*إعداد: شفيق شقير

"يجب أن يفهم الأغنياء في البلاد أن الحكومة التي أقودها تعمل من أجلهم وهو تحقيق شيء للفقراء، مما سيساعد على خلق توازن، نسعى لإقرار التوازن في البلاد حتى يمكننا أن نعيش في سلام". بهذه العبارة دافع شافيز عن أهدافه السياسية في إحدى الكلمات التي ألقاها.

محاولة الانقلاب
شافيز الذي انتخب عام 1998 وأعيد انتخابه عام 2000 لمدة ست سنوات، يعتبره البعض أول رئيس فنزويلي يعمل لصالح الفقراء الذين يشكلون 80% من الشعب الفنزويلي، ولكن هذا لم يمنع من أن يتعرض لمحاولة انقلاب فاشلة في 11 أبريل/ نيسان 2002، قادها بعض الضباط في الجيش ونصبوا بيدرو كارمونا رئيسا مؤقتا للحكومة الانتقالية التي لم تعمر أكثر من 48 ساعة في الحكم، فسقطت بعد مظاهرات شعبية مؤيدة لشافيز، وبعد تدخل الجيش لصالح شافيز وإعادته للحكم.

المعارضة الفنزويلية:

تظاهرة معارضة للرئيس شافيز
ومنذ ذلك الانقلاب الفاشل ما زالت فنزويلا تتأرجح بين المعارضين لشافيز والموالين له، وسيرت المعارضة تظاهرات ضخمة تطالب باستقالته أو بالاستفتاء على رئاسته أو بإجراء انتخابات مبكرة، الأمر الذي يرفضه شافيز بالقطع، ويتمسك بأن القانون لا يسمح باستفتاء على رئاسته قبل مضي نصف ولايته في أغسطس/ آب المقبل.

وتنحي المعارضة -وهي مجموعة من رجال الأعمال والاتحادات العمالية والإعلاميين الذين تساندهم الطبقة المتوسطة والعليا في فنزويلا الذين يشكلون حوالي 20% من مجموع السكان- باللائمة على شافيز في دفع فنزويلا إلى الركود الاقتصادي والفوضى السياسية، بسبب ما سموه أسلوبه الاستبدادي وإصلاحاته اليسارية التي يقول إنها تساعد الفقراء. وأبدت المعارضة إصرارا على مواصلة إضراباتها التي أصبحت شبه يومية في كراكاس العاصمة، ودعت إلى إعلان العصيان المدني، وأثرت على سير الحياة المعتادة في العاصمة والمدن الرئيسية وأدى الإضراب إلى تراجع أداء قطاع النفط شريان الحياة لفنزويلا.

قطاع النفط
وهو من أكبر القطاعات المنتجة في فنزويلا، وتمتلكه الحكومة عبر شركة فنزويلا الوطنية، ويؤمن للبلاد 80% من النقد الأجنبي و55% من الموارد الضريبية، كما يقول علي رودريغز رئيس الشركة.

وكان السخط والتذمر قد بدآ يظهران في أوساط كبار المسؤولين الإداريين لشركة النفط والفنيين العاملين بها، من جراء تنامي الدلائل على اعتزام الرئيس استخدام جزء من رأسمال الشركة في تمويل برامجه الإصلاحية ذات الطابع الاجتماعي. فدخلت نقابات عمال النفط في الثاني من ديسمبر/ كانون الأول 2002 في إضراب مفتوح مهددين القطاع بالشلل، ومسببين للبلاد خسارة يومية بسبب توقف صادرات نفطية تقارب خمسين مليون دولار، وذلك حسب تقدير وزير الطاقة الفنزويلي رافاييل راميريز.

واتهم شافيز المعارضين بأنهم وراء الأزمة وبأنهم "يريدون وقف الصناعة النفطية لزرع الفوضى وتبرير تدخل عسكري وقلب الحكومة" وأنهم "يريدون إقامة حكومة تخصخص شركة المحروقات الوطنية". ودعا الجيش لحماية صناعة البلاد الرئيسية، وكان أن تدخلت البحرية الفنزويلية في محاولة لتسيير ناقلات النفط وحمايتها.

الجيش الفنزويلي
بعد الانقلاب الفاشل وعودة شافيز للحكم عمل على إيقاف العديد من العسكريين والضباط في الجيش عن العمل، واستمر بعض هؤلاء الضباط في التحريض على شافيز وحكومته وحثوا القوات المسلحة على عدم الانصياع لأوامر الحكومة والتخلي عن شافيز.

كما شارك في التظاهر عدد من ضباط الجيش المتقاعدين للمطالبة باستقالة الرئيس، كما طالبوا بوقف حملات التطهير الجارية في الجيش، واتهم البعض منهم الرئيس شافيز بأنه يسعى للقضاء على الجيش وإحلال مليشيات خاصة.

ورغم هذا فإن الجيش وفرقه ما زال ملتزما بشرعية الرئيس شافيز الذي تنتهي ولايته في العام 2006، وأكد الرجل القوي في الجيش الفنزويلي الجنرال راؤول بادويل -وهو قائد فرقتين وكتيبة مظلية- أن العسكريين سيدافعون عن مؤسسات الدولة، واعتبر أن الشلل الذي يصيب صادرات فنزويلا النفطية يشكل هجوما عليها.

وما زال الجيش يعتبر أهم ضمانة لاستمرار حكم الرئيس شافيز، وتحاول المعارضة التأثير على موقف المؤسسة العسكرية، بالاستفادة من الضباط المتضررين من حكم شافيز ولا سيما الذين طالهم التطهير عقب الانقلاب الأخير أو الذين أعفوا من العمل في شركة النفط الفنزويلية إضافة إلى بعض المتقاعدين.

شعبية شافيز

تظاهرة مؤيدة لشافيز
رغم حديث وسائل الإعلام عن انخفاض شعبية شافيز فإنه يلقى دعما كبيرا في الكثير من الأحياء الفقيرة والمناطق العشوائية التي يعتبره سكانها بطلا ويعتمد هو عليهم في مواجهة المعارضة. ويعمل أنصار شافيز على تسيير المظاهرات المؤيدة له، إلا أن وسائل الإعلام الفنزويلية -كما يقول مراسل الجزيرة- اعتادت التركيز على نقل تظاهرات الاحتجاج دون غيرها، حيث يملك رجال الأعمال الأغنياء معظم الصحف ومحطات التلفزيون، وهؤلاء من أهم الفئات المعارضة لسياسات وتوجهات شافيز. ويتهمهم أنصار شافيز بأنهم ينالون دعما غير محدود من الولايات المتحدة الأميركية.

الدور الأميركي في الأزمة
وكانت التحقيقات الفنزويلية في محاولة الانقلاب الفاشلة التي أدت إلى مصرع 57 شخصا، قد أظهرت دعما أميركيا للانقلابيين، حيث قال مسؤول
فنزويلي إن الملحق العسكري الأميركي كان موجودا إلى جانب منفذي محاولة الانقلاب في قاعدة تيونا العسكرية أثناء التخطيط للانقلاب.

وذكرت مصادر فنزويلية أن ضابطين في الجيش الأميركي، الأول يدعى جيمس روجرز والثاني رونالد ماك كامون، كانا موجودين مع الانقلابيين منذ التحضير لعملية الانقلاب وحتى تنفيذها، وهو ما نفته الولايات المتحدة.

وبغض النظر عن صحة المشاركة الأميركية في الانقلاب، فإن واشنطن سارعت فور وقوع الانقلاب بإلقاء المسؤولية عنه على الرئيس شافيز، ووصفت الانقلابيين بالقوى الديمقراطية ووعدت حينها بمساعدتهم من أجل "إعادة العناصر الأساسية للديمقراطية".

شافيز في عناق مع فيدل كاسترو
فالولايات المتحدة تظهر تبرما من أداء شافيز السياسي وميوله اليسارية، فهو لم يتورع عن إقامة علاقات مميزة مع الرئيس الكوبي فيدل كاسترو العدو التقليدي لأميركا في القارة الأميركية، إضافة إلى علاقاته الجيدة مع إيران وليبيا، فضلا عن انتقاده للحرب التي تقودها واشنطن على ما أسمته الإرهاب في أفغانستان واتهمها حينها بأنها تقتل مدنيين أبرياء.

كما أن أميركا تبدي استياء من سياسات شافيز النفطية القائمة على ضبط الإنتاج للمحافظة على أسعار مقبولة لصالح المنتجين، فشافيز كان قد نشط في العامين المنصرمين لإرساء هذه السياسة في منظمة أوبك حتى إنه زار العراق لهذه الغاية وهو ما تعتبره أميركا تحديا لإرادتها السياسية.

لهذا، فمع ورود الأنباء عن وقوع الانقلاب والإعلان عن استقالة الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز وتعهد الانقلابيين بزيادة إنتاج البترول والانسحاب من الأوبك فقد شهدت الأسواق العالمية هبوطا في أسعار النفط، وهو ما لم يستمر بعد أن تبين فشل الانقلاب.

استمرار الأزمة
إن الأزمة الفنزويلية مرشحة للاستمرار ما دام كل طرف من طرفي النزاع غير قادر على حسم المعركة لصالحه، وكل طرف يمتلك عناصر قوة ويعاني من بعض نقاط الضعف، وإذا كان الجيش العنصر الأقوى في المعادلة الداخلية لا يزال في صف الرئيس شافيز فإن الولايات المتحدة بقدراتها الضخمة تقف وراء المعارضة، ولفنزويلا أهمية خاصة في الاقتصاد الأميركي حيث يشكل النفط الفنزويلي النسبة الكبرى من النفط الذي تستورده الولايات المتحدة وللجوار الجغرافي.

فالشركات النفطية الأميركية هي الشريك التجاري الأبرز لفنزويلا والأكثر ضررا من سياسات شافيز النفطية التي تعتمد الضرائب العالية على القطاع النفطي إلى جانب ملكية الدولة لهذا القطاع برمته، وكذلك فإن جهود الولايات المتحدة لتقليص الاعتماد على نفط الشرق الأوسط ستلقى نجاحا في ظل وجود حكومة موالية لأميركا في فنزويلا، مع ما ورد ذكره عن عزم الانقلابيين الخروج من منظمة أوبك وزيادة معدل الإنتاج.

ولعل الحرب على العراق إذا وقعت ستسهم في انحسار الأزمة الفنزويلية لصالح استقرار السوق النفطي، ولكن هذه الأزمة ستبقى مرشحة للاشتعال ما دامت الولايات المتحدة تلقى نجاحا في حروبها المتتالية.
______________
* قسم البحوث والدراسات -الجزيرة نت