتؤكد هذه الحقيقة مجموعة معطيات وعناصر، فقد كان أول شهيد سقط في المقاومة العراقية -وأعني بها المقاومة التي بدأت بعد إعلان الولايات المتحدة إنهاء عملياتها العسكرية في العراق- هو من الإسلاميين المطاردين في زمن النظام السابق وهو نور الدين (أبو سمية) من أهالي الفلوجة، وكانت البيانات والبلاغات الأولى للمقاومة تحمل رموز ودلالات دينية تحث على الجهاد ومقاتلة المحتلين الكفار.

ولعل الأسس الشرعية التي استندت إليها المقاومة الإسلامية كانت موجودة وقائمة، حيث اعتمدت هذه المقاومة العديد من الفتاوى التي أصدرها مجموعة من علماء العراق قبل الحرب وأثناءها.

وكان من أبرز هذه الفتاوى، الفتوى التي أصدرتها مجموعة من علماء العراق قبل أشهر من الحرب في دولة الإمارات العربية والتي أوجبت مقاتلة المعتدين في حالة دخولهم إلى العراق، وكذلك الفتوى التي أصدرها الشيخ عبد الكريم المدرس أثناء الحرب، فضلا عن فتاوى العديد من العلماء الآخرين.

ومع دخول القوات الغازية واحتلالها البلد ظهرت نداءات وبيانات على واجهات المساجد وفي الشوارع تحث على الجهاد وعلى حرمة التعامل مع الأجنبي المحتل.

وقد كانت هذه النداءات تجد لها أصداء واستجابة سريعة لدى الشباب الإسلامي في المناطق السنية العربية، ومن نافلة القول فإن هذه الشريحة من الشباب كانت، في الغالب، مهمشة ومراقبة وملاحقة خلال عهد النظام السابق، حيث كانت الهدف والعدو الأول لقوات الأمن مثلما هي الآن الهدف الأول لقوات الاحتلال التي ألقت بالآلاف منهم في سجون ومعتقلات أبو غريب وأم قصر وغيرها من المعتقلات الأخرى.

ولعل ما يفسر بروز الاتجاهات الإسلامية في المقاومة العراقية مجموعة عناصر مرتبطة بالتنشئة الدينية التي تميز المناطق الملتهبة بالمقاومة لعل من أبرزها:

1- طبيعة المذهب السني السائد في مناطق المقاومة، حيث إن غياب مرجعية دينية حقيقية منذ غياب الخلافة الإسلامية، جعل أبناء هذا المذهب يمتلكون هامش من الحرية والحركة في اتخاذ قراراتهم دون الانضباط بمرجعيات معينة وإنما استناداً إلى التفسير الذي لا يحتاج إلى عناء في قضايا هي من قبل الثوابت الإسلامية. ولعل قضية الاحتلال ومقاتلة الكفار لا تحتاج إلى جدل فقهي أو فكري حولها، وبالتالي فقد كان الانخراط في المقاومة سريعا وبشكل يكاد يكون عفويا من قبل الكثيرين من أبناء هذا المذهب، بل إن من يحاول أن يثير جدلا شرعياً حول هذا الموضوع يتهم بالتخاذل والخيانة.

2- إن غالبية سكان المناطق التي اشتهرت بالمقاومة العنيفة للأميركان وقوات الاحتلال ذات طبيعة محافظة وتنشئة دينية وينتشر فيها التعليم الديني من خلال الجوامع المنتشرة بشكل كبير في هذه المناطق.

وقد استغل علماء الدين هامش الحركة الذي أتيح لهم في أعقاب حرب الخليج عام 1991، على أثر الضعف الذي أصاب النظام السابق وحاجته إلى نوع من المشروعية من خلال تبني خطاب ديني، لينشروا التعليم والتربية الدينية بين أوساط الشباب من خلال الجوامع والمساجد وليذكروا هؤلاء الشباب بقضايا الأمة الإسلامية، وبث روح الجهاد والاستشهاد في نفوس هذا الجيل الذي راعه ما تعانيه هذه الأمة من انكسارات وتخاذل الحكام وكذلك عداء الولايات المتحدة والغرب لها.


غالبية المجاهدين الأجانب من الشباب المتحمس وقد اشتركوا في معارك عديدة مع الجيش العراقي وفي بغداد ولعل من أشهرها معركة الأعظمية. وبعد احتلال بغداد رجع غالبيتهم إلى بلدانهم

المجاهدون الأجانب
أما فيما يخص المقاومة الإسلامية الوافدة أو المجاهدين الأجانب، فإن الواقع يشير إلى وجود هؤلاء ولكن ليس بنفس النسب والأرقام التي ترد في تصريحات أو بيانات قوات الاحتلال، فلا تكاد نسبتهم تتجاوز 5%، وهم إما بقايا مقاتلين دخلوا إلى العراق قبل وأثناء الحرب وإما مجموعات أو أفراد دخلوا بعد الاحتلال نتيجة غياب الأمن وانفتاح الحدود الدولية للعراق.

بالنسبة للمجموعات الأولى، أي المقاتلين الذين دخلوا قبل وأثناء الحرب، فهؤلاء غالبيتهم من المجاهدين العرب والأجانب الذين يدفعهم حبهم للجهاد والدفاع عن أراضي الإسلام إلى ذلك، ولقد وجدوا في دعوة النظام العراقي السابق للجهاد وفتح الحدود لهم فرصة لتحقيق رغبتهم.

وكان غالبية هؤلاء من الشباب المتحمس وقد اشتركوا في معارك عديدة مع الجيش العراقي وفي بغداد، ولعل من أشهرها معركة الأعظمية. وبعد احتلال بغداد رجع غالبيتهم إلى بلادهم ولم يتبق إلا عدد قليل منهم حيث كانت لهم مشاركة في أعمال المقاومة التي حصلت في الأيام الأولى.

تنظيم القاعدة
أما المقاتلون الأجانب أو تنظيم القاعدة فلا يوجد دليل مادي يشير إلى وجودهم ما عدا المعلومات الصادرة عن سلطات الاحتلال وعن السلطات المحلية الموالية له.

فقد ذكرت وكالة رويترز استنادا إلى تصريح مصدر مسؤول في الجيش الأميركي أن قوات الاحتلال اعتقلت 307 "إرهابيين" بينهم 140 سوريا و70 إيرانيا، وكذلك مقاتلين من اليمن والسعودية والضفة الغربية. كما صرح المسؤول الأمني في محافظة السليمانية الحدودية مع إيران بأن مقاتلي القاعدة وجند الإسلام نجحوا في الستة شهور الماضية من إدخال 200 إلى 250 عنصرا من مقاتليهم. وذكرت صحيفة ديلي تلغراف أيضا أن الأصوليين الإسلاميين يشدون الرحال من شتى أنحاء العالم للذهاب إلى العراق وخوض حرب عصابات طويلة ضد ما يسمونه الكفار الملحدين.

واعتقد أن هذه المعلومات مبالغ فيها، وأن الهدف من ورائها هو إظهار رضى العراقيين عن قوات الاحتلال وعدم اعتراضهم لها، وأن العمليات التي تجرى هنا وهناك هي من فعل إرهابيين خارجيين، وهذا ما يعطي مشروعية لبقاء الأميركان فضلا عن تعبئة وحشد الرأي العام الأميركي لدعم ادعاءات الإدارة الأميركية بعلاقة الحرب على الإرهاب باحتلال العراق.

ومن كل ما تقدم لا يمكن القول إن الاتجاهات الإسلامية داخل المقاومة العراقية منسجمة مع الأفكار والطروحات رغم اتفاقها جميعاً على استهداف قوات الاحتلال وقضية التحرير. فهناك حركات من المقاومة تقاتل القوات المحتلة وهدفها ينتهي بتحرير العراق وبناء دولة مستقلة، ولعل من أبرزها حركة المقاومة الإسلامية الوطنية. وهناك حركات تذهب إلى أبعد من ذلك فهي تقاتل قوات الاحتلال وتستهدف الأميركان أينما وجدوا لأنها تعدهم أعداء للمسلمين، ولهذا فإن المعركة معهم مفتوحة دون حدود.

كما أن هناك حركات تستهدف جنود وقوات الاحتلال فقط في الوقت الذي توجد فيه حركات لا تستثني من أهدافها كل من يتعامل مع هذه القوات مثل الشرطة والمترجمين والمقاولين. وما بين هذين الاتجاهين توجد حركات معتدلة تحذر كل من يتعامل مع الأميركان وتنذره بالكف عن عمله وفي حالة عدم استجابته يصبح هدفا مشروعا.

كما أن هناك حركات تستنكر الأعمال التي تستهدف المؤسسات الدولية بينما توجد حركات تتبناها وتعتبرها أهدافا لعملياتها.

ونستطيع تلمس هذا التناقض من خلال قراءة البيانات المتضاربة لعدد من حركات المقاومة. ففي أحد بينات جيش أنصار السنة نراه يتبنى عملية تفجير سيارة مفخخة في أحد مراكز الشرطة في الموصل، وكذلك فعلت جماعة التوحيد والجهاد عندما تبنت عملية مركز شرطة الفلوجة بتاريخ 14/2/2004.

بينما نجد حركات أخرى تستنكر هذه العمليات مثلما فعلت جماعة مجاهدي الفلوجة عندما تبرأت من عملية قتل الشرطة ولكنها حذرتهم في نفس الوقت، ومثلما فعلت أيضا حركة المقاومة الوطنية الإسلامية التي أعلنت براءتها من تفجير مقر الأمم المتحدة والصليب الأحمر ومراكز الشرطة.

ثانيا- الاتجاهات الوطنية


لا يوجد دليل مادي يشير إلى وجود مقاتلين أجانب أو تنظيم القاعدة ماعدا المعلومات الصادرة عن سلطات الاحتلال والسلطات المحلية الموالية
تشكل الاتجاهات الوطنية في المقاومة العراقية نسبة 15% من مجموع العمليات المسلحة، ولا يعني هذا أن المقاومة لا تستند إلى دوافع وأسس دينية كما لا يعني أن المقاومة الإسلامية هي غير وطنية، فالتداخل بين الاثنين موجود، ولكن قد تختلف نسبة تأثير الدوافع المحركة للمقاومة لدى الأشخاص.

فمن المعلوم أن أي شعب عندما يتعرض للاحتلال يستنفر جميع الطاقات والقيم المخزونة ليؤسس حالة من المقاومة والرفض، ولاشك أن القيم الإسلامية هي الأسرع إلى الاستجابة للمقاومة في الحالة العراقية ولكنها لم تلغ الحافز الوطني أو تصادر حقوق الآخرين في المقاومة.

وقد ظهرت الاتجاهات الوطنية في المقاومة العراقية من خلال بعض البيانات والبلاغات التي حملت مفاهيم ورموزا ذات دلالات وطنية أكثر من غيرها.

وينطوي تحت هذه المجموعة أبناء العشائر العربية وبعض العسكريين الذين أحسوا بالإهانة لشرفهم العسكري وبعض فدائيي صدام وأعضاء النظام السابق وكذلك بعض البعثيين.

ولعل القاسم المشترك بين هؤلاء هو العداء للأميركيين وقوات الاحتلال ومحاولة تحرير البلد، وهذا ما يجعل صفة هذه المقاومة وطنية رغم اختلاف الدوافع والأغراض فيما بين مجامعها.

وهناك مجموعة عناصر ساهمت في بلورة هذا الاتجاه لعل من أبرزها:

1- تتميز البيئة الاجتماعية في المناطق التي تنتشر فيها المقاومة بأنها مجتمعات تنحدر من أنساب عربية أصيلة، ومن بيئة بدوية استوطنت على النهر خلال القرن الماضي ومن حواضر تتسم بالمحافظة على التقاليد العربية المتمثلة في روح التحدي والكبرياء. وقد دفع هذا الأمر الكثير من أبناء هذه المناطق نحو الانخراط في المقاومة لرد شيء من الاعتبار للشرف العسكري والوطني الذي جرح بسبب الاحتلال وانهيار الجيش والبلد بكامله في ظرف أيام معدودة، ويبدو أن النشاط الأكثر لهذه الفئة في العمليات التي تتم من مسافات وتحتاج إلى خبرات عسكرية مثل القصف بالهاونات وزرع العبوات الناسفة وما إلى ذلك.

ولاشك في أن هذه الفئة تمتلك من الخبرات القتالية ما يؤهلها لذلك بحكم كونها على قدر عال من التدريب والممارسة التي اكتسبتها خلال اشتراكها في الحروب التي خاضها النظام السابق.

عراقي يرفع علامة النصر بعد عملية للمقاومة أسفرت عن احتراق عربة عسكرية أميركية

2- روح الاستقلالية التي تتميز بها شخصية أبناء المناطق المقاومة كونهم لم يخضعوا لمنظومة قيم دينية أو اجتماعية تفرض عليهم نوعا من العبودية، مما انعكس في ميلهم إلى عشق الحرية والتضحية من أجلها وفي الغالب فإن أغلب هذه المناطق لم تشهد نظام الإقطاع وإنما امتازت بظاهرة الملكيات الصغيرة، وهذا ما يفسر الاستقلالية وعدم الإحساس بالتبعية لغالبية أبناء هذه المناطق. وعليه فإن انخراط هؤلاء في المقاومة لم يكن يحتاج إلى أخذ الموافقات من مرجعيات معينة وإنما يخضع القرار للمواقف الشخصية لدى الأفراد.

ومن كل ما تقدم نستطيع القول إن الاتجاهات الوطنية في المقاومة العراقية أخذت تتسع مع مرور الوقت، ولكنها تفتقر إلى التنظيم الجيد وبالتالي فإنها قد تتحالف مع القوى الإسلامية الأكثر تنظيما. وهذا ما وجدناه واضحا في برنامج المقاومة الإسلامية الوطنية التي تظم بين ثناياها شرائح ومسميات ذات أبعاد دينية ووطنية، وكذلك في بيانات جبهة التحرير التي تحمل رموزا دينية لتؤكد حقيقة التداخل بين الاتجاهات الإسلامية والوطنية في حركة المقاومة الوطنية.

ومن خلال تتبع بعض البيانات التي أعلنت من خلال وسائل الإعلام أو التي ألصقت على الجدران نجد أن الحركات التي كانت تحمل مسميات وطنية كانت كثيرة في الأيام الأولى بعد الاحتلال ولكن الكثير منها تلاشى واختفى، بل إن البعض منها اكتفى ببيان واحد مثلما فعلت جهة تطلق على نفسها "مجاهدو صدام" التي تعهدت بالانتقام لمقتل عدي وقصي، في حين إن بعض الجهات لم تتواصل بإصدار بياناتها.

ويبدو أن هذه الحركات استجابة لانفعالات ورد فعل على الاحتلال وممارساته التي تتجاوز منظومة القيم التي يؤمن بها هؤلاء الأفراد.

ثالثا- هياكل وتنظيمات المقاومة

يبدو أن هناك خلطا وتداخلا كبيرا في بعض الكتابات التي صدرت عن المقاومة العراقية والتنظيمات التابعة لها، وهذا الخلط ناتج في الإشكاليات التي تواجه هذه الظاهرة بحكم السرعة التي ظهرت بها وكذلك عدم وجود برنامج أو قيادات واضحة ومعلنة لها.

مقاوم عراقي يتجول حاملا سلاحه

فما عدا بعض الرسائل التي كان يرسلها الرئيس العراقي قبل إلقاء القبض عليه لم يظهر شخص آخر يدعي بأنه وراء عمليات المقاومة.

وبما أن الوقائع أثبتت بأن الصوت الغالب في المقاومة هو المقاومة الإسلامية وليست البعثية، فإن معرفة الهياكل التنظيمية يقتضي دراسة ومتابعة البيانات الصادرة عن هذه المقاومة.

وقد أحصت بعض الدراسات ما يقارب من 29 تنظيما، مثلما فعلت دراسة الدكتور رفعت سيد أحمد المنشورة في جريدة العرب اللندنية.

والحقيقة أن بعض هذه التنظيمات ما هي إلا مسميات لكتائب أو وحدات تعمل ضمن حركة واحدة نحو "عصائب أهل العراق" التي ذكرت كجماعة مستقلة، بينما هي في الأصل من تشكيلات "المقاومة الإسلامية الوطنية" في المنطقة الغربية.

ومن خلال تتبع نشأة وتطور المقاومة العراقية نجد أنها بدأت بمجموعات صغيرة تجمع الأسلحة من معسكرات الجيش وتطورت إلى خلايا تقوم بأعمال مسلحة انفرادية إلى تنسيق مع الخلايا الأخرى إلى تنظيمات ذات نضوج فكري وسياسي. ولعل الأبرز من بين هذه التنظيمات هو حركة المقاومة الإسلامية والوطنية، وجيش أنصار السنة، وجماعة التوحيد والجهاد.
ويمكننا أن نشير إلى بعض الملاحظات المتعلقة بهياكل وتنظيمات المقاومة العراقية:

  1. إن بعض هذه التنظيمات "وقتية" أي إنها اكتفت ببيان واحد ثم اختفى اسمها بعد ذلك، نحو جماعة "مجاهدو صدام" التي تعهدت في بيانها بالانتقام لمقتل عدي وقصي صدام حسين.
  2. هناك بعض المسميات ظهرت مشابهة لأسماء بعض تشكيلات الجيش العراقي السابق مثل "سرية حطين– فرقة المدينة المنورة"، ولا يعني هذا بقاء هذه التشكيلات على حالها، وإنما قد يدل على انخراط بعض العسكريين في تشكيلات مقاومة.
  3. هناك تنظيمات تحمل أسماء المناطق التي توجد فيها مثل مجاهدو الفلوجة ومجاهدو حديثة.
  4. بعض الحركات في المقاومة العراقية تحمل مسميات ورموزا دينية مثل حركة الجهاد وحركة المقاومة الإسلامية وجيش محمد الأول وجيش محمد الثاني وأنصار السنة.. ويبدو أن بعض هذه الحركات له فعل وتنظيم مؤثر في الساحة حيث لا تزال بياناته حول العمليات متواصلة دون انقطاع.
  5. بعض الحركات تحمل مسميات ذات دلالات من النظام السابق نحو فدائيو صدام، أو لها علاقة بحزب البعث. ومن كل ما تقدم لم نرصد سوى حركة واحدة قدمت برنامجا متكاملا للمقاومة وله أبعاد سياسية، وهي حركة المقاومة الإسلامية الوطنية التي نشرت ميثاقها على صفحات الإنترنت وفي جريدة السبيل الأردنية.

__________________
مركز الدراسات الدولية ببغداد