محمد حسن الأمين
 تتعرض الحركات الشيعية في العالم العربي لاتهام بخلق أجواء طائفية تمر بها المنطقة.. فما مدى صحة هذا القول؟.. وما هو موقف الحركات الإسلامية الشيعية تجاهه؟.. أين وصلت جهودهم في هذا الوقت وماذا حققوا؟.. وكيف ينظرون إلى المستقبل؟

أفكار وتساؤلات تطرحها الجزيرة نت في حوار مع الشخصية اللبنانية الدينية الشيعية المرموقة محمد حسن الأمين.

حوار/مي الزعبي

ماذا تقول في الرأي القائل إن الحركات الشيعية البارزة في العالم العربي هي التي خلقت أجواء الطائفية لتحقيق مآرب ضيقة تبتعد عن طموحات الشعوب العربية؟

لا أنفي أن الحركات المذهبية والطائفية كما هي مظهر من مظاهر الحياة العربية والإسلامية في مجموع العالم العربي والإسلامي، هي أيضا مظهر من مظاهر الحياة الشيعية بوصف الشيعة مذهبا أو اتجاها أو تيارا من تيارات الإسلام العامة، وأحسب أن هناك مشكلة فعلا في تغذية هذه النزعات وهذه التيارات، وتغذية التعصب المذهبي والطائفي.

"
الخريطة الإسلامية بكل تشكيلاتها وتنوعاتها هي عرضة لهذه الحالة من صعود الظاهرة المذهبية والطائفية

"
ولكن لا أعتقد أن الشيعة وحدهم أو التيارات والأحزاب الشيعية وحدها هي المسؤولة عن إثارة هذه النزعات المذهبية وتضخيمها وبروزها على هذا النحو الذي يشكل مظهرا مخيفا في عالمنا الإسلامي وفي عالمنا العربي بشكل خاص.

وبالتالي حصر ذلك بالشيعة هو أيضا صورة من صور بروز النزعات الطائفية والمذهبية التي ينابذ فيها الأطراف بعضهم البعض الآخر بكل أسف، وحصرها في طائفة معينة هو أمر يخالف الحقيقة الموضوعية أو الأزمة الموضوعية التي يجب أن نعترف بها جميعا بالقول إن الخريطة الإسلامية بكل تشكيلاتها وتنوعاتها هي عرضة لهذه الحالة من صعود الظاهرة المذهبية والطائفية.

وأنا أعتقد أن المظهر الطائفي والشيعي في المنطقة العربية والعالم الإسلامي ليست جديدة، وهي موجودة فعلا، فلماذا يقال إن الأحزاب الشيعية هي التي قامت بهذا العمل؟ مع العلم بأن الأحزاب والاتجاهات والتيارات الشيعية هي مظهر من مظاهر التشكلات السياسية الطائفية الموجودة في كل المذاهب.

ما هو واجب الحركات الإسلامية الشيعية في هذا الوقت؟ وهل حققته أو هي بصدد تحقيقه؟

بالتأكيد بالتأكيد، إنني أشعر بأسف شديد أن مثل هذه الحركات الطائفية أو المذهبية قد ذهبت باتجاه يخالف واجبها الأصلي، بوصفها تيارات سياسية وبوصفها تيارات إسلامية خالفت واجبها الأصلي وهو التركيز على الوحدة السياسية على الأقل، التركيز على المشترك سواء المشترك الفقهي أو الديني، وعلى المشترك السياسي والقومي أيضا، وهذا الأمر هو من واجب التيارات السياسية جميعا بما فيها الأحزاب والتيارات الشيعية والسنية وكل التيارات الإسلامية.


إذا
هل حققت شيئا من هذا أو هي بصدد تحقيقه؟

لا أستطيع القول بأن الخطاب الإسلامي لم يحقق شيئا ولو محدودا في مجال إنتاج وعي إسلامي مشترك، قد يكون ذلك حاصلا..

وهو حاصل فعلا ولكن في دوائر أقل بكثير مما يجب أن يكون عليه الأمر، يعني الخطاب الإيجابي، الخطاب التوحيدي، الخطاب الوحدوي في الفكر الإسلامي وفي الحركات الإسلامية ما زال أقل مما ينبغي أو مما يجب بكثير.

ولكن بالنسبة للحركات الإسلامية الشيعية بشكل خاص، هل تقدمت خطوة؟ هل حققت شيئا في الوقت الحالي؟

"
لا يمكن أن ننتج خطابا مشتركا دون أن نفصل فصلا واضحا بين العقيدة الدينية أو المذهبية وبين الرؤية السياسية

"

لا أعتقد أن ثمة إنجازات ضخمة في هذا المجال، يعني لا من الحركات الشيعية ولا من غيرها من الحركات الدينية والإسلامية، لا يوجد إنجازات ضخمة.

وبالتالي أنا من الدعاة إلى إعادة النظر في الخطاب الديني السياسي نفسه، وأعتقد أنه لا يمكن أن ننتج خطابا مشتركا دون أن نفصل فصلا واضحا بين العقيدة الدينية أو المذهبية وبين الرؤية السياسية التي هي الإطار الحيوي لوحدة العرب ووحدة المسلمين.

قلتم إنه لا توجد إنجازات ضخمة.. فهل سماحتكم على اطلاع على أي مشاريع لهذه الحركات بصدد تنفيذها مستقبلا؟

يعني إذا أخذنا بنظر الاعتبار مثلا أن هناك توافقا على تغذية عنصر الوحدة الإسلامية في مواجهة صعود الخطاب المذهبي، إذا لاحظنا أن هناك مؤتمرات تنعقد تحت شعار الوحدة الإسلامية في بعض المناطق في لبنان وإيران وتشارك فيها التيارات الشيعية، فإن ذلك يمكن اعتباره أحد الأمثلة على أن هناك اتجاهات إيجابية في هذا المجال، ولكن أريد أن تكون الوجهة أكثر وضوحا وقوة مما هي عليه الآن.

أي جهة أو حركة تتبنى هذا الخطاب الوحدوي وهذه المؤتمرات؟

توجد جهات إسلامية تنتمي إلى طوائف إسلامية مختلفة من الشيعة والسنة، هي موجودة وتوجد تشكيلات سياسية في بعض المناطق تعبر عن هذه الوحدة مثل تشكيل تجمع العلماء المسلمين في لبنان، هذه ظاهرة إيجابية لأنها تجمع بين علماء مسلمين سنة وشيعة وتحاول أن تعزز الخطاب الوحدوي والرؤية الوحدوية، هذا أحد الأمثلة على ذلك.

أيضا في العراق اليوم والذي مع الأسف تأخذ فيه الحالة المذهبية شكلا متفجرا، نسمع أصواتا تنادي بضرورة الوحدة وتعارض هذا النوع من التشظي المذهبي والطائفي وتؤكد ضرورة الأهداف الموحدة للمسلمين.

يوجد أيضا في إيران مؤتمرات تنعقد تحت شعار الوحدة الإسلامية وتشارك فيها أطراف وشخصيات من المذاهب الإسلامية المختلفة.

ما هو مستقبل الإسلاميين الشيعة في ضوء الظروف الحالية؟

"
لا يوجد مصير لحركات شيعية بمعزل عن حركات سنية وبمعزل عن مصير الحركات الإسلامية جميعا

"
لا ينفصل مستقبل الإسلاميين الشيعة عن مستقبل الإسلاميين بصورة عامة، وأنا أعتقد أن ظاهرة النزعة السياسية الإسلامية التي برزت في العقود الأخيرة هي ظاهرة إسلامية وليست شيعية وحسب، ولذلك أعتقد أن مصير هذه الحركات متشابه.

وشخصيا لا أعلق الكثير من الأمل على أن بعض هذه الحركات وهي حركات قد تكون قوية وفاعلة، لا أعلق آمالا على أنها سوف تقدم جوابا بديلا عن حاجتنا إلى النهضة من جديد كمسلمين.. أي يوجد مجال حيوي لنقد هذه الحركات ونقد خطابها السياسي، نقد خطابها تجاه حقوق الإنسان، تجاه الديمقراطية، تجاه العدالة.. أشياء كثيرة، وبالتالي قدر هذه الحركات الإسلامية هو قدر مشترك ومتشابه، أي لا يوجد مصير لحركات شيعية بمعزل عن حركات سنية وبمعزل عن مصير الحركات الإسلامية جميعا.


لكن الظروف مختلفة في وقتنا الحالي والخطاب الطائفي موجود وواقع؟

أنت تسألين شخصا لا يؤمن بالخطاب الطائفي، بل شخصا له وجهته، ويرى فصل الشأن الديني عن الشأن السياسي، ويرى أن الحركات الإسلامية في جوهرها هي حركات سياسية بالمعنى غير الذي أتبناه وأؤمن به، لأنني أعتقد أن هناك نوعا من التداخل الكبير بين التعصب الديني والتعصب السياسي على النحو الذي حقق توقعاتنا المؤسفة مع الأسف، وهي أن تغدو هذه الحركات ذات طابع مذهبي، مع أنها كلها عندما انطلقت كانت حركات ذات خطاب إسلامي توحيدي يريد تجاوز التاريخ المذهبي السلبي بين المسلمين ولكنها ها هي مرة أخرى كما تلاحظين تقع في مطب المذهبية، أو بعضها أو أكثرها على الأقل يقع في مطب المذهبية.

لذلك أعتقد أنه لا بد من قيام اتجاهات مختلفة تتجاوز هذا التعصب المذهبي باتجاه ترميم الهوية الإسلامية والهوية القومية أيضا على النحو الذي يمكن من إيجاد الأسس والمرتكزات لقيام النهضة التي نطمح إليها جميعا، النهضة السياسية والنهضة الثقافية والنهضة التنموية في عالمنا الإسلامي، إنني شخصيا لا أعتقد أن القوى الراهنة مؤهلة للقيام بهذه المهمة التاريخية.


الكل يتمنى ذلك، لكن المشكلة هي أن الواقع...

(مقاطعا) هل تريدينني أن أقر بهذا الواقع وأعترف بأطرافه؟ أنا أدين الجميع وأعتبر أن ما هو قائم من هذا البروز المخيف للعصبيات المذهبية والطائفية والإثنية هو مظهر من مظاهر أزمة أو مأزق كبير يعيشه العالم العربي والعالم الإسلامي، ولا يمكنني فعلا أن أكون طرفا فيه، لأن ذلك لا يتناسب مع الرؤية الشاملة التي أتبناها والتي تختلف عما هو سائد حاليا.

فلا بد لي إذا أن أمارس الفعل النقدي، يعني أن أمارس وظيفة المفكر ووظيفة الداعية الديني أيضا في هذا المجال وهي النقد، ولا بد من تفكيك نقدي لهذه الظاهرة لكي نتلمس الاتجاهات الصائبة والصحيحة والتي تستلزمها حركة النهضة التي نطمح لها.
_______________
قسم البحوث والدراسات-الجزيرة نت