لا تزال حالة الطوارئ مفروضة على مصر منذ اغتيال الرئيس السادات في حادث المنصة عام 1981 حتى الآن

 

ارتفعت سخونة التحركات الشعبية بمصر في الآونة الأخيرة المطالبة بالإصلاح السياسي, وأصبحت العاصمة تستيقظ على مشهد متكرر مكوناته من رجال الشرطة والقوات الخاصة مدججين بالسلاح يغلقون منافذ وسط القاهرة أمام نداءات مختلفة للتظاهر، تتوزع بين حركة كفاية وحزب العمل المجمد وجماعة الإخوان المسلمين, ومؤخرا انتقلت العدوى لمحافظات الأقاليم.
 
وحبس المصريون أنفاسهم على مدى ثلاثة أيام تحدث فيها الرئيس مبارك عبر التلفاز المصري الرسمي (كلمة للتاريخ) قدمت له وسائل الإعلام الرسمية باعتبار أنه سيتضمن مفاجأة غير أنها خلت من ذلك مما يترقبه أغلبية الشعب المصري من إجراءات جادة لتغيير بنية النظام.

والذي يحتاج لمراجعة ضرورية عند الحديث عن الإصلاح السياسي في الحياة السياسية المصرية، هو تعديل نسق الثقافة التي تتحكم في صنع القرار داخل أروقة الحكم ومؤسساته.


فثقافة الاستبداد التي تدرس في كليات الشرطة تصنع من طالب الشرطة ضابطا منحازا للسلطة، متسلحا بأدوات القهر والسب وانتهاك حقوق الإنسان.
 
قانون الطوارئ وثقافة الاستبداد
"
استمرار سريان قانون الطوارئ على هذا النحو يجعل منه دستورا ثانيا يوفر للسلطة حصانة إزاء انتهاكات حقوق الإنسان وتهميش الدستور والقانون
"
وإذا كانت المناداة بإلغاء قانون الطوارئ لتأثيراته السلبية على الحياة السياسية والاجتماعية ضرورية, فإن تطبيقه يشهد خروقات متكررة تعتمد على ثقافة الاستبداد التي تحكم منهجية دولاب الحكم والسلطة.
 
فهذا القانون يتيح حقوقا للشخص المشمول بتدابيره العقابية، فلا ينبغي القبض أو حبس أي مواطن دون إذن كتابي وبعد إعلانه كتابة بأسباب القبض أو الاعتقال وفقا لأحكام هذا القانون, لكن شيئا من هذا لا يحدث ويساق المقبوض عليهم في أوصاف بغيضة معصوبي الأعين إلى أماكن الاحتجاز السرية ثم المعتقلات دون أن يعلموا شيئا عن أسباب القبض أو الاحتجاز.
 
وإذا قرر هذا القانون للمقبوض عليه وفق أحكام الطوارئ أن يتظلم من قرار الاعتقال بعد ثلاثين يوما ويعرض تظلمه على محكمة عليا لأمن الدولة طوارئ -التي إذا ما قررت قبول تظلمه والإفراج عنه فإن هذا الحكم يعد وجوبيا يتعين تنفيذه- فإن ثقافة الاستبداد أتاحت لرجال السلطة إعادة المعتقل مرة أخرى ضاربة عرض الحائط بأحكام القضاء.
 
ولا يعوزني القول إن اتخاذ مجلس الشعب للمرة الحادية عشرة على التوالي قرارا بشأن تمديد العمل بحالة الطوارئ (*) وما يستوجبه ذلك من استمرار العمل بقانون الطوارئ رقم 162 لسنة 1958، يضعف من دلالة التطورات التشريعية الإيجابية التي تمثلت في إنشاء المجلس القومي لحقوق الإنسان، وإلغاء القانون 105 لسنة 1980 الخاص بإنشاء محاكم أمن الدولة العليا، وإلغاء عقوبة الأشغال الشاقة.
 
ولا شك أن استمرار سريان قانون الطوارئ على هذا النحو يجعل منه دستورا ثانيا يوفر للسلطة حصانة إزاء انتهاكات حقوق الإنسان وتهميش الدستور والقانون, فضلا عن عدم وجود رقابة فعلية على إعلان حالة الطوارئ وتمديدها باعتبارها عملا من أعمال السيادة، إضافة إلى كون رئيس الجمهورية الذي يعلن حالة الطوارئ هو نفسه رئيس الحزب الوطني صاحب الأغلبية في البرلمان الذي يصادق عليها.

ومن أبرز الانتهاكات التي تقع تحت مظلة الطوارئ، نذكر ما يلي:

1- سلطة وضع القيود على حرية الأشخاص في الاجتماع والتنقل والإقامة، والقبض على المشتبه فيهم أو الخطرين على الأمن واعتقالهم وتفتيش الأشخاص والأماكن دون التقيد بأحكام قانون الإجراءات الجنائية (المادة 3 من قانون الطوارئ).
 
ولا شك أن هذه السلطة تشكل انتهاكا جسيما للحقوق والضمانات التي حرص الدستور المصري على تأكيدها في المادة (41) الخاصة بالحرية الشخصية، والمادة (44) الخاصة بحرمة المسكن، والمادة (50) الخاصة بحرية التنقل والإقامة، والمادة (54) الخاصة بحرية الاجتماع. كما تهدر العديد من الحقوق والضمانات المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي صادقت عليه الحكومة المصرية.

2- سلطة إنشاء محاكم استثنائية في حالة الطوارئ، وهي محكمة أمن الدولة الجزئية، ومحكمة أمن الدولة العليا (طوارئ) للنظر في الجرائم التي تقع بالمخالفة لأحكام الأوامر التي يصدرها رئيس الجمهورية أو من يقوم مقامه (المادة 7/1) وإمكانية إدخال العنصر العسكري في تشكيل المحكمة (المادة 7/4).
 
وهو ما يعد مخالفة صريحة للمعايير الدستورية والدولية الخاصة بالفصل بين السلطات واستقلال القضاء وحصانة القضاة (المواد 165-173 من الدستور) والمادة 14 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.
 
كما يجوز لرئيس الجمهورية وفقا للمادة (9) من قانون الطوارئ أن يحيل إلى محاكم أمن الدولة العليا (طوارئ) الجرائم التي يعاقب عليها القانون العام، وفي ذلك مخالفة واضحة للمادة (40) من الدستور التي تنص على مبدأ "المساواة بين المواطنين" وما يتفرع عنه من حق كل مواطن في الالتجاء إلى قاضيه الطبيعي الذي أكدته المادة (68) من الدستور.

"
استخدام قانون الطوارئ وغيره من القوانين المقيدة للحريات المدنية والسياسية يتم في سياق استفادة النظام لقطع السبيل أمام مشاركة فعالة في إدارة الشؤون العامة للبلاد، وفي مواجهة المعارضين السياسيين ممن ينتهجون منهجا سلميا في العمل السياسي

"
وقد حرمت المادة (12) المتهمين من الطعن في الأحكام الصادرة من محاكم أمن الدولة؛ وهو ما يعد إخلالا جسيما بحق المتهمين في الطعن علي الأحكام أمام محكمة قضائية أعلى وفق المادة (14) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.

كذلك قضت ذات المادة ألا تكون أحكام محاكم أمن الدولة نهائية إلا بعد تصديق رئيس الجمهورية، وهو تدخل غير مبرر في أعمال السلطة القضائية وانتهاك لمبدأ الفصل بين السلطات، ويجعل تنفيذ الأحكام القضائية رهنا بمشيئة السلطة القائمة على حالة الطوارئ، وذلك من الأمور التي تأباها روح العدالة.

3- لرئيس الجمهورية متى أعلنت حالة الطوارئ أن يحيل إلى القضاء العسكري أيا من الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات أو أي قانون آخر (المادة 6 من قانون الأحكام العسكرية) وهو يعتبر مخالفة جسيمة لنصوص الدستور وأحكام العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ولجميع المعايير الدولية بشأن استقلال القضاء التي تؤكد حق المتهمين في اللجوء أو المثول أمام قاضيهم الطبيعي وحظر جميع صور القضاء الاستثنائي.

والمؤكد أن استخدام قانون الطوارئ وغيره من القوانين المقيدة للحريات المدنية والسياسية يتم في سياق استفادة النظام لقطع السبيل أمام مشاركة فعالة في إدارة الشؤون العامة للبلاد، وتفعيله في مواجهة المعارضين السياسيين ممن ينتهجون منهجا سلميا في العمل السياسي.

ازدواجية تشريعية
واللافت أنه رغم الصلاحيات الواسعة التي تحصل عليها السلطة من قانون الطوارئ فقد سعت إلى إجراء تعديلات متكررة في قانوني الإجراءات الجنائية والعقوبات بالقانون (93) لسنة 92 بما وصف بتشريع "مكافحة الإرهاب" الذي أعطى صلاحيات إضافية لرجال السلطة  في القبض والاحتجاز وتأخير عرض المتهمين على سلطة التحقيق القضائية وبقائهم لمدة سبعة أيام في حوزة رجال السلطة بعيدا عن أي رقابة، وشرع تشديدا في العقوبات المقررة  قانونا.
 
كما صدر القانون رقم (95) لسنة 2003 بشأن إلغاء القانون (105) لسنة 1980 بإنشاء محاكم أمن الدولة، وبتعديل بعض أحكام قانوني العقوبات والإجراءات الجنائية مرة أخرى، وقد جاءت المادة الخامسة لتضيف مادة إلى قانون الإجراءات الجنائية تحت رقم (206 مكرر) تضمنت منح أعضاء النيابة العامة من درجة رئيس نيابة على الأقل الاختصاصات المقررة لقاضي التحقيق في الجنايات المنصوص عليها في الأبواب (الأول والثاني والثاني مكرر والرابع) من الكتاب الثاني من قانون العقوبات، كما يكون لها سلطة محكمة الجنح المستأنفة منعقدة في غرفة المشورة المبنية في المادة (143) من قانون الإجراءات.
 
ولا شك أن هذه الاختصاصات المضافة إلى سلطة النيابة العامة تعد قيدا على الحق في المحاكمة العادلة والمنصفة بعد أن جمعت النيابة العامة ثلاث سلطات، وهي سلطة التحقيق وسلطة الاتهام وسلطة الإحالة، فضلا عن صلاحية الحبس الاحتياطي والتي تمتد بموجب هذا التعديل إلى ستة شهور دون الحق في التعويض أو رقابة القضاء عليها.

خطورة عدم التعامل مع التشريعات المقيدة للحريات:
وفي كل الاحوال فإن قضية الإصلاح السياسي ستظل الشغل الشاغل للنخب المصرية في الفترة المقبلة، خصوصا في ظل تعنت الدولة والحزب الوطني الحاكم وإصرارهما على تنفيذ برنامج إصلاحي أقل من طموحات قوى المعارضةه ولا يتناسب بالأساس مع تطورات محلية وإقليمية ودولية يكاد النظام لا يشعر بها أو يتجاهلها، في حين أنها واضحة ومؤثرة حتى على النظام نفسه.
 
وكأنه لايدري ولم يعد متصورا مثلا أن تتم الانتخابات الرئاسية المقبلة بالآليات نفسها التي كانت تتم بها الاستفتاءات الأربعة التي تسابق فيها الرئيس حسني مبارك مع نفسه، ولم يعد ممكنا إخفاء الإجراءات البوليسية أثناء الانتخابات البرلمانية كما كان الحال في الماضي.
 
فمصر ستكون محل أنظار العالم ووسائل الاتصال والتقنيات الحديثة في مجال الإعلام، صارت تحد من قدرة الحكومة على الضغط على وسائل الإعلام لتخفي التجاوزات التي تصاحب العملية الانتخابية، فهل يتصور أحد أنه يمكن لقوات الأمن أن تحاصر القرى أو الدوائر الانتخابية كي تمنع الناس من ممارسة حقوقهم في الانتخاب، كما جرى في الانتخابات السابقة؟. هي يمكن أن تلجأ الشرطة الي حصد منافسي مرشحي الحزب الحاكم واعتقالهم قبل فتح باب الترشيح كما كانت العادة؟
 
"
الاختصاصات المضافة إلى سلطة النيابة العامة تعد قيدا على الحق في المحاكمة العادلة بعد أن جمعت ثلاث سلطات: التحقيق الاتهام والإحالة، فضلا عن صلاحية الحبس الاحتياطي

"
فهل يقبل العالم الآن بمشهد جموع جنود الأمن المركزي، وهم يرتدون الملابس المدنية، ويصطفون أمام لجان الاقترع ليدلوا بأصوات الناس في عمليه تزوير فاضحة؟
 
وهو الأمر الذى أثار قضاة مصر مطالبين بتعديل فى القانون (73) لسنة 1956 المسمى بقانون تنظيم مباشرة الحقوق السياسية المعدل بالقانون رقم (76) لسنة 1976، وإلغاء هيمنة وزارة الداخلية على العملية الانتخابية، وتعديل قانون السلطة القضائية بما يتيح للقضاة الهيمنة على العملية الانتخابية من بدايتها التحضيرية المتمثلة فى الإشراف على إعداد كشوف الانتخاب، وتسليم البطاقات الانتخابية والسيطرة على أماكن الاقتراع كلها.
 
فهل يستطيع الحزب الحاكم أن يجاري كفاءة الإخوان المسلمين في العمل التنظيمي وحشد الناس لتأييد مرشحيهم؟

إن هناك حاجة ملحة للنظر فى ترسانة من القوانين استقر المجتمع المصرى على وصفها بالقوانين سيئة السمعة التى ابتدع الرئيس السابق أنور السادات الغالبية منها وأبرزها:
  • القانون (73) لسنة 56 بتنظيم مباشرة الحقوق السياسية.
  • القانون (37) لسنة 62 بضمان حرية المواطنين.
  • القانون (33) لسنة 77 الخاص بنظام الأحزاب السياسية.
  • القانون (33) لسنة 78 بشأن حماية الجبهة الداخلية والسلام الاجتماعى.
  • القانون رقم (95) لسنة 80 بحماية القيم من العيب.

لقد تغير العالم وتبدلت الأوضاع وصار ما كان يحدث في الماضي عسيرا على الراغبين في الإبقاء على الحال كما كان، ولابد للحزب الوطني أن يعي أن عملية الإصلاح هي في صالحه أولا وقبل أي طرف آخر، لكنه العند السياسي والتعنت في مواجهة الحقائق والرغبة في الاستئثار بالسلطة، حتى لو هدد ذلك مستقبل البلاد.
_______________
عضو مجلس النقابة العامة للمحامين بمصر، ناشط حقوقى.
 (*) كان مجلس الشعب قد وافق  يوم 23 فبراير/شباط 2003 على قرار رئيس الجمهورية رقم (40) لسنة 2003 بشأن مد حالة الطوارئ الذي نص في مادته الأولى على أنه تمتد حالة الطوارئ المعلنة بقرار رئيس الجمهورية المؤقت رقم (560) لسنة 1981 لمدة ثلاث سنوات اعتبارا من يونيو 2003 حتى 31 مايو 2006، وتعد هذه المرة الحادية عشرة على التوالي لمجلس الشعب بشأن تمديد العمل بحالة الطوارئ وما يستوجبه ذلك من استمرار العمل بقانون الطوارئ رقم (162) لسنة 1958، وبذلك تصبح حالة الطوارئ مطبقة في مصر دون انقطاع طيلة 23 عاما.